Define your generation here. Generation What

قطع العلاقات مع قطر: المزيد من التبعية في ذكرى النكسة

في مفارقة فلكية جمعت في يوم واحد بين ذكرى نكسة عربية كبرى لا نزال نعيش الكثير من آثارها الكارثية، وذكرى نصر عربي محدود في العاشر من رمضان، قرر حفنة من قادة العرب «الاحتفال بالنكسة»، بالدخول في معركة دبلوماسية مع إحدى الدول العربية التي قررت أنها دفعت ما يكفي من الجزية للنظام الأمريكي عبر تاريخها، وأنها لن تدفع أكثر من هذا، وانتقدت السياسات الخليجية الداعمة لإدارة ترامب، فجاء قرار قطع العلاقات مع قطر من قبل دول الإمارات والسعودية والبحرين، وبالتبعية مصر والحكومة المؤقتة الليبية وحكومة المنفى اليمنية بقيادة عبد ربه منصور هادي، والأخيرتان لا تسيطران على موضع قدم تأمنان فيه بقاءهما على قيد الحياة في دولتيهما.

احتفل البعض بهذا الحدث باعتباره حدثًا تاريخيًا جاء متأخرًا، واجتهدوا لإيجاد التبريرات له، باعتباره تأديبًا لقطر على مواقفها من الثورات العربية وحركة الإخوان المسلمين وحركات المقاومة في المنطقة. ولكن بالنسبة لنا كمصريين، إذا كان الموضوع تأديبًا لقطر على دعمها الإرهاب -الذي لا نستطيع نفيه أو إثباته- وليس جريًا وراء آل نهيان، تثور بعض التساؤلات من قبيل «لماذا إذن جاء هذا القطع للعلاقات عقب تسريبات السفير العتيبي، والتي بدت كما لو كانت دعمًا إماراتيًا لمصر، ولم يأت عقب ترتيبات الثالث من يوليو وفض اعتصامي رابعة والنهضة، حيث كانت قناة الجزيرة تتخذ الخط الأكثر عدائية ضد النظام المصري؟»

يتعلق الأمر هنا بمدى توفر تابع كبير يمكن الاستعانة به لتخويف الإخوة الصغار، ولبلورة مساحة ملائمة لقهر أية محاولة للاختلاف، وهذه المساحة ستستخدم حتمًا ضد مصر حال رفضها تسليم الجزيرتين للسعودية أو رفض أية سياسة خليجية، ما قد يؤدي لتزايد وتيرة انفلات الأمور في المنطقة برمتها، نظرًا للمعارضة الشعبية الكبيرة لمثل هذه الاتفاقية ولسياسات دول المنطقة الأكثر رعونة وعدم منطقية على الإطلاق.

واصطف آخرون حول ما تبقى من عقل، مفكرين في مصير العمالة المصرية في قطر التي قدرها رئيس الجالية بـ300 ألف، وكما علّمنا كبار مفكري السياسة الخارجية فهؤلاء تقف خلفهم عائلات لا يقل متوسط عدد أفراد كل منها عن أربعة أشخاص، وبعبارة أخرى فإن أقوات أكثر من مليون ومائتي ألف مصري معلقة في قطر وبيد ساستها الذين بمقدورهم اتخاذ قرارات تضر بهذا العدد من المصريين مباشرة، وبالتأكيد فإن لهؤلاء تحويلات لا تقل عن مليار دولار سنويًا، بافتراض أن كلًا منهم يحوّل للداخل 3500 دولارًا فقط في السنة.

هذه أرقام بسيطة تعبر عما كان يجب التفكير فيه قبل الانسياق وراء مواقف لا تخدم بالضرورة مصالح الشعب المصري أو قطاع لا يستهان به منه.

كما يثير هؤلاء تساؤلات حول مآل مسلسل التدهور في العلاقات العربية-العربية هذا، مع التجييش الطائفي الذي يجري في المنطقة والإنفاق غير المبرر ولا العقلاني للسعودية على السلاح، والذي لا ينعش إلا السوق الأمريكية ولا يخدم أكثر من مصالح نظام ترامب وحلفائه المسيطرين على الاقتصاد الأمريكي، بل وقد يقود إلى حرب إقليمية لن تكون نتائجها مطلقًا في صالح دول الشرق الأوسط السنية بأوضاعها الحالية، وقد تنسحب فيها الجيوش أمام التنظيمات الإرهابية، وهو ما ينذر بكوارث أكبر عشرات المرات من الوضع الراهن حال استيلاء هذه التنظيمات على الأسلحة المتطورة التي تشتريها النظم الموتورة في المنطقة.

وإذا كنت مبتهجًا بهذا القرار، يؤسفني القول إنه ليس من مصلحة مصر ولا أي من الدول العربية بأنظمتها الحالية أن يتفتت مجلس التعاون الخليجي، الذي بات مفتت المواقف بالفعل تجاه قضايا المنطقة أكثر من أي وقت مضى، ففي وقت تشكّل فيه الإمارات والسعودية والبحرين معسكرًا خليجيا شبه متجانس – على علاته – في ثلاث نقاط؛ عدائه للإخوان المسلمين وللثورات العربية ولحركات المقاومة، فإن هذا المحور، بالإضافة لمصر، لا يتفق كثيرًا على أكثر من النقاط الثلاث السابقة، حيث الإمارات ومصر يشكلان تحالفًا فرعيًا تختلف فيه مواقفهما من كل من القضية السورية واليمنية والليبية عن موقف كل من السعودية والبحرين، بينما لدى كلٍ من قطر والكويت وسلطنة عمان سياسته الخارجية المختلفة.

وضع كهذا، وإذا ما استمرت السعودية وقادتها وحلفائها في إذكاء الوضع الطائفي في المنطقة، وعقد صفقات السلاح الضخمة التي لن تستطيع استعمالها من دون خسائر كبيرة، ستصبح معه المنطقة لقمة سائغة في فم إيران، ولنا فيما يحدث في اليمن عبرة. والخاسر الأكبر من وضع كهذا هي مصر، التي سيتوجب عليها، في حال اندلاع حرب طائفية في المنطقة، تدبير أحوال أكثر من ستة ملايين مصري لن يستطيعوا البقاء في أجواء الحرب تلك، وسيعودون لأوضاع اقتصادية هي الأسوأ منذ عقود إن لم تكن الأسوأ منذ الشدة المستنصرية.

وبإمكان الناظر للتاريخ ملاحظة أن مصر لم تكن يوما عضوًا في حلف طائفي منذ تأسيس الدولة الحديثة في عهد محمد على، بل إن مخاض تأسيس الدولة كان حرب محمد علي ضد ما كان يراه بوصفه «تمردًا وهابيًا».

عن تأثير الدول الصغرى

إذا نظرنا لموجة التسفيه من الدول الصغرى بشيء من الموضوعية، يمكن القول إن نفوذ هذه الدول قد يفوق كثيرًا نفوذ كل من السعودية ومصر في كثير من القضايا، بل وفي بعض التحالفات الدولية. فمن منظور الاقتصاد السياسي الدولي، رعت هذه الدول في أفريقيا وسائر العالم العشرات من جولات الحوار واتفاقات وقف إطلاق النار واتفاقات السلام، وتستضيف على أراضيها شخصيات سياسية ومؤسسات بحثية من كل البلدان، بينما لا تستطيع أي من هذه المؤسسات عقد ندوة أو ورشة عمل في مصر أو السعودية مثلًا، ومؤخرًا أصبح لما تُسمى بـ«الدويلات» دور محوري في حل نزاعات عصية، باستخدام مدخل الاستثمارات في السياسة الخارجية، والذي تستطيع دولة كقطر أو الإمارات، بموجبه وباستخدام صناديقها السيادية، أن تقيل دولة أو مجموعة دول معادية لمصر من عثراتها وتؤلبها ضدنا. وبهذا المنطق فقد يساوي نفوذ أي منهما عشرين دولة مثل مصر. ومؤخرًا أصبح أوروبيون يساريون كثر يشكون من استشراء النفوذ المالي لقطر والإمارات، بشرائهما لأندية وسلاسل تجارية ومشاركتهما في حصص مصانع استراتيجية، في كامل دول الاتحاد الأوروبي للحد الذي جعل بعض الصحف الكبرى تتساءل: كيف اشترت قطر بريطانيا؟

كما أنه، وقياسًا على المعايير التقليدية للقوة كالتاريخ والمساحة وعدد السكان،  فإسرائيل مثلًا دولة أحدث تاريخًا من الإمارات أو قطر، ولا يقوى العالم العربي بأنظمة حكمه الحالية علي مواجهتها إن أراد، ودولة صغرى كالإمارات مثلًا تجر خلفها السعودية ومصر ودول كبرى في العديد من القضايا. إن منطق قياس أوزان الدول باستخدام المتر وعداد البشر قد عفا عليه الزمن ويمكن الاستعانة بعشرات الأمثلة لدحضه وتفنيده.

وإذا نظرنا لمدى قدرة الدول، التي قطعت العلاقات مع قطر، على فرض إرادتها وأجندتها عليها، فإن لنا في اتفاق الرياض عبرة، إذ أنه عقب ترتيبات الثالث من يوليو 2013 وعملية الفض، ونتيجة لتغطية الجزيرة والقنوات التابعة لها للانتهاكات بحق الإخوان المسلمين وكافة معارضي عملية الفض بتلك الطريقة الوحشية والهمجية، استنزفت الدبلوماسية المصرية الكثير من جهودها لإقناع دول الخليج بمعاقبة قطر، فصدر اتفاق الرياض في نوفمبر 2013، والذي تضمن شروطًا يقضي أشدها بالالتزام بعدم إساءة القنوات الإعلامية المملوكة لأي دولة من دول مجلس التعاون الخليجي، أو المدعومة منها، بشكل مباشر أو غير مباشر، لأي من دول المجلس، وهو الاتفاق الذي استطاعت قطر أن جعله مجرد حبر على ورق بشهادة القنوات الإماراتية الرسمية.

وعلى خلفية عدم التزام قطر بالاتفاق، سحبت السعودية والإمارات والبحرين سفراءها من قطر في 5 مارس 2014، متهمةً الدوحة بعدم تنفيذ اتفاق وُقّع في الرياض، قبل أن تتمكن وساطة كويتية من التوصل إلى اتفاق تكميلي بين الدول الخليجية على آلية لتنفيذ اتفاق الرياض، في 17 أبريل 2014، لإعادة العلاقات مع قطر لطبيعتها.

وبالفعل، عادت العلاقات الخليجية القطرية جيدة، وإن كانت فاترة، وبالتالي فلم تثمر الضغوط المصرية عما هو أكثر من بيانات المجاملة. بل على العكس فإن التضييق على قناة «الجزيرة» قاد سياستها للتحول باتجاه أكثر عدوانية ضد مصر، وقاد الإخوان والتيارات الثورية المناهضة لمسار 3 يوليو للبحث عن بدائلهم الإعلامية الخاصة التي أصبحت أكثر تأثيرًا وانتشارًا من الجزيرة ذاتها. فإذا كنت منزعجًا من الإعلام والرأي المختلف أيًا كان نوعه، فإنهما يبحثان دومًا عن وسيلة، وغالبًا ما يجدان طريقهما إلى النور، وفي النهاية، فألا تتخذ قرارًا خير ألف مرة من أن تتخذه ولا تستطيع إنفاذه.

أصبحت مصر الآن تنجر لمواقف ليس لها فيها ناقة ولا جمل ولا يمكن تبريرها بعقل أو منطق أو مصلحة، للحد الذي يجعلنا جميعًا كمصريين نطرح سؤالًا واحدًا هو «لصالح من يعمل هذا النظام؟»

كل ما يمكننا فعله الآن، وقبل إسدال الستار على هذا العته هو التصفيق بحرارة لهذا النظام، على وضعه مصر في نفس موضع جزر المالديف وموريشيوس والحكومة الليبية المؤقتة وحكومة المنفى اليمنية في علاقتها مع دول الخليج، وهي العلاقة التي تحكمها التطلعات الشخصية أكثر من السياسات الموضوعية.

وحتى لا نخدع أنفسنا بتبريرات واهية، فقد أصبح النظام المصري مثل «سائس البهائم»؛ يربط الحمار مطرح ما يقول آل نهيان، لا أكثر ولا أقل، هذا هو حجمنا في النظام الدولي الآن، وحتى يتغير هذا الوضع نهيب بالأصدقاء الدبلوماسيين عدم التمحك في مقولات السياسة الخارجية الناجحة، وعدم المزايدة على رؤسائهم، مثل رئيس الجمهورية الذي قال «إحنا فقرا أوي»، ووزير الخارجية الذي أعلن بصراحة: «مصر ليست دولة رائدة ولا تسعى للريادة».

اعلان