حوار| خالد فهمي: ماذا نعرف عن الهزيمة؟.. لا شيء
 
 
حوار| خالد فهمي: ماذا نعرف عن الهزيمة؟.. لا شيء –​​بعد 50 عامًا على 5 يونيو، ما زالت القوى الحاكمة تحرمنا من حقنا في معرفة حقيقة ما حدث، أو فهم لماذا كانت الهزيمة بهذه القسوة والسرعة،​ ​وما زال حجب الوثائق مستمرًا، ما يثير الشكوك حول مسؤولية القادة العسكريين المصريين في حدوث الهزيمة، أو زيادة تأثيرها.​
 

«اليوم، وبعد خمسين عامًا، لا تزال أسئلتنا الجوهرية مطروحة، ولا نمتلك القدرة على الإجابة عنها، طالما لا يمكننا الاطلاع على الوثائق ذات الصلة، المحفوظة في اﻷرشيف دون رفع الحظر عنها»، كانت هذه نقطة انطلاق أستاذ التاريخ بجامعة هارفارد، خالد فهمي، في الرد على أسئلة «مدى مصر» له تزامنًا مع الذكرى الخمسين لهزيمة 5 يونيو.

قبل أن يستدرك: «لكن لكي أكون واضحًا للغاية، دعيني أضيف أمرًا هنا؛ ما حدث في صيف 1967 لم يكن هزيمة عسكرية فقط، بل كان أكبر من ذلك».

قبل خمسة عقود اعتاد القادة العسكريون أن يصفوا العسكرية المصرية بأنها اﻷقوى في الشرق الأوسط، وذلك قبل أن تنكسر  هذه القوة أمام العدوان الإسرائيلي، الذي تسبب أيضًا في فقدان مساحات لا يستهان بها من الأراضي العربية، من بينها القدس الشرقية، التي لم يتم استرجاعها حتى اﻵن.

خمسة عقود مرت على انهيار الدعوة للقومية العربية، التي طالما وعد بها القائد الأسطوري، المهزوم، جمال عبد الناصر، وما ترتب على هذا الانهيار من ارتفاع تأثير الحركات الإسلامية، المعتدلة منها والمتطرفة.

ورغم مرور العقود الخمس، ورغم تبعاتها شديدة اﻷهمية، إلا أن هذه الحرب التي اختفت قياداتها لا تزال أحداثها اﻷهم محجوبة «بإرادة القوى الحاكمة في البلدان العربية وخاصة في مصر»، كما يؤكد فهمي، الذي يرى أن هذا الحجب «يحول دون حقنا في أن نعلم حقيقة ما حدث في ذلك اليوم، أو أن نفهم لماذا كانت الهزيمة بهذه القسوة والسرعة».

«لم تكن تلك الهزيمة حتمية، حقيقة لم تكن كذلك»، يقولها فهمي، الذي استثمر الكثير في محاولة تجميع أكبر كم ممكن من الشهادات والوثائق عن هذه الحرب «بدون أي نجاح مرضي».

ويضيف إنه استنادًا إلى القليل المتوفر من الأدلة التاريخية، ومن خلال شهادات بعض من كانوا جزءًا من النظام الحاكم أو قيادة الجيش في ذلك الوقت، حتى وإن كانت الهزيمة العسكرية واجبة «لم يكن حتميا أن تكون بهذا العمق والتدمير».

«إذا قارنا ما بين حالة جيوش الدول العربية، خاصة الجيش المصري، في عام 1967 قبل الحرب، وبينها في عام 1948، سوف نجد أن قدراتها كانت قد تحسنت بالقطع، وأنها كانت مجهزة جيدًا بالسلاح بمعايير ذلك الوقت».

وبحسب فهمي، يبدو أن المشكلة كانت باﻷساس سياسة بشكل ما، «صحيح كانت هناك علامات استفهام مشروعة للغاية بشأن عدد من الأمور، مثل جودة التدريب والتخطيط العسكري، لكن المشكلة الحقيقية في ذلك الوقت كانت المشاحنات بين قادة الجيش وكذلك بين جهات مؤثرة متوازية: الجيش والرئاسة والمخابرات والشرطة».

في هذا السياق، يضيف فهمي أنه على عكس التحليل المفترض، فإن الشقاق بين جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر لم يكن نتيجة لهزيمة 1967. «بل العكس هو الأقرب إلى الصحة، إذا نظرنا إلى ما توفر من روايات، سنجد أن هذا الشقاق كان مستمرًا على مدى خمس سنوات على الأقل قبل الهزيمة؛ يبدو الأمر في الواقع وكأن الهزيمة كانت نتيجة ذلك الخلاف إلى جانب خلافات أخرى، وبالتأكيد عوامل أخرى».

عبر سلسلة مقالات بدأ نشرها في منتصف مايو الماضي، حاول فهمي تحديد تاريخ بدء التطورات السياسية والعسكرية التي أدت لهزيمة 1967، ورصد فيها لجوء عبد الحكيم عامر إلى نشر أسلحة ثقيلة بناء على «معلومات خاطئة مقدمة من الاتحاد السوفيتي بشأن حشد عسكري إسرائيلي على الجبهة السورية»، وهي الخطوة التي يقول فهمي إن عبد الناصر لم يتم استشارته بشأنها. ويضيف أن عامر لم يخطر القطاعات العليا المعنية بتوقعات عبد الناصر «الدقيقة» لتاريخ الضربة الإسرائيلية وتوجيهاته باليقظة، ويقول كذلك إن عامر يكاد يكون تعمد حجب تفاصيل الساعات الأولى من أحداث يوم 5 يونيو عن عبد الناصر رغم تكرار السؤال من قبل الرئيس.  

وعبر سلسلة المقالات، يتأمل فهمي في الفشل في سرعة تبادل المعلومات التي انتابت هيئات متوازية، والتي كانت كفيلة بتنبيه القادة إلى هجوم إسرائيلي قادم، ما كان من شأنه أن يسمح بوضع خطة دفاع حقيقية كان يمكن أن تحتوي حجم الضرر.

يقول: «هنا أيضًا، لدينا أسئلة كثيرة لا تزال تنتظر إجابة، أبرزها هو الخاص بقرار انسحاب القوات المسلحة بعد أن كادت القوات الإسرائيلية تقضي على قدرات سلاح الطيران.. أين وكيف ومتى صدر الأمر للقادة بسحب قواتهم؟».

بحسب فهمي، «نحن لا نعلم على وجه الدقة من الذي اتخذ القرار، هل هو عامر أم عبد الناصر وبعض أفراد من شلته؛ متى على وجه الدقة تم اتخاذ ذلك القرار وهل تمت مناقشته مع القادة العسكريين أم لم يحدث ذلك».

ويضيف: «حتى الآن، نحن لا نعلم شيئًا عن تفاصيل ذلك اليوم؛ قد نفترض أننا نعلم، لكننا في الواقع مقتصرون على طرح الاحتمالات فقط إلى أن نتمكن من الاطلاع على تلك الوثائق المحجوبة بشدة عنا والتي يجب الإفصاح عنها».

يدفع فهمي بأن «كل ما لدينا هي الشهادات التي وردت في المذكرات المنشورة، وحتى هذه الشهادات ليست شاملة، حيث أن أجزاءً منها قد تكون تعرضت للحذف بأوامر عسكرية؛ وينطبق ذلك على الشهادات التي تم إعلانها جزئيًا على الرأي العام أثناء التحقيقات التي دارت إبان الهزيمة وشملت كافة القيادات العسكرية، بما في ذلك عامر».

ويستكمل: «لقد كانت هناك في الواقع أكثر من بعثة تقصي حقائق، وكانت هناك تحقيقات ومحاكمات، ليس فقط في ما يتعلق بالهزيمة ولكن أيضًا في ما يتعلق بمحاولة الانقلاب الذي نظمه عامر بعد الهزيمة، والذي تم إجهاضه ومن ثم فتح الطريق أخيرًا أمام إلقاء القبض على عامر الذي قيل في ما بعد إنه انتحر».

وهنا، يعود فهمي للتأكيد على أن الروايات الورادة في المذكرات لا يمكن أن تغني عن الوثائق، وأنه إلى أن يتخذ الجيش قرارًا بفتح الأرشيف للباحثين، لن يكون لدينا سوى جزء من المعلومات فقط.

ورغم ثقته في أن «الوثائق موجودة وسليمة»، وكذلك ثقته في قدرات التوثيق والحفظ التي تتمتع بها القطاعات المعنية في القوات المسلحة المصرية، إلا أنه يتشكك في «الأسباب التي تجعلهم، هم وهيئات أخرى في الدولة، غير راغبين في الإفصاح عن تلك الوثائق»، ﻷنها قد تكشف أن هزيمة 1967 لم تكن لتحدث -أو على اﻷقل لم تكن بهذا القدر من التدمير- نتيجة العدوان الإسرائيلي فحسب، وإنما أيضًا لفشل القيادة المصرية والخلافات بين أجهزة الدولة.

واليوم، وبعد مرور خمسة عقود، فإن نصف سكان مصر على اﻷقل لم يكونوا قد ولدوا وقت الهزيمة، وبرغم ذلك، لا يزالون متأثرين بالنتائج الكارثية التي ترتبت على تلك الحرب، التي فرضت تراجعًا هائلًا، مستمرًا حتى اﻵن، على المستوى الاجتماعي والاقتصادي.

أما هؤلاء الذين عاشوا هزيمة 1967 ويتذكرونها، فإن جل ذكرياتهم على الأرجح هي ذلك الخطاب الناري الذي ألقاه عبد الناصر عشية الحرب، ومشهد القوات وهي تمر في القاهرة متوجهة إلى سيناء، وسط توقعات بالنصر العسكري الموعود، قبل الصحو على الصور المؤلمة للجنود المهزومين وهم ينسحبون هربًا.

يختتم فهمي: «في نهاية الأمر تلك حرب ذات نتائج طويلة المدى، وتاريخها لا يزال في صندوق أسود، مسئوليتنا كباحثين وحتى كمواطنين أن نحاول معرفة حقيقة ما حدث».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ترجمة: عايدة سيف الدولة

اعلان