Define your generation here. Generation What

الأهداف الغائبة عن استراتيجية مصر للطاقة

في مطلع العام الماضي 2016، أُطلقت استراتيجية مصر للطاقة 2030، وذلك ضمن وثيقة بعنوان «استراتيجية التنمية المستدامة: رؤية مصر 2030». صاحَب إطلاق الوثيقة ترويج كبير لها ولأهميتها، «خصوصًا في هذه اللحظة من تاريخ مصر التي تتطلب مراجعة أهداف التنمية… وتطوير حلول أفضل… لتحقيق آمال الشعب في حياة كريمة… وتحقيق أهداف الدستور في إنجاز الرخاء عن طريق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية والنمو المتوازن».

نصت الوثيقة، وهي آخر استراتيجية للطاقة تخرج للنور حتى الآن، أن الرؤية الاستراتيجية للطاقة تتضمن أن يكون «قطاع الطاقة قادرًا على تلبية كافة متطلبات التنمية الوطنية المستدامة… وتعظيم الاستفادة الكفء من مواردها… وتحقيق النمو الاقتصادي… والعدالة الاجتماعية وحماية البيئة… .مع تحقيق ريادة في مجالات الطاقة المتجدِّدة». وقد حددت استراتيجية الطاقة عددًا من الأهداف والبرامج والمؤشرات لتحقيق وقياس هذه الرؤية.

وبمناسبة اليوم العالمي للبيئة، الذي مر بالأمس، يتناول هذا المقال بعض مؤشرات وأهداف الاستراتيجية، خصوصًا المتعلقة باختيار مزيج الطاقة المناسب، لكونه حجر الزاوية في استراتيجيات الطاقة عمومًا، وذلك لقياس مدى توافقها مع الأهداف التي أعلنت الاستراتيجية تحقيقها.

من الغريب أن الاستراتيجية، التي خلت من نسب الطاقة الأولية، حدّدت نسب مزيج الكهرباء، دون إيضاح كذلك للمعدلات المتوقعة لنمو الطلب أو الاحتياجات الكلية المستهدفة

طبقًا للاستراتيجية، فنحن نحصل على 96% من طاقتنا من الوقود الأحفوري، على شكل 53 و41 و2 % غاز وبترول وفحم على التوالي، بالإضافة إلى 4% طاقة متجددة معظمها كهرومائية، ولم تذكر الاستراتيجية كميات استهلاكنا الحالي من مصادر الطاقة، أو معدلات النمو المتوقعة، أو الاحتياجات المطلوبة بحلول عام 2030، ولم تتضمن أي معلومات عن مصادر تلبية هذه الاحتياجات ولا أنواع الوقود، كما لم تُحدّد نسب المزيج المستهدف!

من الغريب أن الاستراتيجية، التي خلت من نسب الطاقة الأولية، حدّدت نسب مزيج الكهرباء، دون إيضاح كذلك للمعدلات المتوقعة لنمو الطلب أو الاحتياجات الكلية المستهدفة. وأوكلت هذه المهمة إلى برنامج من المتوقع تنفيذه بين عامي 2016- 2020، وسيكون من مهامه إصدار خطة استراتيجية متوسطة وبعيدة المدى للقطاع، تتضمن نِسَب مزيج الوقود الأولي وسياسات ترشيد الطاقة وكفاءة الإنتاج! فعلى أي أسس إذن وُضعت النسب الحالية لمزيج الكهرباء؟ وهل ستُراجَع نسب هذا المزيج بعد تنفيذ البرنامج؟ وما إمكانية تطبيق مزيج الكهرباء الحالي في ظل تطوير استراتيجية أخرى؟ وما جدوى فرض مزيج قوامه محطات فحم ومفاعلات نووية، قبل تصميم استراتيجية وخطة للقطاع يقومان على بيانات دقيقة؟

من أهم أسباب القلق أيضًا أن المزيج المطروح، على الرغم من تنوعه (الفحم 29%، الغاز والبترول 27%، الطاقة المائية 5%، الشمس والرياح 30% والطاقة النووية 9%) لن يحقق «التنمية المستدامة»، وهي عنوان الاستراتيجية، وتستوجب مراعاة البعد البيئي والاجتماعي لتحقيق النمو الاقتصادي، أي الطاقة النظيفة والمتوفرة بسعر مناسب.

فمن ناحية، يتعارض اعتمادنا على الفحم مع البيئة، لما يمثله من عبء صحي بسبب تلوث الهواء وإجهاد النظام الإيكولوجي، جراء نقله وتخزينه والمخلفات الناتجة عنه، ناهيك عن أهمية الأماكن المُختارة، مثل شواطئ البحر الأحمر والمتوسط، لمحطات الطاقة كثيفة العوادم بالنسبة قطاع السياحة، ومن ناحية أخرى لا يدعم الفحم استقلالية القطاع لاعتماده على استيراد الوقود والتكنولوجيا، بالإضافة إلى الاستهلاك العالي للمياه الذي يختص به الفحم في بلد يعاني فقر الماء ويتوقع المزيد من ندرتها في المستقبل.

كما أن التكاليف غير المُدرجة في تكاليف إنتاج الوحدة الكهربية المنتجة من تلك المحطات، المصاحبة لمحطات الفحم والطاقة النووية هي محل جدل واسع، فلا يمكننا إغفال التكاليف الناجمة عن التلوث البيئي، من تشغيل تلك المحطات، باعتبار الكلفة الاقتصادية للمحطات تشمل الآثار غير المباشرة أو بعيدة المدى جراء الانبعاثات الضارة لمحطات الفحم، أو تكاليف دفن النفايات النووية لمئات السنين، وتكهين المفاعلات الذي يستغرق وقتًا يساوي فترة عمل تشغيل المفاعلات. وبالإضافة إلى عامل الأسعار، فهناك صعوبة البدء في توطين التكنولوجيا والاستثمار فيها، حيث لا تمتلك مصر تقريبًا أي مناجم للفحم. ورغم وجود اليورانيوم، إلا أننا أبعد ما نكون عن امتلاك التكنولوجيا النووية، بالإضافة إلي تهديد هذين النوعين لاستقلالية إنتاج الكهرباء، خصوصًا في ظل تقلبات الأسواق وتوترات الأوضاع السياسية.

لم تعكس الإستراتيجية رؤيةً حول التنمية المستدامة، كما افتقرت إلى البيانات والمعلومات، وكنا نأمل مثلًا أن تطرح برنامجًا قويًّا بأهداف كمية محددة لترشيد الطاقة في كافة القطاعات، أو برنامجًا أكثر طموحًا في الطاقة الشمسية والرياح والطاقة الحيوية

بينما تمتلك مصر مخزونًا هائلًا من الطاقات المتجددة، حيث طبقًا لدراسة لمعهد فرانهوفر أجريت في ديسمبر 2016 عن تكلفة إنتاج الوحدة الكهربية المنتجة من مختلف التقنيات في مصر، ستنخفض بحلول العام 2030 تكلفة إنتاج الكهرباء من تكنولوجيا الطاقة المتجددة، وبالتحديد محطات الرياح والخلايا الفوتوفولتية، لتصبح أرخص أنواع الطاقة في إنتاج الكيلو وات ساعة، مع الأخذ في الاعتبار سرعة تطور تلك التطبيقات وزيادة كفاءتها بمرور الوقت مع إمكانية تصنيعها محليًّا، ورغم طموح الاستراتيجية للوصول إلى 30%، إلا أن هذا لا يبدو محتملًا ولا مجديًا في ظل التوسع في الفحم وإدخال الطاقة النووية، فكلاهما كفيل باستنفاد التمويل والموارد المطلوبة للتوسع في الطاقة المتجددة.

لم تعكس الإستراتيجية رؤيةً حول التنمية المستدامة، كما افتقرت إلى البيانات والمعلومات، وكنا نأمل مثلًا أن تطرح برنامجًا قويًّا بأهداف كمية محددة لترشيد الطاقة في كافة القطاعات، أو برنامجًا أكثر طموحًا في الطاقة الشمسية والرياح والطاقة الحيوية، واعتبار الغاز الطبيعي، وتحديدًا محطات الدورة المركبة كمرحلة انتقالية، بديلًا عن الفحم والنووي، مع تعزيز الأنماط غير المركزية لإنتاج الطاقة، والتي تساهم في تقليل الفقد الناتج عن التوصيل بالشبكة الأم، وعدم التأثر بالأعطال المتكررة للشبكة، بالإضافة إلى دورها في تنمية مجتمعات نائية.

اعلان