Define your generation here. Generation What

«لوم الشعب» في واحة الغروب: مكتوب أنه سيعلو صوت السفهاء

لم أقرأ رواية «واحة الغروب» ولم أتحمس لقراءتها، رغم أن أحداثها تدور في واحد من أحب الأماكن لي داخل مصر، وفي الحقيقة فلم أبدأ الاهتمام بها إلا لدى تداول الأخبار عن استعداد المخرجة كاملة أبو ذكري لتقديمها على الشاشة. 

ظل الفضول يتملكني؛ كيف ستحوّل كاملة الرواية، مع فريق عمل يقف خلف الكاميرات، وعضواته الأساسيات نساء؟ كيف سيقدمن، وهن بنات المدينة، بيئة صحراوية ومجتمعًا بدائيًا لا يحكمه الا الرجال والسلاح؟ أخذت في رسم تخيلات وأحكام سابقة تبخرت تمامًا بمجرد مشاهدة التتر.

متاهة التتر السمعية

«سافر حبيبي وجا خلِّي يودعني»، يبدأ تتر مسلسل «واحة الغروب» بمطلع هذا الموال المميز، والذي أحفظ كلماته عن ظهر قلب من «فرش وغطا»، وهو حفل غنائي يحييه أحمد برين والشيخ محمد العجوز في سجال غنائي تتردد فيه آهات الجمهور وتعليقاتهم بوضوح.

 

ولكن الموال في التتر جاء بصوت وائل الفشنى، حفيد المنشد والمقرئ طه الفشني؛ صوت قوي بنغمة مهزومة، مصحوب بموسيقى مسجلة في سلوفاكيا بمصاحبة أوركسترا براتيسلافا السيمفوني المتخصصة في عزف الموسيقى التصويرية للأفلام، كما يوضح تامر كروان، المؤلف الموسيقي للمسلسل.

كان لهذه الأوركسترا تأثير سلبي على أذني، بسبب الفواصل الموسيقية التي تشكل الخلفية الموسيقية للتتر، وتتخللها الكلمات الحزينة والمقبضة والجنائزية للموال المنتهي بـ«والله فراق الحبايب مر يوجعني».

على أي حال، فمن هذا التتر الذي يشبه النواح، يبدأ التأسيس لتلقي الهزيمة.

متاهة التتر البصرية  

تأتي تترات البداية للمسلسلات المصرية في قوالب محددة، أكثرها شيوعًا هو ظهور اسم النجم -الذي بيع المسلسل على اسمه – مع صورته للتأكيد، ثم سائر أسماء المشاركين بالعمل. ولكن ما حدث في «واحة الغروب» ومع ممثل مثل خالد النبوي، دائم المشاجرات بسبب ترتيب اسمه على التترات، كان عدم كتابة اسمه، ولا اسم البطلة منة شلبي!

يبدأ التتر باسم الروائي بهاء طاهر، ثم كاتبتا السيناريو، مريم نعوم وهالة الزغندي، ويليهما اسم المخرجة كاملة أبو ذكري، ثم بقية المشاركين في المسلسل، مع تخطي بطلي المسلسل، ومن ناحية أخرى، فلا يظهر في التتر، الذي جاء على هيئة مشهد تمثيلي، سوى البطلين اللذين لم يكتب اسماهما!
خالد النبوي بملامح مصرية حزينة ومهزومة، ومنة شلبي بملامح أوروبية تائهة ومهزومة أيضًا، يركضان مفتشين عن بعضهما في قرية صحراوية تشبه المتاهة – قرية أم القصر تقريبًا- ويظهر عليهما الاغتراب بسبب ملامحهما وملابسهما المختلفة عن بقية أهل القرية الظاهرين كأشباح بلا ملامح. لا يلتقي البطلان، وإنما يبقيان داخل المتاهة لينتهي التتر بالتأكيد على انهزام أبطاله. مع هذا، لم يكن التتر هو التكريس الوحيد للهزيمة، فنحن لا نزال قبل البداية.


ما بعد ثورة فاشلة

يبدأ المسلسل بتاريخ 11 يوليو 1882، وهو يوم قصف مدينة الأسكندرية لما يزيد عن العشر ساعات من قبل الأسطول البريطاني، الذي تحرك لمساعدة الخديوي توفيق باشا لإخماد ثورة أحمد عرابي، ما أدى لانتشار أعمال النهب والشغب وقتل الأجانب، وتسبب في إيجاد ذريعة لاقتحام بريطانيا الإسكندرية المهزومة. يكتشف الضابط محمود أن هذا الاحتلال جاء بأوامر من الحكومة، وبالتحديد محافظ الاسكندرية عمر باشا لطفي، ولكن إيمانه بثورة عرابي يدفعه للدفاع عن الثورة بكل جوارحه، وعصيان أوامر الحكومة والقبض على المخربين. ينهزم عرابي نفسه في موقعة «التل الكبير» وتُعلن عن «خيانته»، هو وزمرته، وتنقلب الآية على الثوار وعلى الضابط محمود، أما الشعب الذي كانوا يضحون بأنفسهم من أجله، فهو يرفض الثورة، المصحوبة بالخراب المفتعل، ويريد الأمن والأمان والاستقرار.


بين هوجة عرابي و 25 خساير


بغض النظر عن الأسئلة التاريخية التي يصعب التيقن من إجاباتها، خاصة في بلد مثل مصر، على غرار «هل كانت ثورة عرابي انقلابًا عسكريًا قادته صفوة الجيش المصري أم ثورة فقراء الشعب المصري وفلاحيه؟»، إلا أن الواضح أنها تحولت من «ثورة عرابي» إلى «هوجة عرابي»، كما تحولت «25 يناير» إلى «25 خساير» في أعين المشاركين فيها، دون أن يستطع أي ثائر أن يحرك ساكنًا، فالتاريخ يُزيَّف بحضور صناعه والشهود عليه، والثوار يتحولون إلى مخربين وعملاء وخونة، كما لو كان السيناريو يكرر نفسه وجميع الأطراف تتخذ نفس مواقفها؛ الحكومة تحاول الحفاظ على مناصبها، حتى وإن كان بالتخريب وخداع الجماهير، والشعب ينطلي عليه الخداع ويخضع للترهيب، والقوى الخارجية تساند السلطة، أما الثوار فكل آمالهم في التغيير تنتهي إلى شعور قبيح بالهزيمة.

كل من شارك بثورة يناير، وبعد أن أوشك على صنع مجد حالم يخلده التاريخ، يشعر الآن بمرارة، كما هو حال الضابط محمود بعد فشل الثورة العرابية.
هل يظل يناضل حتى لو كلفه الأمر وظيفته أو سنوات من حياته في السجن أو حياته نفسها، أم يتنكر للثورة وقيمها ليتعايش مع النظام الجديد، وهو ما فضفض به لصديقه «أبقى خنفس وأخون الحاجة الوحيدة اللي آمنت بيها في حياتي؟»

هذا التيه والتخبط جسدتهما بشكل بارع ومؤلم المخرجة كاملة أبو ذكري في أول حلقتين من مسلسلها، وخاصة في مشهد التحقيق الذي يقوم فيه مندوب الباب العالي بإجبار الضابط محمود على الاعتراف بأن الثورة التي حلم بها وشارك فيها، لم تكن سوى مجرد «هوجة مخربين».


هزيمة عامة .. هزيمة شخصية


المرارة المصاحبة لهزيمة وفشل بلد بأكملها تؤثر بدورها على العلاقات الشخصية؛ تصمها بوصمتها وتبخُّ فيها سمومها. الهزيمة العامة والخاصة يجسدها الضابط محمود الذي لا يستطيع الحفاظ على علاقته مع جاريته نعمة، وقامت بدورها الممثلة مها نصار، والتي قال عنها: «جسمي ما بقاش طايق جسم ست من ساعة ما مشت.» هذه المرارة والفشل الشخصي مررنا بهما، نحن جيل يناير المهزوم على المستوى العاطفي بسبب البيئة غير الصحية المشحونة بالهزائم والتي تجعل استمرار أي علاقة بطولة في حد ذاتها! لم ينجح الضابط محمود في أى علاقة، بل وفشل حتى في العلاقة الوحيدة المضمونة مع مملوكته نعمة!


غصة في الحلق

يتملكني أحيانًا إحساس بالمرارة لا أستطيع السيطرة عليه حيال «الشعب» و«الجماهير»السلطة موقفها مبرر رغم خسته، فهي تحافظ على مكاسبها وامتيازاتها، وكذلك الثوار موقفهم واضح ومفهوم رغم مثاليته، ولكن ماذا عن «الشعب»؟ لماذا يرفض «الشعب» الحرية، وهو فقير؟ ولماذا يعادي من ينادون بها؟ تدور كل هذه الأسئلة في خلدي منذ 2011 بلا إجابة واضحة، بل وأخجل أحيانًا من التعبير عنها، لأنها تجرح قدسية مفهوم «الشعب»، ولكن يبدو أنها أسئلة وقناعات مر بها يائسون كثر مثلي. ربما كانت أسئلة عادية ممتدة امتداد التاريخ، فهذه مثلًا كلمات عبد الله النديم عن المصريين وقت الثورة العرابية، وجاءت على لسان الضابط محمود في الحلقة، بعد الهزيمة والمرارة:
«أيها المصريون، لا حيَّاكم الله ولا بيَّاكم ما دُمتم تعيشون كالسائمة تأكل من حشائش الأرض، وتُقبِّلون أيديكم المتشقِّقة ظهرًا لبطن، أيها المصريون، شمُّوا رائحة أجسادكم، إنها نَتِنة، ونيل الله يجري بأرضكم! أيها المصريون، لعَن الله مَن يكره الحرية! لعَن الله من منَع عن نفسه أطايبَ الطعام وهي حِلٌّ له! لعن الله من يقعد متفرِّجًا مَلُومًا محسورًا! ».


ولادة جديدة من رحم الصحراء


ولكن هناك دائمًا أملًا في النجاة، يتمثل هنا في ظهور كاثرين في الحلقة الثالثة، مع بداية قصة حب غير معتادة تواجه كل الأعراف وتتغلب عليها، وتنتهي بالزواج غير المبارك من قبل المأذون وحتى من قبل مندوب السفارة الإنجليزية.

رغم هذا، يعاود شبح الهزيمة الظهور مرة أخرى، بداية من الحلقة الخامسة، بسبب اشتياق الضابط محمود لنعمة وبحثه عنها في أجساد فتيات ليل أخريات، وهو ما يتزامن مع تكليفه بمهمة في واحة سيوة، باعتباره أول مأمور مصري بعد مقتل المأمور التركي السابق، وهو ما اعتبره محمود حكمًا بالإعدام!

أثّرت الخيانة وأمر النقل على علاقة محمود بكاثرين، التي تكتشف أنها لا تعرفه جيدًا، فتقرر الذهاب معه الى واحة سيوة لمحاولة اكتشاف محمود الذى لا تعرفه، وكذلك لاكتشاف نفسها خلال هذه الرحلة الصعبة، وهو ما جاء على لسان دليل الرحلة: «الصحرا دي مافيهاش إلا الموت، ولكن لما نغلبه.. الله! ولادة جديدة!».


يعلو صوت السفهاء

بعد استلام محمود ملف واحة سيوة، وقرار كاثرين بمرافقته، يأخذ الاثنان في القراءة عن الواحة وأهلها. هنا يبدأ خط درامي جديد في المسلسل يرتبط بتاريخ الواحة غير البعيد عن الهزيمة هو الآخر، فأهل الواحة ليسوا في صراع مع الحكومة فقط بسبب الضرائب، لكن هناك أيضًا صراع دائم بين أهالي الواحة الشرقيين والغربيين، ينبع من إيمان كليهما بنبوءة أن أحد الطرفين يتوجب عليه إفناء الآخر لكي تعيش الواحة في سلام، وهو ما جاء في الحلقة العاشرة على لسان راو غير معروف أو محدد: «إذا لم تتحقق النبوءة، سوف تكونين أيتها الواحة أرملة منكسة الرأس، تحثو فوق رأسها التراب ويعيش فوق طرقاتك الغرباء في زهو، ويعيش أهلك مطرقين رؤوسهم. مكتوب أنه سوف يعلو صوت السفهاء».

اعلان