Define your generation here. Generation What

عن إضراب الحرية والكرامة: أسئلة عن معنى «الانتصار»

استيقظنا صباح الجمعة، السادس والعشرين من مايو 2017، على خبرين مركزيْين: الأول إعلان هيئة شؤون الأسرى الفلسطينيين تعليق إضراب مئات الأسرى عن الطعام منذ 41 يومًا بعد مفاوضات مع السجون الإسرائيلية، والثاني هو الهجوم على أقباط المنيا في مصر ووقوع عشرات القتلى والجرحى. الأول من المفترض أن يكون خبرًا سعيدًا، والثاني حدث حزين يضاف للواقع الحزين للمنطقة، وبين ما يمكن من انتصارات صغيرة وأحزان كبيرة، نعيش مؤخرًا.

في السابع عشر من أبريل، وبالتزامن مع يوم الأسير الفلسطيني، بدأ أكثر من 1700 أسيرًا فلسطينيًا في السجون الإسرائيلية إضرابًا مفتوحًا عن الطعام، أطلقوا عليه اسم «إضراب الحرية والكرامة»، وذلك من أجل تحسين ظروفهم الإنسانية، بعد بيان أطلقوه في مارس الماضي من أجل رفع مطالب كانت بالأصل بحوزتهم، ولكن مع تحول الحكومة الإسرائيلية، اليمينية أصلًا، نحو المزيد من اليمينية، نُزعت هذه المطالب من الأسرى.

كان من هذه المطالب ما يتعلق بالزيارة، كانتظام الزيارات كل أسبوعين وعدم تعطيلها من أي جهة، زيادة مدة الزيارة من 45 دقيقة إلى ساعة ونصف، عدم منع أي قريب من الدرجة الأولى والثانية من زيارة الأسير، وغيرها. وكان هناك أيضًا ما يتعلق بالملف الطبي، مثل إنهاء سياسة الإهمال الطبي، إجراء الفحوصات الطبية بشكل دوري، إجراء العمليات الجراحية بشكل سريع واستثنائي، عدم تحميل الأسير تكلفة العلاج، بالإضافة إلى إنهاء سياسة الاعتقال الإداري، وغيرها من المطالب التي وصل الأسرى، في يومهم الحادي والأربعين للإضراب، إلى اتفاق بشأنها مع إدارة السجون الإسرائيلية، بالأساس حول مسألة الزيارات، وكذلك مناقشة مطالب أخرى لتحسين ظروف الاعتقال، وبالتالي القرار بتعليق إضرابهم. وكان مئات من الأسرى قد نُقلوا إلى عيادات السجون أو إلى مستشفيات مدنية إسرائيلية في الأسبوع الأخير للإضراب بعد تدهور أحوالهم الصحية.

هاشتاج وحملات إعلامية

منذ اليوم الأول للإضراب، رافقت الأسرى حملة إعلامية واسعة، كانت في غالبيتها تلقائية ومقامة عبر الفضاء الرقمي، سواء عبر فيسبوك أو تويتر. وتحت هاشتاج #إضراب_الكرامة، شارك فلسطينيون وعرب ومتضامنون من العالم معلومات حول الإضراب، والأوضاع الصحية التي ترافق الأسير خلال مرور الأيام بلا طعام، مع العيش على الماء والملح فقط. هذا بالإضافة إلى فيديوهات عمل عليها أفراد في العالم، نُشرت عبر موقع فيسبوك، للتوعية بالإضراب والإعلان عن إضرابهم ليومٍ واحد (وأحيانًا أكثر) تضامنًا مع الأسرى. كما أقيمت، بالإضافة إلى ذلك، بعض المظاهرات في البلدات الفلسطينية؛ حيفا ورام الله وغيرهما من المدن.

الحملة الإعلامية هذه، قابلتها حملة إعلامية مضادة شنتها المؤسسة الإسرائيلية، لكسر عزيمة الأسرى من جهة، وكذلك لتشويه صورتهم أمام العالم عامة، وأمام شعبهم على وجه الخصوص، من جهة أخرى. وللأسف، كان الأسوأ من تصديق هذه الحملة، هو ترديد البعض لمنطقها، بهدف مساءلة من يخوض معركة أمعاء خاوية في مواجهة أحد أقوى الأنظمة العسكرية والإعلامية في العالم، بدلًا عن مساءلة القوة الاستعمارية نفسها من جهة، أو مساءلة السلطة الفلسطينية من جهة أخرى، التي تحترف بأدائها السياسي والوطني التواطؤ المستمر، بما في ذلك أدائها في قضية الأسرى وإضرابهم عن الطعام، حيث من مسؤوليتها تمثيل الأسرى ورفع صوتهم أمام العالم.

ولكن على قدر ما علينا التوقف عن الشعور بالمفاجأة من أداء السلطة، فربما يكون علينا الوقوف قليلًا أمام خيبتنا، نحن الفلسطينيّين، من أنفسنا هذه المرة.

في زمن موازٍ

عن أسباب الخيبة هذه، أشير إلى أحد المقالات التي كُتبت في اليوم الأربعين لإضراب الأسرى الفلسطينيين الأخير، وقبل الإعلان عن تعليقه بيوم واحد، تحت عنوان «إضراب الأسرى، الفرصة التاريخية التي ضيعها الفلسطينيون» كتب الشاعر والكاتب الفلسطيني خالد جمعة: «لقد أعطانا الأسرى فرصةً تاريخية، فقد أوجدوا لنا قضيةً من المفروض أنها غير مختلف عليها، من المفروض أنها تكشف نوايانا باتجاه قضايانا الوطنية، وقد كنت من بين السذج الذين اعتقدوا أن قضية الأسرى يمكن أن تساهم مثلًا في حل مشكلة الانقسام، ويمكن كذلك أن تجعل الشارع والقيادة الفلسطينية في صف واحد باتجاه قضية الإضراب، ويمكن كذلك أن تغير من سلوك الشارع الفلسطيني باتجاه نفسه وقضاياه، لكن كل هذا لم يحدث إلا بشكل أقل من البسيط، وحتى في الأيام التي استجابت فيها المدن للإضرابات المساندة للأسرى، جلس الجميع في بيوتهم، وكأنه يوم إجازة.»

يتابع خالد جمعة: «بالطبع لا يمكن لوم أي شخص على أنه يرغب في تحسين مستوى حياته والارتقاء بها اجتماعيًا وماليًا… إلخ، لكن هؤلاء الأسرى الذين يجلسون لليوم الأربعين في سجون إسرائيل، ومستشفياتها الميدانية، لم يدخلوا السجون لأنهم سرقوا بقرةً أو اعتدوا على فتاة في الشارع، لم يدخلوا السجون لأنهم سطوا على بنك، أو اقتحموا بيتًا آمنًا، بل هم هناك من أجلنا، من أجل قضيتنا الوطنية.»

إشارتي إلى المقال هي إشارة إلى أهميته، وإلى وصفه بدقة الواقع الفلسطيني اليوم بارتباطه بقضاياه الكبرى، وهي في مثل هذه الحالة إضراب الأسرى، ومؤخرًا اغتيال الكاتب والناشط السياسي باسل الأعرج، والتي كان يمكن لجميعها أن تكون فرصًا، قبل أن تضيع سياسيًا ونضاليًا. هذه الإشارة ليست لتوجيه اللوم للأفراد والناس، وكلٌ منهم يعيش ظروفه الخاصة، إنما بالأساس للوم الحركات السياسية، التي كان بإمكانها، في ظل الخيبة التي نعيشها، استعادة دورها الريادي وإعادة البوصلة للاتجاه المطلوب.

في أحد أيام الإضراب، وصلت أخت أحد الأسرى إلى خيمة الاعتصام ووجدتها فارغة، وفي الفيديو الذي بثته قناة القدس، تظهر الفتاة وهي تصرخ: «وين الزلام؟ وين فتح؟ وين حماس؟ وين شباب فلسطين؟ بدي أخويَ! أخويَ في المستشفى بديش إياه شهيد». من هذه القصة، يمكننا التطرق لموضوع الانتصار، حيث انتصار إضراب الحرية والكرامة، والذي خاضه الأسرى على مدار 41 يومًا، قد لا يزيد عن كونه انتصارًا للأسرى وعوائلهم وحدهم.

معنى الانتصار

بعد تعليق الإضراب، انتشر عبر موقع فيسبوك فيديو قصير من خيمة الاعتصام لأهالي الأسرى في رام الله، يظهر فيه رجل كبير في السن، مرفوعًا على أكتاف الشباب، ويرقص بعصاه الخشبية فرحًا بعد سماعه للخبر. تنتقل الكاميرا إلى امرأة تحمل العلم الفلسطيني، وتلوح به وبيديها رقصًا أمام الحاضرين. فيديو آخر نُشر عبر تغريدة على تويتر في صباح الثلاثين من مايو، للأسير عدي أبو السعد من القدس بعد الإفراج عنه من السجن، وهو يحتضن ابنته «وطن» لأول مرة، هي التي وُلدت أثناء إضرابه عن الطعام ولم يعلم بولادتها.

الرجل العجوز، المرأة التي ترقص بالعلم، الأسير وطفلته المولودة للتو، مع الكثير من القصص السعيدة والمؤثرة للأسرى وعوائلهم، القصص التي تلت الإضراب ولم توثق بالصورة والصوت والنص، هي بحد ذاتها الانتصارات العمليّة، صغيرة كانت أم كبيرة، لا يهم الآن، المهم أن هنالك أسيرًا سيرى أبنائه وبناته أكثر، إلى أن يأتي اليوم ويعود إلى حضنهم، إلى البيت.

 

اعلان