اتفاقية ترسيم الحدود -وليس قرار مبارك- هي التي ستنقل تبعية تيران وصنافير للسعودية

في اجتماع اللجنة التشريعية يوم الأحد الماضي بمجلس النواب دفع ممثلو الحكومة المصرية بأن نقل السيادة على جزيرتي تيران وصنافير من مصر إلى السعودية قد حدث بالفعل بموجب قرار أصدره مبارك بتحديد نقاط الأساس الحدودية لمصر على البحر الأحمر. فيما يلي تفنيد لهذا الدفع بموجب القانون الدولي والدستور المصري.

الدولة المصرية جزء من المجتمع الدولي الذي بدأ يعترف بالحدود السياسية بين الدول في العصر الحديث مع بدايات القرن التاسع عشر، لما لها من أهمية سياسية تتجلى في الدفاع عن حدود الدولة، وتحديد مدلول الجنسية، ومفهوم التمثيل الدبلوماسي؛ وأهمية اقتصادية في استغلال الموارد الطبيعية في البر والبحر والجو وفرض الجمارك والضرائب والرسوم داخل حدودها؛ وأهمية ديمغرافية في تحديد المواطنين والمهاجرين منها وإليها والمقيمين فيها وخارجها وغيرها. ولعل أبرز ما ترسمه تلك الحدود هو تعيين نطاق سيادة الدولة صاحبة الإقليم.

وتُعد الحدود البحرية إحدى أنواع تلك الحدود الطبيعية التي تسعى لتعيينها الدول لبلوغ الغايات المذكورة. وقد تُتخذ إجراءات هذا التعيين إما بطريق الاتفاق بين الدول أو باللجوء للتحكيم أو لمحكمة العدل الدولية، وفي جميع الأحوال تخضع كافة الإجراءات والقواعد المطبقة لأحكام القانون الدولي وللاتفاقيات الدولية المعتبرة في هذا الشأن.

غير أن إقدام أي دولة على هذا الأمر مشروط بأن يكون متفقاً ونظامها الدستوري. فالدول التي يحكمها دستور ليست كغيرها من الدول ذات الحكم المطلق، إذ أن الدستور هو صنيعة إرادة الشعب الذي ارتضى به أن يكون الوثيقة الأولى والمرجع القانوني الأعلى فيما تتخذه الدولة بكافة مؤسساتها من أمور باعتباره العقد الذي بموجبه فوّض صاحب السيادة الشعب السلطات كلاً في حدود ولايتها بممارسة صلاحياتها طبقاً لأحكام هذا العقد، بحيث لا يخرج أي عمل صادر عن أي سلطة من السلطات أو ما يدنوها عمّا نص عليه الدستور.

وحيث إن دول العالم تسعى منذ أمد بعيد للتوصل إلى اتفاق لتحديد البحر الإقليمي، خاصة بعد فشل مؤتمر لاهاي عام 1930، فقد عُقدت من بعد الحرب العالمية الثانية ثلاثة مؤتمرات دولية كبيرة لبحث قوانين البحار والمياه الإقليمية في نطاق الأمم المتحدة، كان أولها عام 1958 في جنيف وثانيها عام 1960 (وهذا لم يكتب له النجاح)، وكان آخرها عام 1982 وفيه خرجت للوجود أحدث اتفاقية حازت على وفاق دولي.

هذه الاتفاقية (اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار UNCLO)، وقعت عليها مصر في مونتيجوبي بجاميكا بتاريخ 10 ديسمبر 1982، وصدر قرار رئيس الجمهورية رقم 145 لسنة 1983 المؤرخ 30 إبريل سنة 1983 بشأن الموافقة عليها مع التحفظ بشرط التصديق وبمراعاة الإعلانات الواردة بالمادة الثانية من القرار المذكور، ونُشرت بالجريدة الرسمية بعددها رقم 18 [تابع] في 4 مايو سنة 1995، وبذلك أصبحت لها قوة القانون. وقد نصت الاتفاقية على الآتي:

المادة (2) الواردة بالجزء الثاني: «البحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة»، تحت عنوان «الوضع القانوني للبحر الإقليمي وللحيز الجوي فوق البحر الإقليمي، ولقاعه وباطن أرضه» من الاتفاقية المذكورة تنص على أن

«1- تمتد سيادة الدولة الساحلية خارج إقليمها البري ومياهها الداخلية أو مياها الأرخبيلية إذا كانت دولة إرخبيلية، إلى حزام بحري ملاصق يعرف بالبحر الإقليمي.

2- تمتد السيادة إلى الحيز الجوي فوق البحر الإقليمي وكذلك إلى قاعة وباطن أرضه.

3- تمارس السيادة على البحر الإقليمي رهناً بمراعاة أحكام هذه الاتفاقية وغيرها من قواعد القانون الدولي ».

وتنص المادة (3) من الاتفاقية ذاتها تحت عنوان «عرض البحر الإقليمي» على أنّ «لكل دولة الحق في أن تحدد عرض بحرها الإقليمي بمسافة لا تتجاوز 12 ميلاً بحرياً مقيسة من خطوط الأساس المقررة وفقاً لهذه الاتفاقية ».

وتنص المادة (5) من الاتفاقية ذاتها تحت عنوان «خط الأساس العادي» على أنه «باستثناء الحالات التي تنص فيها هذه الاتفاقية على غير ذلك، خط الأساس العادي لقياس البحر الإقليمي هو حد أدنى الجزر على امتداد الساحل كما هو مبين على الخرائط ذات المقياس الكبير المعترف بها رسمياً من قبل الدول الساحلية».

وتنص المادة (6) من الاتفاقية ذاتها تحت عنوان «الشعاب المرجانية» على أنه «في حالة الجزر الواقعة فوق حلقات مرجانية أو الجزر المحاطة بشعاب مرجانية، خط الأساس لقياس عرض البحر الإقليمي هو حد أدنى الجزر للشعبة المرجانية باتجاه البحر كما هو مبين بالرمز المناسب على الخرائط المعترف بها رسميا من قبل الدولة الساحلية ».

كما تنص المادة (7) منها تحت عنوان «خطوط الأساس المستقيمة» على التالي:

«1- حيث يوجد في الساحل انبعاج عميق وانقطاع، أو حيث توجد سلسلة من الجزر على امتداد الساحل وعلى مسافة قريبة منه مباشرة، يجوز أن تستخدم في رسم خط الأساس الذي يقاس منه عرض البحر الإقليمي طريقة خطوط الأساس المستقيمة التي تصل بين نقاط مناسبة.

2-……

3- يجب ألا ينحرف رسم خطوط الأساس المستقيمة أي انحراف ذي شأن عن الاتجاه العام للساحل………

4-….

5-حيث تكون طريقة خطوط الأساس المستقيمة قابلة للتطبيق بموجب الفقرة «1» يجوز أن تؤخذ في الاعتبار، في تقرير خطوط أساس معينة، ما تنفرد به المنطقة المعينة من مصالح اقتصادية ثبت وجودها وأهميتها ثبوتاً جلياً بالاستعمال الطويل».

وتنص المادة (15) منها تحت عنوان «تعيين حدود البحر الإقليمي بين دولتين ذواتي سواحل متقابلة أو متلاصقة» على أنه: «حيث تكون سواحل دولتين متقابلة أو متلاصقة، لا يحق لأي دولة من الدولتين، في حالة عدم وجود اتفاق بينهما على خلاف ذلك، أن تمد بحرها الإقليمي إلى أبعد من الخط الوسط الذي تكون كل نقطة عليه متساوية في بعدها عن أقرب النقاط على خط الأساس الذي يقاس منه عرض البحر الإقليمي لكل من الدولتين، غير أن هذا الحكم لا ينطبق حين يكون من الضروري بسبب سند تاريخي أو ظروف خاصة تعيين حدود البحر الإقليمي لكل من الدولتين بطريقة تخالف هذا الحكم».

وتنص المادة (121) من الاتفاقية والواردة بالجزء الثامن تحت عنوان «نظام الجزر» على أن:

«1- الجزيرة هي رقعة من الأرض متكونة طبيعيًا، ومحاطة بالماء، وتعلو عليه في حالة المد.

2- باستثناء ما هو منصوص عليه في الفقرة «3»، يحدد البحر الإقليمي للجزيرة ومنطقتها المتاخمة ومنطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري وفقا لأحكام هذه الاتفاقية المنطبقة على الأقاليم البرية الأخرى.

3-ليس للصخور التي لا تهيئ استمرار السكنى البشرية أو استمرار حياة اقتصادية خاصة بها، منطقة اقتصادية خالصة أو جرف قاري».

من جانبها، فإن محكمة العدل الدولية قد أرست من خلال أحكامها العديد من المبادئ التي يُمكن الاهتداء بها في شأن الاعتراف بحق الدولة صاحبة السيادة الحقيقة على الإقليم المتنازع عليه، ومنها المبادئ التالية:

  • قضت «بخصوص خط الوسط بأنه يعني رسم خط وسط مؤقت، ثم بعد ذلك معرفة ما إذا كان يجب تعديله بالنظر للظروف الخاصة في المنطقة».
  • وفيما يخص السيادة على الجزر فقد قضت بأن «السيادة على إقليم وممارسة مظاهر السيادة أو التصرف كسيد هو المبدأ الذي طبقته بخصوص جزيرة قطط جرادة».
  • كما قضت بأن «أساس حق الدولة على المناطق البحرية، وجود شواطئ تطل على البحار، كما إن وجود امتدادات بحرية لدولة ما يفرض أن لها نافذة على البحار المجاورة لها، وهو ما أكدته المحكمة في هذه القضية».
  • وقضت بأن «مغزى تلك الممارسات يتوقف على وضع الإقليم وما إذا كان يوجد سند صحيح تثيره دولة أخرى وذلك يعني أن الأرض التي لا مالك لها يؤدي الاحتلال الفعلي لها إلى خلق سند للسيادة إذا توافرت الشروط اللازمة، أما إذا كان الإقليم تابعًا لسيادة دولة أخرى فإننا بصدد احتلال أو اغتصاب لا يكون له أثر قانوني».
  • وقضت أيضاً «بخصوص التحديد البحري وفقًا للقانون الدولي العرفي، وهو قانون واجب التطبيق وذلك لأن الدولتين لم تكونا طرفين في اتفاقيات جنيف لعام 1958 الخاصة بقانون البحار، أما بالنسبة لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 فقد كانت البحرين طرفًا فيها لأنها صدقت عليها، أما قطر فوقعت عليها فقط، ولكن المحكمة استخلصت أن الطرفين يسلمان بأن أغلب نصوص هذه الاتفاقية الخاصة بالقضية الحالية هي قواعد عرفية».

«يراجع في ذلك حكم محكمة العدل الدولية الصادر في 16/3/2001، Maritime Delimitation and Territorial Questions between Qatar and Bahrain (Qatar v. Bahrain) Summary of the Judgment of 16 March 2001»

  • كما أرست المحكمة مبدأ هاماً يتمثل في أن سيادة الدولة على الجزء المتنازع عليه تثبت لها بتحقق شرطين: الأول هو رغبة أو نية الدولة في مزاولة السيادة على الإقليم، والثاني هو ممارسة مظاهر السيادة بالفعل وقيام أدلة تثبت ذلك.

«حكم محكمة العدل الدولية في النزاع بين الدنمارك والنرويج حول منطقة شرق جرينلند – الصادر في عام 3319».

  • كما قضت المحكمة في حكم آخر لها بـ«أن القبول الضمني يؤثر على الامتدادات البحرية حيث فسرت السكوت البريطاني على الممارسات النرويجية في قضية المصائد السمكية والتي امتدت زمنًا طويلًا بمثابة قبول ضمني يحتج به في مواجهة بريطانيا».

«يراجع في ذلك (كتاب مجموعة أحكام محكمة العدل الدولية)،1951 ص138 وكذلك 1962 ص22-23 وص 32»

  • وقضت أيضاً في النزاع الحدودي بين دولتي هندوراس والسلفادور عام 1990 «بأنه في ظل عجز طرفي النـزاع عن تقديم أي مواد تشريعية أو مواد مشابهة توضح على وجه الدقة حدود الأقاليم والمقاطعات التي كانت خاضعة لسلطة التاج الإسباني في المنطقة، فإن المحكمة ستلجأ إلى الأنواع الأخرى من سندات الحق التي تقدم بها الطرفان، وهي عبارة عن الوثائق المتعلقة بهبات الأراضي التي وإن كانت لا ترقى إلى مستوى المراسيم الملكية التي تتحدد بموجبها الوحدات الإدارية، إلا أنها يمكن أن تنهض دليلاً على مواقع الحدود».

«يراجع في ذلك حكم محكمة العدل الدولية والصادر في 13/9/1990،  Case concerning Land and Maritime frontier dispute between ELSALVADOR and HONDURAS Summary of the Judgment of 13 September 1990»

وقضت أيضاً فى النزاع بين اليمن وإريتريا حول جزر حنيش عام 1998، حيث تمسكت إريتريا بوجود خفر السواحل الأثيوبي حول سواحل الجزر محل النزاع، وقررت المحكمة أن هذا الدليل حتي لو كان دقيقًا فيما يتعلق بالموقع ووثيق الصلة بالجزر، فإنه لا يمكن أن يقدم أكثر من ضوء خافت عن «وجود بحري أثيوبي متواصل أو منتظم حول الجزر محل النزاع»، لأن فترة الوجود البحري الأثيوبي كانت قليلة جدا بالمقارنة بالفترة التي لم يوجد فيها، فضلاً عن أن هذه التصرفات كانت تتم ليلا وبسفينة مظلمة، فقد قررت المحكمة بشأن هذا الدليل أن:

«Even if this evidence were precise as to location and relevance to the islands it could still hardly provide a demonstration of a “continuous Ethiopian naval presence around the disputed islands” as it covers only six months out of ninety-six and leaves out four years entirely of that continuous naval presence».

فيستفاد من القضاء السالف أن المحكمة كانت لتقيم وزنًا كبيرًا لمسألة الدفاع وتأمين الجزر المتنازع عليها لولا أن ظروف الحالة توحي بأن الوجود كان مختلسًا وبصورة لا تنم عن ظهور الدولة بمظهر سيادي.

المستفاد مما تقدم أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وضعت الإطار العام الذي يجب أن تلتزمه الدول عند تحديد بحرها الإقليمي حيث قررت أن لكل دولة مياه داخلية وبحر إقليمي وتفترق الأولى عن الثانية في أنه يقصد بها المياه التي تقع بين شاطئ الدولة الساحلية وبين البحر الإقليمي لهذه الدولة، ويقصد بالأخير المياه التي تقع بعد المياه الداخلية للدولة الساحلية وبين المنطقة الملاصقة ويبلغ مداها 12 ميلًا بحريًا، وكلاهما يخضع لسيادة الدولة الساحلية، ويعامل معاملة الأرض اليابسة. غير أن البحر الإقليمي يختلف عن المياه الداخلية في كونه يخضع لنظام يسمى نظام المرور البريء يسمح للسفن بالمرور في البحر الإقليمي للدولة الساحلية دون ضرورة الحصول على إذن مسبق وفقًا للشروط الموضوعة بالاتفاقية. ويفصل بين البحر الإقليمي والمياه الداخلية خط أساس ويقصد به الخط الذي يبدأ منه قياس عرض البحر الإقليمي ويجب مراعاة الاتجاه العام للشاطئ عند رسم هذا الخط ويوجد منه نوعان رأسيان وهما خط الأساس العادي والمستقيم. ويتميز خط الأساس العادي بأنه يتم قياسه من حد أدنى الجزر على امتداد شاطئ الدولة ويوازيه في تعاريجه الطبيعية ويتتبعه في بروزه وتجاويفه، أما خط الأساس المستقيم فيعني اختيار عدد من النقاط الملائمة لأدنى انحسار للجزر على امتداد الساحل والوصل بينهما في خطوط مستقيمة. (تجدر الاشارة الى أن مصر أخذت بطريقة القياس الأخيرة وفقاً لقرار رئيس الجمهورية رقم 27 لسنة 1990 بشأن خطوط الأساس التي تقاس منها المناطق البحرية). ويشترط لتطبيق هذه الطريقة الأخيرة أن يكون الساحل شديد التقلب في انحناءاته وظروفه الجغرافية، وأن لا ينحرف عن الاتجاه العام للشاطئ، وأن توجد مصالح اقتصادية ثبت حقيقتها وأهميتها للدولة وأن تكون المياه الواقعة خلف تلك الخطوط وثيقة الصلة بالإقليم البري للدولة الساحلية وألا يؤدي إلى أن يصبح البحر الإقليمي لدولة أخرى مفصولًا عن البحر العالي، وتستخدم تلك الطريقة بشكل أساسي في حالة الخلجان، ولقد قررت محكمة العدل الدولية مشروعية تلك الطريقة في القياس بمناسبة الفصل في مشروعية القرارات النرويجية والتي اعترضت عليها بريطانيا في حكمها الصادر في 18/12/1951.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الاتفاقية وضعت تنظيمًا مغايرًا لحالات الدول ذات السواحل المتقابلة والتي يتعذر على كل دولة أو إحداهما استيفاء مسافة 12 ميلًا بحريًا حيث قررت اتباع طريقة خط الوسط وتعني أن يتم رسمه في مسافة مساوية في بعدها عن أقرب النقاط على خط الأساس للبحر الإقليمي لكل دولة، مع الأخذ في الاعتبار انه (لا يمكن تطبيق تلك الطريقة عندما يوجد سند تاريخي أو ظروف خاصة تقضي بتحديد طريقة أخرى للقياس أو في حال اتفاق الأطراف على خلاف ذلك). وتجب الإشارة إلى أن الجزر المتكونة طبيعياً تدخل في الإقليم البري للدولة الساحلية وتعد جزءاً من أرضها وتخضع لسيادتها وتؤثر على مساحة بحرها الإقليمي شريطة أن تكون الجزيرة مرتبطة عضوياً مع إقليم الدولة وغير بعيدة عن شريط الساحل مع مراعاة أن الأوضاع التاريخية وسلوك الدولة يؤخذ في الاعتبار عند بحث هذه المسألة.

ولقد أكدت محكمة العدل الدولية على ذلك بأن قررت أن التصرف كسيد على الجزر وانصراف النية إلى ذلك مع سكوت الدولة المقابلة يمثل قبولًا ضمنيًا لهذه الممارسات ويدخل الجزر المتنازع عليها في سيادة الدولة التي ظهرت بهذا المظهر.

فيعتمد اكتساب أو إثبات السيادة علي الجزر في القانون الدولي على «السيطرة الفعلية» وممارسة وظائف الدولة أو مظاهر السيادة الهادئة والمتواصلة علي الإقليم، وتتمثل تلك المظاهر -مظاهر السيادة- في التصرفات التشريعية -وهي ذات أهمية خاصة فيما يتعلق بإثبات السيادة علي الجزر- والقضائية و الإدارية بشرط أن تقوم بها الدولة بوصفها سيدًا عليه أي بنية السيادة علي هذا الإقليم.

«يراجع في ذلك النظام القانوني للجزر في القانون الدولي للبحار للدكتور محمد عبد الرحمن الدسوقي ص 121، ص 125»

وانطلاقًا مما تقدم، فإن القضاء الدولي وإن كان يقيم وزنًا لما تمارسه الدولة من أعمال سيادة لدي الفصل في ملكية الجزر، فإن أهم تلك الأعمال على الإطلاق هو الدفاع عن الجزر ضد الاعتداءات، وبذل الدم في سبيل الحفاظ عليها. «المرجع السابق ص 129، 130».

ومن جماع ما تقدم فإن طريقة قياس أو تعيين الحدود البحرية للدول ذات السواحل المتقابلة -على النحو المشار إليه -مرهون بالاعتبارات التاريخية والظروف الخاصة والتي -إن وُجدت- تحول دون الأخذ بطريقة خط الوسط في القياس، ويتمثل هذا المبرر التاريخي عادة في ممارسة الدولة سيادتها فيما يجاوز حدود خط الوسط منذ زمن بعيد ودون اعتراض من الدولة المتقابلة.

شرح توضيحى بالصور

الصورة(1): توضح الفارق بين خط الأساس العادى، وخط الأساس المستقيم، وتوضح المياه الداخلية.

خط الأساس العادي: هو حد الجَزر على امتداد شاطئ الدولة، ويوازيه في تعاريجه الطبيعية ويتتبعه في بروزه وتجاويفه.

أما خط الأساس المستقيم: فيعني اختيار عدد من النقاط الملائمة لأدنى انحسار للجَزر على امتداد الساحل والوصل بينهما في خطوط مستقيمة.

أما المياه الداخلية: فهى التى تقع بين خط الأساس العادى وخط الأساس المستقيم، ومرور السفن فى هذه المياه لا يخضع لنظام المرور البريء بمعنى أنه لا يسمح للسفن الأجنبية بالمرور فى المياة الداخلية لدولة ما إلا بعد الحصول على إذنها وموافقتها بالشروط التى تضعها وقد يكون منها تحصيل رسوم شأن قناة السويس.

وكل دولة تقوم بتحديد خط الاساس العادي والمستقيم بإرادتها المنفردة، وتودعه فى الأمم المتحدة، وكل من يرغب فى الاعتراض على ذلك يقدم اعتراضه للأمم المتحدة، وإما يتم حل الأمر بالاتفاق الودى بين البلدين، أو بالتحكيم، أو بقوة الأمر الواقع.

الصورة (1)

الصورة (2): توضح عرض البحر الاقليمي وهو لا يزيد على 12 ميل بحرى من خط الأساس المستقيم، يخضع نظام المرور فى هذا البحر لنظام يسمى نظام المرور البريء يسمح للسفن بالمرور في البحر الإقليمي للدولة الساحلية دون ضرورة الحصول على إذن مسبق وفقًا للشروط الموضوعة بالاتفاقية.

الصورة (2)

الصورة (3): توضح حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة، والتى لا تزيد على 200 ميل بحري من خط الأساس المستقيم.

الصورة (3)

الصورة (4): توضح المنطقة التى كانت تتم عليها المفاوضات لتعيين الحدود البحرية بين البحر الاقليمي لمصر والسعودية، وكان من الواجب على الدولتين الالتزام فى تحديد نقاط الأساس لكل منهما بنص المادتين 7و15 من الاتفاقية الدولية لقانون البحار.

المادة 7 (3- يجب ألا ينحرف رسم خطوط الأساس المستقيمة أي انحراف ذي شأن عن الاتجاه العام للساحل…

5-حيث تكون طريقة خطوط الأساس المستقيمة قابلة للتطبيق بموجب الفقرة «1» يجوز أن تؤخذ في الاعتبار، في تقرير خطوط أساس معينة، ما تنفرد به المنطقة المعينة من مصالح اقتصادية ثبت وجودها وأهميتها ثبوتاً جلياً بالاستعمال الطويل، 6-………..” .

وتنص المادة ( 15 ) منها تحت عنوان [تعيين حدود البحر الإقليمي بين دولتين ذواتي سواحل متقابلة أو متلاصقة] على أن «حيث تكون سواحل دولتين متقابلة أو متلاصقة، لا يحق لأي دولة من الدولتين، في حالة عدم وجود اتفاق بينهما على خلاف ذلك، أن تمد بحرها الإقليمي إلى أبعد من الخط الوسط الذي تكون كل نقطة عليه متساوية في بعدها عن أقرب النقاط على خط الأساس الذي يقاس منه عرض البحر الإقليمي لكل من الدولتين، غير أن هذا الحكم لا ينطبق حين يكون من الضروري بسبب سند تاريخي أو ظروف خاصة تعيين حدود البحر الإقليمي لكل من الدولتين بطريقة تخالف هذا الحكم ».

الصورة (4)

الصورة (5): ماذا فعلت مصر في 1990؟

قامت مصر بايداع نقاط أساسها فى البحر الاحمر بالأمم المتحدة عام 1990، وقد التزمت مصر بكافة القواعد الدولية فى هذا الشأن فى منطقة خليج العقبة حيث تعاملت بمهنية واحترافية، وكانت تراعى العلاقات مع السعودية وما بينهما من خلاف بشأن تلك الجزر، وذلك لسببين:

السبب الأول: أن المادة 15 السالف بيانها فى الصورة (4) تحظر على مصر مد خط الأساس لهذه الجزر لأن ذلك يعد مدًا للبحر الاقليمى أبعد من خط الوسط.

السبب الثانى: أن تطبيق قاعدة المنتصف بين البلدين فى خليج العقبة يضمن مصرية الجزرلكون الجزر عرض الخليج 8 ميل بحري، والجزر أقرب للشواطىء المصرية من الشواطىء السعودية، حيث أن المسافة بين تيران ومصر 3.50 ميل بحري، فى حين نجد المسافة بين صنافير والسعودية 4 أميال بحرية.

الصورة (5)

الصورة (6): ماذا فعلت السعودية عام 2010؟

قامت السعودية بتحديد نقاط أساسها فى البحر الأحمر عام 2010، على النحو الوارد بهذه الصورة، حيث حددت نقاط الأساس الخاصة بها بعد جزيرة تيران، وهو ما يتيح للسعودية ليس فقط اعتبار الجزر أرضًا سعودية، وما بين الجزر والسعودية مياه داخلية للسعودية لا يجوز المرور فيها إلا بإذن من السعودية، ولكن يتيح للسعودية أيضا أن تشارك مصر فى منتصف المسافة بين تيران ورأس نصراني، والتى تبلغ 3.50 ميل بحري، حيث ستقتسم منتصف هذه المسافة مع مصر إذا وافقت على نقاط الأساس السعودية، ولذلك تحفظت مصر على هذه النقاط لأن السعودية خالفت المادتين 7، 15 من اتفاقية قانون البحار.

وبناء على هذا التحفظ من مصر تشكلت لجنة بين البلدين لترسيم الحدود بينهما والاتفاق على نقاط الأساس بين البلدين لتحديد البحر الاقليمي لكل منهما.

الصورة (6)

ومن ذلك كله نستخلص

أن اللجنة  المصرية السعودية لترسيم الحدود بين البلدين اجتمعت (11) اجتماعًا من (2011 حتى 2016)، حيث انعقدت فى (2010) ثم (2011) ، وتوقفت فى (2012، 2013، 2014)، ثم عادت اجتماعاتها من جديد فى (ديسمبر 2015)، وانتهت بثلاثة اجتماعات فى 2016 بتوقيع هذه الاتفاقية، وذلك يوضح أن مهمة المفاوض المصرى كانت إثبات حق مصر فى الجزر، ورفض نقاط الأساس التى أودعتها السعودية عام 1020، ولكن الاتفاق فى إبريل 2016 انتهى إلى موافقة مصر فى 2016 على ما كانت تعترض عليه فى 2010 رغم مخالفة السعودية للمادتين 7 و 15 من الاتفاقية الدولية لقانون البحار، ومن ذلك يتضح أن:

  1. نقاط الاساس التى أودعتها مصر بموجب القرار 27 لسنة 1990 تتفق والقانون الدوي، وكانت تضمن حق مصر فى الجزر استناداً لقاعدة خط المنتصف لأن الجزر أقرب للشواطىء المصرية عن الشواطىء السعودية.
  2. أن مصر تحفظت عام 2010 على نقاط الأساس السعودية لأنها تهدر حقوق مصر فى الجزر وفى منتصف مضيق تيران، وتخالف القانون الدولي، وبناء على ذلك التحفظ تشكلت اللجنة السعودية المصرية.
  3. أن المفاوض المصري بهذه الاتفاقية هو الذى وافق للسعوية فى عام 2016 على ما كانت تعترض عليه مصر عام 2010، رغم أن نقاط السعودية تخالف القانون الدولى وبخاصة المادتين 7 و 15 ، وتضر بموقف مصر.
  4. أن التوقيع على هذا الاتفاق الذي عقدته مصر مع السعودية عام 2016 هو الذى ينقل السيادة على هذه الجزر للسعودية ويعترف بملكية السعودية لها، وليس قرار 27 لسنة 1990، والدليل على ذلك:
  5. أن رفض التوقيع على هذه الاتفاقية يعنى استمرار تحفظ مصر على نقاط الاساس التى أودعتها السعودية عام 2010، وعدم اعترافها بها أو موافقتها عليها، ومن ثم استمرار رفع العلم المصرى على الجزر، ولن يكون أمام السعودية إلا اللجوء للتحكيم الدولى، والذى ستخسره حتمًا لأن مصر هى الدولة الوحيدة التى مارست السيادة على هذه الجزر، ولم تمارس السعودية أي مظهر من مظاهر هذه السيادة عليها.
  6. أن موافقة البرلمان على هذه الاتفاقية هو الذي سينقل تبعية الجزر للسعودية، وسيحرم الأجيال القادمة من إمكانية استعادتها لأن السعودية بهذه الموافقة يكون معها اعتراف من السلطتين التشريعية والتنفيذية فى مصر، فى حين أن رفض البرلمان هذا الاتفاق يضمن الاحتفاظ بهذه الجزر، ويلغى توقيع السلطة التنفيذية على الاتفاق لأن من شروطه استكمال الاجراءات الدستورية بالبلدين.
اعلان