Define your generation here. Generation What

تيران وصنافير: هل كان الخطأ أننا قاطعنا البرلمان؟

ما أن انتقلت اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية إلى قبة البرلمان، حتى علت أصوات جهرًا وأخرى سرًا، بعضها بيقين وأخرى بتردد، تقول بأننا نتجرع اليوم مرارة المقاطعة التي قررناها لانتخابات برلمان العام 2015.

يرى أصحاب هذا الرأي أن المشاركة كانت أولى من المقاطعة، وأننا نحصد اليوم ما زرعنا بالأمس، وأن حصادنا الذي أحيط بثمره، كان بإمكانه أن يكون غير الذي كان، وهو تصور على حجيته الظاهرة يصطدم بعدد من الحقائق يجدر الوقوف أمامها والبناء عليها.

الحقيقة الأولى: أن أصحاب هذا الرأي من التيار المدني، وبفكرتهم هذه، يصطفون دون شعور مع معارضيهم من التيار الديني، في تفسير سبب الانقلاب؛ كلاهما يتصور السبب نفسه مع اختلاف بسيط.

فجموع الإسلاميين يرون الانقلاب استهدف مرسي لذاته، فيما يرى أصحاب هذا الرأي من التيار المدني أن الانقلاب استهدف مرسي لممارساته.

والحقيقة أن انقلاب الثالث من يوليو صيف عام 2013، لم يستهدف مرسي، لا لذاته، ولا لممارساته.

فالانقلاب كان يستهدف المسار، يستهدف الآلية، كان يقطع الطريق، يوقف حركة الصندوق، كان يضع حدًا لعملية التحول من قواعد دولة يوليو العسكرية، إلى قواعد دولة يناير الديمقراطية.

كان الانقلاب وأدًا للتجربة في مهدها، وهو وأد سهلته جماعة الإخوان المسلمين، التي فضلت هدم المسار، عن أن تخرج هي من المسار، عكس ما فعله أقرانهم في تونس، الذين فضلوا الثانية خشية وقوع الأولى.

الانقلاب استهدف الانتخاب، ومن أصدر قرارًا بإلغاء انتخاب قيادات قبة الجامعة، لم يكن ليترك أمر انتخاب قبة البرلمان.

الحقيقة الثانية: في أكتوبر عام 2015، قرر طلابٌ مستقلون ومعارضون الهبوط من قطار الاستسلام، في أول محطة للأمل، وهي المحطة التي سمحت فيها وزارة التعليم العالي ببدء إجراء انتخابات اتحادات الطلاب، بعد عامين من تعطيلها، بحجة الظرف الأمني.

ووفق لائحة عام 2013، التي هي إحدى الثمرات الجامعية لثورة يناير، أُجريت هذه الانتخابات.

في طريق وعر سار الطلاب المرشحون، تقبلوا تعديلات أجريت على اللائحة، تحملوا عقبات ما قبل الترشح، وصعوبات الاستبعاد دون أسباب، والتضييق على أعمال الدعاية، وانتهاكات عمليات الاقتراع، والتدخل الفوقي لصالح قوائم طلابية دون أخرى، وكل ذلك مرصود بتفاصيله لدى مؤسسة حرية الفكر والتعبير في تقريرها «كسر الطوق».

في نهاية الطريق، تكلل مسعاهم بالنجاح؛ 12 طالبًا مستقلًا يحصدون 12 مقعدًا من أصل 14، هي مقاعد اللجان العليا السبع، والطالب المستقل عبد الله أنور، رئيسًا لاتحاد طلاب مصر.

غير أن هذه النتائج على الورق، تحطمت على الواقع، فبجرة قلم ألغى وزير التعليم العالي الانتخابات كلها، متعللًا ببطلان لائحة الثورة، ومطالبًا بالعودة إلى لائحة ما قبلها.

كاد الأمل يتخطى اليأس، فكسر الأخير قدمه.

الحقيقة الثالثة: في تلك الحقبة نهاية عام 2015، وبينما كانت المعركة الانتخابية تُجرى، كانت مصر تسجن جيلًا كاملًا، وتسحق آماله في المستقبل، حسب وصف تقرير منظمة العفو الدولية، الذي وثّق حينها اعتقال 41 ألف سجين سياسي من شتى ألوان الطيف السياسي.

وما رأته «العفو الدولية» حبسًا لجيل كامل، رأته منظمة أخرى، هي «التنسيقية المصرية للحقوق والحريات»، إعدامًا لوطن كامل، بعدما رصدت هي الأخرى بلوغ أحكام الإعدام 1163 حكمًا.

كان هذا العام الذي وصل فيه الاختفاء القسري، ألفًا وخمسة عشر حالة، حسب ما وثّقه مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف.

وهو العام الذي قررت فيه مصر، رغم أزمتها المالية، بناء خمسة سجون جديدة، تنضم إلى أكثر من أربعين آخرين، فضلا عن عشرات من أقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز، ما علمنا منها وما لم نعلم.

في أجواء كهذه أجريت الانتخابات، فأي نتيجة كان يمكن لها أن تكون؟ كيف كنا نتصور الخروج من دائرة الاستهداف ودخول دائرة البرلمان، لتغيير وجه الخريطة التشريعية؟ إن عشرات الألوف من هؤلاء المحبوسين والمختفين، كانت كل جريمتهم الاشتغال بالسياسة، أو محاولة الاقتراب منها.

الحقيقة الرابعة: في هذه المساحة كنت قد كتبت مقالًا بعنوان (في جامبيا، ديكتاتور هزمه صندوق)، أُبشّر فيه بإمكانية الانتصار عبر الصندوق، لكني استخلصت أمرين في المقال، أو لفتُّ النظر إلى شرطين، اعتبرتهما مفتاحًا لنجاح تجربة جامبيا، وهما توحد المعارضة داخليًا خلف مرشح واحد، وثانيًا المساندة الإقليمية الخارجية التي استفاد منه المتوحدون في الداخل، وهما شرطان يتبدى منهما حجم الفوارق بين انتخابات برلمان 2015 وما أحاطت به من ظروف وبين انتخابات رئاسية، يمكن أن تشكل مخرجًا للحل.

وبقدر ما يكون النظر إلى المستقبل مهمًا لنا، فإن مراجعة الماضي لا تقل أهمية، فقدرتنا على الخروج من أزمتنا مرهون في جزء كبير منه على معرفة كيف دخلناها.

اعلان
 
 
عبد الهادي حريبة  heriba500