تدوينة عن النكسة والثورة والجراح الممتدة: معنى الغمر بالماء

في عام 1971، قبل انتصار أكتوبر بعامين، بدأ يوسف شاهين تصوير فيلمه «العصفور»، وعليه، فالأغنية الشهيرة للفيلم «رايحين شايلين في إيدنا سلاح، راجعين رافعين رايات النصر»، لم تكن معدة في الأساس للاحتفاء بنصر أكتوبر، وإنما كانت معالجة ساخرة على ما يبدو لآمال جنودنا المصريين الذاهبين إلى الجبهة بأمل صلاة الجمعة في تل أبيب، فعادوا وقد حملوا مرارة واحدة من أكثر الهزائم العربية كآبة وقبضًا للنفس.

وقعت حرب أكتوبر أثناء تصوير الفيلم، وتبرع شاهين بالأغنية لتبث مع مشاهد الانتصار العظيم. ومن ساعتها تقرر أن تكون هذه الأغنية رمزًا للمشاعر القومية شديدة الإيجابية. الأغنية التي كان مقررًا لها أن تكون ساخرة، عدمية، شديدة القسوة، ضد جنودنا المصريين وآمالهم، أفظع حتى من «الحمد لله خبطنا، تحت باطاطنا، يا ما احلى رجعة ظباطنا من خط النار»، كان مصيرها أن توضع في دُرج الانتصار والمشاعر الإيجابية.

جاتكم خيبة

في مراهقتي كنت شبه ناصري، اعتدت أن أخبر الجميع أنني أنتمي نفسيًا لجيل الستينيات، لجيل النكسة. أفهم بشدة ألامه وآماله، كانت النكسة شيئًا شديد الثقل على روحي، تشربته من البيت. خالي كان يقول: «عبد الناصر كان زعيمًا كبيرًا، وغلطة الكبير كبيرة». وبكت أمي كثيرًا مع وفاة عبد الناصر، بحسب جدتي، أكثر مما بكت على رحيل أبيها نفسه.

بعدها ذهبت أمي، ككثير من المصريين والمصريات وقتها، للعمل كمدرّسة في الكويت. أستنتج الآن أن شيئًا ما تغير وقتها. كانت تستعيد تلك الفترة في حياتها، تستعيد المكايدات والمشاحنات بينها وبين زميلاتها «العربيات»، أي غير المصريات، فتقول: «بعد النكسة عايرونا بالهزيمة، وبعد الانتصار عايرونا بجلوسنا مع اليهود»، في إشارة للسلام الذي عقده السادات مع إسرائيل. ولدى سؤالها، من زميلاتها غير المصريات أيضًا، إن كانت تحب عبد الناصر أم السادات أكثر، كانت ترد ببلاغة مفحمة: «واحد جابلنا الهزيمة وواحد جابلنا النصر، يبقى أحب مين أكتر؟».

تعلقت أمي عاطفيًا بعبد الناصر أيام حكمه، ثم انحازت للسادات أيام حكمه، وبدا لي هذا الانحياز الأخير وقتها كأنه محاولة غير واعية لأن تفقد ذاكرتها بنفسها، لأن تتنازل عن الأحلام الكبيرة لصالح الواقعية السياسية، انحازت للنصر ضد الهزيمة ببساطة. وكثيرًا ما كنا نتجادل حول هذه النقطة بالتحديد. هي، في التسعينيات، واصلت انحيازها للسادات وللتطبيع وللسلام مع إسرائيل.

في التسعينيات ظهر مصطلح «الهرولة»، أي هرولة الدول العربية للجلوس على طاولة المفاوضات مع إسرائيل. كان المناخ مشحونًا سياسيًا حول هذه النقطة. أمي كانت مع هذه الهرولة، مع الإضافة المصرية الشهيرة: «السادات أول من عرض السلام مع إسرائيل، ولم يأخذه أحد من ‘العرب’ بجدية وقتها، والآن يتسابقون [أو يهرولون] جميعًا لتنفيذ رؤيته». هل كان هذا انتقامها وقتها من سخرية زميلاتها في المدرسة الكويتية؟

انغلقت هذه الصفحة من حياتي بعبارة من كلمتين. كنا جالسين، أنا وهي، لنشاهد أحد التقارير الإخبارية المترجمة عن الإنجليزية، وكان المعلق فيه يثني على دور مصر في المنطقة، ومن ضمن مظاهر الريادة المصرية، كما ادعى المعلق، أن مصر كانت أول دولة عربية تعقد سلامًا مع إسرائيل. سمعت أمي هذه الجملة وتمتمت بصوت خفيض: «جاتكم خيبة!»

نظرتُ لها بانتصار. كانت نقطتي في الجدل المطوّل معها تنتصر أخيرًا، أما هي فبعد أن تمتمت بكلمتيها، نظرت لي وقالت: «اعتبرني ما قلتش حاجة خالص!»

لم أستطع اعتبارها لم تقل شيئًا. والآن أفكر في هذا وأنا أكتب، هذه خيانة لوصيتها بأن أعتبرها لم تقل شيئًا. هي قالت شيئًا، قالت «جاتكم خيبة»، أرادت أم لم ترد، هي قالت شيئًا.

زوربا وزوربا المعكوس

كانت أمي تنتمي للتيار السائد في المجتمع، ذلك التيار الذي تكيف وتأقلم ونسي (أو حاول النسيان)، التيار الذي قيل له إن الكابوس انتهى، والهزيمة رُدّت، والجرح التأم، فجرى فرحانًا في أرجاء الكابوس ليعيد التأكيد صارخًا على أن الكابوس انتهى.

في مقابل هذا التيار السائد، كان هناك تيار آخر، مثقفين ونشطين وفنانين، ينظرون حولهم فيجدون أنفسهم لا يزالون في الكابوس، يشعرون بهذا بقوة، لكن لا يجدون في أنفسهم القدرة على التصريح بهذا، وعندما يصرحون، يٌرد عليهم بعنف: «الكابوس انتهى، و73 ثأرت لنا من 67. خلاص!» فيتمتمون خاضعين: «صحيح! خلاص!» ولكن في نقطة أعمق من نفوسهم، كان يبدو لهم أنه ليس صحيحًا وليس خلاصًا.

النكسة لا تزال حية معنا، يعرف هذا الجميع. الكثيرون من أعداء ثورة 25 يناير يطلقون عليها اسم «نكسة 25 خساير»، وبغض النظر عن حس الدعابة الرديء في هذه التسمية، وبغض النظر عن المقصد الأساسي وراء التسمية؛ تشبيه الثورة بالهزيمة، ولكن يبدو لي أنها تسمية مناسبة للتدليل على أمرين: الأول استمرار النكسة معنا حتى الآن، والثاني هو الشيء الحقيقي، شديد الحقيقية، في كل من الحدثين، النكسة والثورة، لا الشيء السلبي أو الإيجابي، ولكن الشيء الحقيقي.

في مسلسل «الشهد والدموع» لأسامة أنور عكاشة، يذهب الابن حسين إلى الجبهة، في 67، ويعود مريضًا نفسيًا، راقدًا على السرير يهذي بأسماء زملائه الذين استشهدوا إلى جواره في الجبهة. في المسلسل الذي يدور حول ثيمات معتادة مثل ظلم الأخ لأخيه والأم المكافحة التي تشقى حتى تربي أبنائها، نشاهد لأول مرة المرض النفسي في المسلسل، باعتباره واحدًا من أعراض النكسة. مع 67 ينفتح أمامنا باب الجحيم. بعد مرحلة المرض النفسي يتحول حسين إلى شخصية أكثر عملية وتأقلمًا مع الوضع السائد، ويبدأ في غناء «الأغاني الهابطة» لتلك المرحلة.

بعد حلقة الهزيمة بحلقتين أو ثلاث، نرى المشاهد الملحمية لانتصار أكتوبر. يطمئن المؤلف مشاهديه بأن الكابوس انتهى. ولكن هذه المشاهد لا ترأب شيئًا من الصدع؛ صحيح أن حسين نفسه يجلس مع أصدقائه ويؤكد لهم أن عصر «الغناء الهابط» انتهى، فيما يبدو لصالح نوع من «الغناء المقاوم»، ولكن هذا لا يكون مقنعًا للمشاهد، وإنما يؤدَّى بنوع من الخطابية، وفيما يشبه «تأدية الواجب». نحن، خلاص، رأينا حسين، الشاب الشقي المرح الظريف الحبّوب، وهو مريض نفسيًا، ولا شيء بإمكانه محو المرض النفسي من ذاكرة من شاهدوا المسلسل.

أما «رأفت الهجان»، وهو مسلسل من تأليف صالح مرسي ومأخوذ من «من ملفات المخابرات المصرية العامة»، فالحبكة فيه أعقد. يدور المسلسل حول جاسوس مصري في تل أبيب. مشاعره مصرية وأدائه إسرائيلي، حقيقته مصرية وصورته إسرائيلية. في 67، يفاجأ رأفت، أو باسمه الإسرائيلي، دافيد، أن المصريين انهزموا، يحتفل مع أصدقائه الإسرائيليين، يذهب للبار ويرقص مع الجنود الإسرائيليين الثملين بالنصر، «رقصة زوربا»، أو «كالطير يرقص مذبوحًا من الألم»، كما يقول البيت الشعري الشهير.

كنت في الثانوية تقريبًا وقت عرض هذا الجزء من «رأفت الهجان». ذهبت للمدرسة في اليوم التالي وكان زملائي جميعًا يتحدثون بانبهار عن رقصته. كانت شيئًا موجعًا وصادقًا وفنيًا لأقصى درجة. الجميع كانوا منبهرين.

كانت هذه الحلقة من ضمن الحلقات الأخيرة من المسلسل، في الحلقة التالية مات عبد الناصر، وبكى عليه البطل في بيته، وذهبت للمدرسة في اليوم التالي وواصل التلاميذ، بأعداد أقل، الحديث بانبهار عن مشهد موت عبد الناصر، فيما بدا لي، أو فيما يبدو لي الآن، كأنه محاولة لمواصلة الحديث الذي تواصل في اليوم السابق.

في الحلقة التالية، انتصرت مصر في 73. كان هذا ميعاد الرقصة المعكوسة لزوربا المصري. «دافيد»، وهو اسم القناع الذي يضعه على وجهه، حزين على هزيمة إسرائيل، و«رأفت»، وهو وجهه الحقيقي، فرحان بشدة. ذهبت للمدرسة وعدد أقل وأقل من زملائي هذه المرة (إن كان هناك أصلًا من تحدث، لا أذكر ولست متأكدًا) هم من يتحدثون عن عبقرية الحلقة. ولكن بلا لمعة في العينين هذه المرة. الانبهار بالمسلسل في هذه الحلقة الأخيرة كان يؤدى كنوع من الواجب. يجب علينا أن نظل منبهرين بالمسلسل. يجب أن نواصل ما بدأناه.

استنتاجي كان أن الجميع يعرفون، الجميع يستبطنون، أن مشهد الهزيمة كان الأقوى، كان هو الكف التي تنزل على غفلة وبدون أن يحسب أحد حسابها، وأن كل ما بعده كان مجرد محاكاة لهذه الكف العملاقة، صورة نيجاتيف أكثر بهوتًا، إعادة استنتاخ، ماكينة تكرر الأفعال وليس عقلًا يبدعها.

مسام مشبعة بالماء

هل كانت الهزيمة أجمل من النصر؟

في محاولتهم للقول بأن تجربة سيئة، كالهزيمة مثلًا، قد تخلق عملًا فنيًا أقوى من تجربة أخرى جيدة، كالنصر مثلًا، يردد بعض الفنانين والأدباء حججًا من عينة أن «الهزيمة أجمل من النصر»، أو أن «المهزوم أجمل من المنتصر».

قد تكون الهزيمة أجمل من النصر، ولكن في العمل الفني أو الأدبي فحسب، أما في الواقع، فالهزيمة كئيبة وسلبية. «الجمال» هنا ليس المعيار الصحيح في رأيي.

في الإنجليزية هناك كلمة أحبها كثيرًا. Overwhelming. لسبب لا شعوري، كنت أترجمها دائمًا «غامِر». الآن أبحث عن المعنى الدقيق للكلمة، عن طريق البحث عن الفعل Whelm، فأجد من معانيه «الدفن»، أو «التغطية». «الغمر» إذن، تحت الماء أو تحت التراب مثلًا، يصلح لترجمة التجربة الـ Overwhelming.

مع الـ over التي تسبق whelming، لا يصبح «الدفن» هنا الدفن المادي، وإنما شيئًا أعمق، تشبع جميع خلايا جسدك بالتجربة مثلما تتشبع بالماء في حالة غرقك. كل مسامك وأنسجتك تحمل أثرًا من هذه التجربة، ومهما حاولت التخلص منها فلن تستطيع، لأنها غائصة عميقًا في خلاياك، ولا تستطيع التنفس من فرط إطباقها عليك. بهذا المعنى، كانت تجربة النكسة تجربة غامرة. تشبع بها كل أبناء هذا الجيل، واندفنت عميقًا في لا وعيهم، وتجذرت هناك، ونقلها أبناء هذا الجيل لأبنائهم، عن طريق اللا وعي أيضًا.

– هل يمكن القول إن الصدمة النفسية التي عاناها الفرنسيون جراء الانسحاب من الجزائر سيقل أثرها الآن، بعد الرحيل التدريجي لأبناء الجيل الذي شهد هذا الانسحاب؟

– ليس بالضرورة أبدًا. الناجون من الهولوكست مثلًا كانوا أحرص الجميع على نسيان التجربة. من كانوا الأحرص على إعادة التذكير بها كان أبناؤهم.

كان هذا جزءًا من حوار عابر سمعته بين باحثتين حول «التجارب الغامرة»، ومثّل لي إجابة على سؤال: «لماذا اعتبرتُ نفسي في مراهقتي، أنا المولود بعد نصر أكتوبر بخمس سنوات، واحدًا من أبناء جيل النكسة؟»

نناشدكم أن تكتبوا!

بعض الأدباء والفنانين فهموا هذا في الستينيات والسبعينيات، فهموا القوة الغامرة لتجربة النكسة، وفهموا قدرتها على الانتقال من جيل إلى جيل، وبالتالي قدرتها على «الخلود»، وهو الهدف الأسمى فيما يبدو لي للفنان أو الأديب الجيد.

يمكن التمييز بين عمل فني ستيني «أندرجراوند»، بتعبيرات أيامنا، وآخر ينتمي للتيار السائد، عبر هذا. تحرص أعمال التيار السائد على تقديم النصر على الفور بعد تقديمها الهزيمة، للتماهي مع الرواية الرسمية القائلة بأن الصفعة قد رُدت وأن الجرح التأم، فيما تعني الأعمال الفنية الأخرى، والمنتمية لنفس العصر، بتقديم الصفعة وحدها، هذه الصفعة التي غمرت المصريين جميعًا وقتها وصار من المستحيل الفكاك من أسرها. يمكن القول بأن «أندرجراوند» هذا الزمان، قدم النكسة بوصفها جرحًا نرجسيًا لا شفاء منه، فيما عنيت أعمال «التيار السائد»، بالتأكيد المهووس على أن الجرح قد التأم سريعًا، مع مفارقة أن «الالتئام» قُدم دائمًا في أعمال التيار السائد بكروتة واستعجال.

يذكرني هذا مجددًا بالجدال الدائم حول 25 يناير و30 يونيو؛ الفعل الأصلي الغامر، وتقليده الباهت الذي لا يسعى إلا لاستيفاء الأوراق. كان من المبهر في هذا السياق رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي، البطل الشعبي لجماهير 30 يونيو، وهو يخلط في اسم «ثورة 30 يونيو»، فيقدمها بوصفها «ثورة 3 يوليو». في الحقيقة، وهذه ملاحظها عمرها ثلاث سنوات، فعندما تُذكر كلمة «ثورة» في مصر، بالسلب أو بالإيجاب، لا يستحضر ذهن الناس سوى 25 يناير. يا خسارة كل الجدالات والأصوات التي بُحت للتأكيد على أن 30 يونيو ثورة أيضًا، أو بالتحديد، على أنه «لا ينقصها شيء لتكون ثورة أيضًا»!

مثلما لم يخرج الكثير من الأدباء والسينمائيين اللبنانيين حتى الآن من تجربة الحرب الأهلية، لم يستطع أبناء جيل الستينيات، أدباء وسينمائيين، الخروج من تجربة النكسة. تمكن هنا الإشارة للكثير من الأعمال الأدبية لجيل الستينيات، منها «تلك الرائحة» لصنع الله إبراهيم، و«في الصيف السابع والستين» لإبراهيم عبد المجيد، و«حفلة على شرف الخامس من حزيران»، للسوري سعد الله ونوس، وحتى «الزيني بركات» لجمال الغيطاني، التي تمكن قراءة الغزو العثماني فيها باعتباره معادلًا للاحتلال الإسرائيلي.

تمكن مقارنة هذا النوع من الأدب بالصيحات المتكررة من المثقفين حول كون «ملحمة 1973 لم تُكتب بعد»، فيما يمكن اعتباره توجيهًا للأدباء للكتابة عن انتصار أكتوبر، أو حتى بمسابقة «أدب الحرب»، التي نظمتها جريدة أخبار الأدب في 1996، بالتعاون مع القوات المسلحة، لتشجيع الكتابة عن حرب 1973.

الكتابة عن 1967 أتت دون طلب، وبشكل تلقائي، من جانب مثقفي الستينيات، الذين كانوا على هامش الحياة الأدبية وقتها، في مقابل المناشدات الرسمية، أو المتذرعة بالرسمية، التي تناشد الأدباء: والنبي يا جماعة اكتبوا لنا أكثر عن انتصار أكتوبر!

عودة لـ 25 يناير، أو كيف يعمل التاريخ؟

ينتهي فيلم «العصفور»، والذي بدأ تصويره قبل 1973، ببهية وهي تصرخ مع الجماهير «هنحارب». كان هذا هو رأب الصدع الذي تخيله يوسف شاهين؛ لا الحرب نفسها، ولكن صيحة الأمل «هنحارب»، والجيوش والمدرعات ليست هي من ترد الصفعة، ولكن الشعب نفسه هو من يصرخ وينتفض ممتلئًا بالأمل. اختار شاهين تصوير الشعب كله كرائب للصدع.

صحيح أن الحياة تتكرر، ولكن بأشكال مختلفة.

يضيع وقتنا في انتظار التجانس التام بين أحداث الحياة، أو بين التجانس التام بين ما حدث لنا وما نتصور أنه سيحدث، ونرفضه إن لم يحدث كما تصورناه سلفًا.

كان هذا خطأ كثير من المثقفين والمنظرين السياسيين الذين أدانوا «ثورة 25 يناير»، بدعوى أنها لا تطابق الثورات التي قرأوا عنها في الكتب. وبشيء من المراجعة الذاتية، يمكن القول إنه كان خطأنا نحن أيضًا، وإن معارك ما بعد ال18 يومًا، كان يحدوها ذلك التصور الواهم بأن الثورة القادمة لابد أن تأتي على غرار الـ18 يومًا، مكانها التحرير، وأحيانًا نتصور أنه سيكون عليها أن تأتي في نفس ذكرى ثورة التحرير، 25 يناير. ليس على الصفعة الانتقامية أن تكون على نفس هيئة الصفعة الأولى. التاريخ يعمل في مسارات غير متوقعة يا شباب، وعلينا أن نكون أذكياء بما يكفي للطفو معه.

مثلًا، لنتخيل ثورة أخرى تندلع في مصر، ولكن في ميدان المساحة مثلًا هذه المرة، أو في الدقي، أو في عين شمس، أو حتى خارج القاهرة أصلًا. يبدو لنا هذا غريبًا الآن، ولكنه إن حدث، فعلينا ألا نستمر في اعتباره غريبًا.

أو لنتخيل كثيرًا من «أهداف الثورة» تتحقق عبر أمر مختلف تمامًا عن الثورة بشكلها الذي عرفناه في الـ18 يومًا، لا أعرف ما هو، ولكن ما أعرفه أن ثورة 25 يناير، وإن كان هدفها المعلن هو تنحية مبارك، إلا أنها، وفي طريقها، كانت المسمار الأول الذي يُدق في نعش الإسلام السياسي، على الأقل في المدن المصرية الكبرى. الثورة التي نادت بعزل مبارك، عزلت مبارك فعلًا، وفوق البيعة، أفقدت الإسلام السياسي شعبيته، بحيث صار بعدها عجوزًا آتيًا من زمان موغل في القدم.

شيء ثالث نجحت في تحقيقه ثورة يناير، لقد ردت صفعة 1967 بالنسبة لي. بعدها، صار بإمكاني الفخر بكوني مصريًا، لي دور في التاريخ، لست خارجًا عنه ولا أنتمي لجزء مهمش من العالم، وأكثر من هذا، ضبطت نفسي متلبسًا بفخري بكوني عربيًا، أنتمي للشعوب العربية الثائرة في تونس وسوريا والبحرين واليمن وغيرها.

صارت الثورة هي «حكايتي القومية» المفضلة لأصدقائي غير العرب، بل للإسرائيليين أيضًا، هم الذين لم يثوروا أبدًا على أنظمتهم العسكرية، هم الذين يعرّفون أنفسهم، في الأغلب الأعم، بكونهم «صهاينة»، سيرًا وراء أنظمتهم و«حكايتهم الرسمية»، صار بإمكاني القول: نحن، المصريين، رفضنا الحكاية الرسمية المقررة علينا، لم نصدقها وانتفضنا ضدها.

من كان يتخيل أن يلتئم جرح 67 بالنسبة لي هكذا، ليس عبر مركبات ومدرعات وجنود مشاة ومظليين وإنما عبر شعب ثائر في الميادين ضد مبارك؟ لا أحد. أنا نفسي لم أكن أتخيل، ولكن هذا ما حدث، على الأقل، أعادت لي الثورة الشيء الذي افتقدته من أن بدأت أسمع قصة عبد الناصر وهزيمته الملحمية؛ الفخر بنفسي، الشعور بأني ندٌ للعالم.

كل هذا بالطبع، يلزم التنويه، كان قبل أن تُهزم الثورة وينغلق المجال العام وترتفع الاسعار أضعافًا، ويعود الإسلام السياسي بشراسة أكبر كثيرًا من ذي قبل، ويعود التنسيق الأمني على أشده بين النظامين المصري والإسرائيلي. والله وحده يعلم إن كنا سنتمكن من التأقلم هذه المرة، كما تأقلمت أمي سابقًا، أم لا.

اعلان
 
 
نائل الطوخي