هل يصبح «الأعلى للإعلام» هيئة رقابية جديدة على الدراما؟
 
 

أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أمس، الأربعاء، عن قراره بفرض غرامة قدرها 200 ألف جنيه على كل قناة فضائية و100 ألف جنيه للإذاعات إذا تمّ بث لفظ مُسيء من خلال هذه الوسائل، سواء جاء اللفظ خلال برنامج أو ضمن محتوى الأعمال الدرامية أو الإعلانية. ويتوسع القرار ليشمل سحب ترخيص هذه الوسيلة الإعلامية إذا تكرر البث ولم تلتزم بالعقوبة خلال 6 أشهر، وسيكون على هذه الوسيلة إعادة إجراءات الترخيص من جديد.

تزامن القرار مع نشر المجلس لتقريره الأول عن محتوى البرامج والمواد الإعلانية والدرامية في الثلث الأول من رمضان، والذي تناول انتقادات صارخة لمحتوى هذه المواد لما تحمله من «إيحاءات جنسية» والحض على «سلوكيات مرفوضة» والوقوع في «أخطاء تاريخية وفنية» وحمله لـ«إسقاطات سياسية»، بالإضافة إلى ورود «إساءات للمهن».

ويطرح صدور أول تقرير تساؤلًا عن طبيعة دوره في ممارسة الرقابة على المحتوى الإبداعي خاصة مع السماح بعرض كافة الأعمال الدرامية من جانب هيئة الرقابة على المصنفات الفنية التابعة لوزارة الثقافة، وهل يصبح المجلس هيئة رقابية جديدة تمارس عملها بشكل لاحق على العرض؟

معايير أخلاقية

وقد أشار تقرير المجلس إلى مسلسلات ومشاهد بعينها، وقد حملت انتقاداته طابعًا أخلاقيًا كبيرًا، مثل انتقاد العديد من المشاهد التي تجمع الممثلين والممثلات في الفراش أو مشاهد من مسلسل «عفاريت عدلي علام» حينما ظهرت غادة عادل تحاول احتضان عادل إمام وتقبيله. كما تضمن التقرير الإشارة إلى ارتداء «ملابس مكشوفة» في «الحرباية» أو الإشارة إلى «سلوكيات مرفوضة» مثل «إعطاء دروس مجانية  في كيفية تناول المخدرات»، مثلما عُرضَ بمسلسلَي «خلصانة بشياكة» و«الحرباية»، وقد جاء ذِكر العمل الأخير، أيضًا، بسبب  «لجوء الفتيات الساقطات لطرق الغش الطبي للعودة إلى بكارتهن مرة أخرى». كما انتقد التقرير بشكلٍ واضح الإسقاطات السياسية الواردة في العديد من الأعمال الدرامية، والتي عرضت بطريقة «مسيئة» مثلما جاء في مسلسل «خلصانة بشياكة» الذي يظهر فيه الفنان أحمد مكي وهو غير قادر على قراءة خطابه بلغة سليمة مما يضطره للارتجال وكيفية تعذيبه لمعارضيه، بالإضافة للإساءات الواردة لرجال الشرطة، بحسب ما جاء في التقرير.

من جانبه قال محمود عثمان، المحامي بمؤسسة حرية الفكر والتعبير، لـ «مدى مصر» إن قرار المجلس مَثَل تعديًا صارخًا على الدستور والقانون، بشكلٍ جعل المجلس الأعلى يتخطى سلطاته ليضع نصًا عقابيًا غير وارد في قانون العقوبات وتخطى اختصاصاته بالرقابة على الأعمال الإبداعية بالرغم من اختصاصه بمراقبة الأعمال الصحفية فقط.

كما أوضح عثمان أن «تقرير المجلس الأعلى لم يكتفِ فقط بانتقاد الأعمال الدرامية، بل تجاوز ذلك وبدأ في تقييم محتواها أيضًا، من خلال الإشارة إلى الأخطاء التاريخية والفنية الواردة وهو أمر خارج عن اختصاصاته التي كان معنيًا بالقيام بها من الأساس، خاصة وأن أعضائه غير مخولين بتقييم الأعمال الفنية، فهم ليسوا من العاملين بمهنة الفن بالأساس».

من ناحية أخرى حمَل القانون رقم 92/2016 المعني بالتنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام في طياته منح سلطات موسعة للمجلس في الرقابة على العمل الإعلامي بأشكاله المختلفة، وليس العمل الصحفي فقط. كما نَصّت المادة الثالثة من القانون في باب أهداف عمل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام على «ضمان التزام الوسائل والمؤسسات الإعلامية والصحفية بمعايير وأصول المهن وأخلاقياتها وضمان التزام الوسائل والمؤسسات الإعلامية والصحفية بمقتضيات الأمن القومي». وأشارت المادة الرابعة من هذا القانون إلى «وضع وتطبيق القواعد والمعايير المهنية الضابطة للأداء الصحفي والإعلامي والإعلاني بالتنسيق مع النقابة المعنية» دون الإشارة إلى طبيعة هذه القواعد والمعايير.

رقابة لاحقة وتهديد للقنوات

قال عثمان إن اختصاصات المجلس الواردة في القانون مُبهمة ومتعددة للغاية وهو ما قد يوَسَعَ من رقابته على المحتوى الإعلامي، مضيفًا أن رقابة المجلس على الأعمال الإبداعية ستكون من خلال السيطرة على القنوات التي تقوم بإذاعة هذه الأعمال.

وأشار عثمان إلى حكم محكمة القضاء الإداري الخاص بوقف إنشاء غرفة صناعة الإعلام الصادر في 2016، والذي أكد على سلطة المنطقة الحرة في منح التراخيص للقنوات الفضائية ومراقبة مدى التزام القنوات بتنفيذ ما ورد بالتراخيص وصولًا إلى سحبها، وهو ما اعتبره المحامي نقطة خطيرة قد تمكن المجلس الأعلى للإعلام من السيطرة على المحتوى الإبداعي عبر الفضائيات.

وتوقع عثمان أن تشهد الفترة المقبلة قيام القائمون على الأعمال الدارمية بتحريك دعاوى قانونية من أجل الطعن على قرار المجلس الأعلى للإعلام الذي قد يتسبب في حذف العديد من المشاهد الواردة في الأعمال الدرامية والتليفزيونية وقال موضحًا: «لا يمكن رؤية هذا القرار بعيدًا عن التوجه العام للدولة للسيطرة على كل أشكال المجال العام من خلال الرقابة على الأعمال الإبداعية».

وفيما يخص الرقابة المفروضة من قِبل هيئة الرقابة على المصنفات الفنية قال خالد عبد الجليل رئيس الهيئة في تصريحات لجريدة المصري اليوم أنه تمّ تطبيق نظام التصنيف العمري على الأعمال الدرامية، مشيرًا إلى أن مسلسل «الحرباية» يعرض حاليًا دون أن يكون مسموحًا بعرضه من جانب الرقابة، وكان المسلسل قد نال النصيب الأكبر من انتقادات المجلس الأعلى للإعلام في تقريره. وأضاف عبد الجليل أن العديد من القنوات لم تلتزم بوضع شارة التصنيف العمري للمسلسلات مما حدا بعبد الجليل إلى تحرير محاضر ضد عدد من القنوات، كما دعا رئيس الرقابة «الأعلى للإعلام» للتدخل.

دعوة من يناير 2015

قال الكاتب آدم ياسين الذي شارك هذا العام في كتابة سيناريو مسلسل «خلصانة بشياكة»، إن الرقابة على المصنفات الفنية تقرأ السيناريوهات الخاصة بالأعمال الدرامية بالكامل  وتشاهد حلقات الأعمال أيضًا. لا يوجد مجال لسيطرة الأعلى للإعلام على محتوى هذه الأعمال، لكنه أعتبر أن تقرير المجلس الأول بمثابة «رَدَّة» على حرية الإبداع. وكان مسلسل «خلصانة بشياكة» قد نال نصيبه من انتقادات «الأعلى للإعلام» أيضًا. وأضاف ياسين: «هناك نبرة أخلاقية سائدة تدعو للحث على تقديم الفن الهادف الأخلاقي، وهو ما يمثل عودة لنهج الدولة في عقود سابقة حينما احتكر النظام الإنتاج الدرامي بالكامل، إلا أن سيطرة الدولة على المنتج الدرامي تراجعت كثيرًا بدخول القطاع الخاص سباق الإنتاج الدرامي. لكن هذا التوجه لن يستمر ببساطة لأن صناعة الدراما في مصر أصبحت ضخمة ومربحة للغاية، وأي محاولات للسيطرة عليها تعني تدهورًا لن يسمح المبدعون بحدوثه».

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد طالب أكثر من مرة بالعودة إلى الفن الهادف، وقد ذَكَرَ ذلك في أكثر من مناسبة.

وخلال احتفالية بمناسبة عيد الشرطة في يناير 2015، كان السيسي قد قال، موجهًا حديثه إلى الفنانة يسرا وأحمد السقا، وكانا ضمن حضور الاحتفالية: «محتاجين تبقى تجربتنا ثرية، بقول تاني لينا كلنا حتى للإعلام والتليفزيون والأفلام والمسلسلات مين هيتصدى لده، مين هيعمل الوعي. يا أستاذ أحمد أنت وأستاذة يسرا والله هتتحاسبوا على ده. أيوه هتتحاسبوا، قدموا للناس الأمل، أدوا للناس أمل في بكرة، ونحسن في قيمنا وأخلاقنا وده لن يأت إلا بكم، كل قطاع من قطاعات الدولة له دور، وهنشوف في رمضان الجاي يعني».

اعلان
 
 
مي شمس الدين