Define your generation here. Generation What

تفاعلًا مع «أمل بلا أوهام»: لن تنصلح العجلة وهي تدور

أكتب هذا المقال اشتباكًا مع مقال الأستاذين العزيزين محمد أبو الغيط وعبد الرحمن منصور «أمل بلا أوهام»، وهما محسوبان على الثورة ولا تمكن المزايدة على ثوريتهما وولا على ما تحملاه، سواء ما نعرفه أو لا نعرفه، من فقد لأصدقاء في الأحداث المختلفة للثورة، أو افتقاد لآخرين محتجزين دون جريرة، أو مضايقات وتضييقات على شخصيهما، ومع عدم ادعاء وعي يزيد عن وعيهما بقضايا الثورة وخبايا الاجتماعات ومحاولات رأب الصدع بين القوى السياسية، أو تقليل خسائر الثورة والحد منها، سواء عبر كتاباتهما أو مشاركاتهما المباشرة في حراك الشارع أو بأية وسيلة أخرى. يثير المقال العديد من النقاط التي تستحق النقاش والاشتباك معها بروح البحث عن مخرج لأزمة جيلنا ولأزمة الثورة المصرية ككل.

يقر الكاتبان أنه «جرى توسيع دوائر المستفيدين المباشرين بقطاعات الجيش والشرطة والقضاء، ولذلك لا يظهر صراع جذري يمكن النفاذ من ثغرة فيه، كما كان الوضع في 2011».

وبالتالي، فشبكة المصالح هذه أقوى بكثير من أن يجري التعامل معها بطريقة «إصلاح العجلة وهي تدور»، لأنها تحتاج لتغيير بالضربة القاضية. لا أعرف كيف يحدث ذلك، وإنما لنفكر معًا في هذا الأمر، فلا إقرار لعدالة اجتماعية ولا إمكانية لتحقيق بعض قواعد التغيير الاقتصادي والاجتماعي، دون تفكيك شبكة المصالح هذه، وإعادة تركيب ما يتم التحصل عليه من عملية التفكيك تلك لصالح الأغلبية الساحقة من المجتمع المصري، حتى يطمئن أن التغيير يجري هنا لصالحه، فلا يتحالف في لحظات تهييج ضد هذه العملية.

يتطلب هذا التفكيك مشروعًا متكاملًا للتغيير الجذري للقوانين واللوائح ومدونات السلوك الوظيفي، وللنظر لعلاقات العمل والثقافة حتى تؤتي ثمارًا ستُعتبر لاحقًا إصلاحية بالنسبة لتطلعات الأجيال القادمة.

الحقيقة أننا جميعًا، وفي مناسبة أو أخرى، جلسنا مع عديد من الشخصيات، ممن يُعدون «مفكرين» داخل تياراتهم، وخلاصة ما كانوا يقولونه هو أنه يجب «إصلاح العجلة وهي تدور»، سمعت هذا بأذني من طارق البشري صاحب تعديلات 2011، وسمعته وقرأته من قيادات كثر داخل ما يسمى بـ«التيار المدني» أو «التيار الديموقراطي» بـ«جبهة إنقاذه» و«تياره الشعبي» و«تيار كرامته»، فهل استطاع الإخوان أو الوفد أو التجمع أو كافة التيارات، التي شاركت كأفراد أو أحزاب فيما تسميه «الإصلاح من الداخل»، باعتباره الطريق الوحيد الممكن والمتاح، إصلاح شيء، أم أن العجلة فرمتهم وفرمت الدولة المصرية وهي تدور لصالح «نظام قوي ودولة ضعيفة» ومهترئة بتعبيرات الراحل سامر سليمان رحمه الله؟

سياسة إصلاح العجلة وهي تدور، ومشاركة التيارات المحسوبة على الثورة في عملية وهمية كتلك، هي في النهاية، وحال استمرار الوضع في التدهور بالوتيرة الحالية، وهو ما لا يتمناه أحد، قد تفضي إلى نظام ضعيف مهترئ ودولة ضعيفة وفاشلة.

على الصعيد الخارجي، وفي رأيي، يبحث الإقليم والعالم عن بديل أقل كلفة أقدر على إنهاك الدولة المصرية في عمليات ترقيع، دون الوصول بها لمزيد من الانهيار ودون التقدم في مسار التغيير، ولعل القوى الصغرى في الإقليم هي من تريد الحفاظ على هذه المعادلة أكثر من القوى الكبرى. والحقيقة أن هذا النظام منصاع لأطراف الأطراف في النظام الدولي، لأن القوى الكبرى لا تقيم له وزنًا ولا ترى له دورًا، لا في اليمن ولا في سوريا أو ليبيا، ولا ترى فيه إلا مستهلك سلاح تمكن الاستفادة منه، ومتلقي معونة متلهف لا يمكن الوثوق به إلا بقدر ما نعطيه؛ الإمارات بالتحديد تتعامل معنا بهذا المنطق، فتعتبرنا تابعًا لها لا للسعودية حتى، كما تتعامل معنا الولايات المتحدة وروسيا بنفس المنطق، مع امتلاكهما لأدوات تأثير أكبر.

هذه النظرة لنا لا يفسرها سوى موقع الثورة المصرية في السياق الدولي، والذي يغفله الكثيرون منا، وإن أشاروا له فيعتبرونه هامشيًا، رغم قدرة بعض القوى الدولية الصغرى على فرض مرشحيها للرئاسة المصرية دون الحاجة إلى من تتعاطى معه من قوى الثورة أصلًا، التي يتوجب عليها التحضير والتحسب لهذا جيدًا، سواء للوصول لنقطة البدء في التغيير، أو للحفاظ على استمرار وتيرته لاحقًا، مع تحييد قدرة العوامل الإقليمية والدولية على إفشال قوى الثورة أو أية عملية إصلاح أو تغيير تسعى لهما.

يستكمل الكاتبان «السيناريو الواقعي» بالقول: «شرعية نظام السيسي ليست محل سؤال أصلًا ليدعي أحد أن بيدنا منحها أو نزعها، فهذا ليس نقاشًا نظريًا يفوز فيه صاحب المنطق الأقوى، بل هو واقع فاز به بالفعل من يمتلك أسباب القوة. شرعية السيسي ثابتة داخليًا بدعم أجهزة الدولة وقوتها، وبدعم قطاع شعبي، وشرعيته خارجيًا اكتملت؛ زيارات وصفقات على أعلى مستوى، سواء عن قناعة من التيار اليميني الصاعد، أو عن اضطرار من أوروبا التي يهمها استقرار مصر وعدم تصديرها للاجئين».

وإذا كان الأمر كذلك، فلما المشاركة أصلًا في انتخابات لم تُجرَ بالأساس؟ لأول مرة في تاريخ دراستنا للسياسة نرى الشرعية تُمنح على يد أجهزة الدولة وقوتها. صحيح أن البيروقراطية المصرية والأجهزة السيادية يمكن أن يطلق عليها لقب «الحزب الأقوى»، لكنها هي ذاتها تحتاج لنظام يعطي ممارساتها الشرعية، وتحتاج للانتخابات، وتحتاج لنسب مشاركة عالية كي تضفي على سياساتها مزيدًا من الشرعية.

البعض، في العديد من النقاشات الجانبية، يطرحون سيناريوهات بمفادها فالأجهزة السيادية تحديدًا لن تقبل الفوز بأقل من 90% مع وجود منافس وحيد، أو 75% مع وجود عدة منافسين. أما إذا حصلت على نسب أقل من ذلك، فقد تقود أجنحة فيها عملية إصلاح، بل وقد تنقلب على النظام، إذا تدنت النسبة لأقل من 60% مثلًا، فالأنظمة الديكتاتورية لا تحتمل معارضة وزنها 40%. يطرح الكاتبان بعدها مجموعة أسئلة، تمكن مناقشتها، ولو باستخدام بأسئلة جديدة:

في أية سياقات تشارك الثورة بالعمل السياسي؟

الحقيقة أن الثورة تؤسس لمرحلة ما بعدها، عبر وضع دساتير وتغيير قوانين لضمان الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، وما حدث للثورة المصرية، في أوجها في 2011، كان أن الجيش الذي حرص، وفقًا للكاتبين، على الإطاحة بخطة التوريث عبر الانحياز للثورة وعزل مبارك، وهي النظرية محل الشك، هو نفسه الذي لم يسمح بأكثر من تعديل دستوري في مارس 2011، وساهم بالتعاون مع أصحاب الرؤية الواقعية قصيرة الأمد التي لم تدرك حجم الحدث الثوري، في رسم مسار أشبه بمسار المشاركة في الانتخابات القادمة 2018 وفق المعطيات التي يسوقها الكاتبان، وهو مسار في أفضل أحواله سيقود لسلطوية انتخابية تعتبر أن المشاركة هي الموقف الموضوعي والثوري الوحيد.

وصحيح أن برلمان الإخوان، أو برلمان الثورة، أو أيًا كان اسمه، قد أقرَّ بعض الضمانات الانتخابية، كالفرز في اللجان الفرعية، وصحيح أن المشاركة كانت كثيفة، سواء في أول استفتاء أو الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية التي جرت عقب الثورة، بالإضافة لاصطفاف كل التيارات وقتها وتحمسها لفرض رقابة شعبية على عملية جرت العادة على تزويرها في سنوات ما قبل الثورة، لكن هذا يتطلب إمكانيات كما أقر الكاتبان. كما أن سياق المشاركة ذاته، والذي يتطلب وجود مؤشرات النزاهة، يقتضي أولًا أن يطرح النظام والقوى المعارضة له رؤية للتعامل مع التيار الإسلامي، ممثلًا في حركة «الإخوان المسلمين» والتي لا تزال تتمتع بشعبية قد تضاهي الظهير الشعبي المحدود للنظام الحالي أو تفوقه، كي لا يُستغل سياق الاستقطاب الحاد، والمتواصل منذ 2013، في اتهام أعضاء أية حملة أومشروع رئاسي باعتبارهم إرهابيين ينتمون للإخوان المسلمين. والحقيقة أن أيا من المرشحين المحتملين، أو أصحاب المشروعات الرئاسية، لم يطرحوا هذه النقطة للنقاش، بل ويتهربون منها مع علمهم بقدرة النظام أو هذه الحركة على خلق سياق يُفشل العملية الانتخابية برمتها.

أرست الممارسات السياسية المصرية، سواء للإخوان أو خصومهم، ما يشبه القاعدة بأن «المشاركة هي الموقف الموضوعي الوحيد والأصلح للثورة» وأن «الانتخابات هي الطريق الوحيد للديمقراطية والإصلاح والتغيير». ودومًا ما سمعنا استنكارًا لأي داعٍ للمقاطعة، بينما كان البعض يصيحون على الهامش بأن المشاركة بهذا المعني هي أحد أهم دعائم استمرار الديكتاتوريات وبقائها وترسيخها، فهذه الديكتاتوريات تعلم سلفًا أن خصومها لديهم يقين بألا بديل عن المشاركة، ومن ثم فمن في السلطة يفرض قواعده على الجميع؛ هو من يقر قانون اللجنة العليا للانتخابات، وهو من يعيّن رئيس اللجنة، من بين شبكة المستفيدين بالطبع.

نفس النظام الذي تدعوننا للمشاركة في انتخاباته هو من فصّل قوانين الانتخابات وفصّل عملية انتخابات البرلمان، ووضعت مخابراته الحربية تحديدًا قوائم برلمانه بحيث لا ينافسه إلا المرضي عنهم، وحينما حصل أحد الأشخاص، غير المرضي عنهم بالدرجة الكافية، على حكم باتٍ من أعلى محكمة إدارية في البلاد بأحقيته في الفوز، رفض البرلمان تنفيذ الحكم.

وصحيح أن الإخوان، بل والوفديين والناصريين والتجمعيين، كما يقول الكاتبان: «شاركوا فرديًا بالانتخابات منذ عام 1976، وكجماعة أو أحزاب منذ 1984، ولولا هذا التاريخ الطويل من المشاركة تحت أنظمة دكتاتورية بانتخابات غير نزيهة لما أمكن بناء التنظيم (فرز القيادات الطبيعية، تدريب الكوادر ..إلخ)، وبناء خبرة آلته الانتخابية بتفاصيلها المعقدة. هذا مكسب ضخم في حد ذاته، وهو أحد الأسباب التي أهّلت الإخوان حين أتت اللحظة المناسبة لتصدر المشهد»، لكن أيضًا لولا هذه المشاركة لأمكن إسقاط هذه الأنظمة، ربما في مطلع التسعينيات أو على الأقصى في 2001 أو في 2003 عقب الغزو الأمريكي للعراق، ولأمكن لهذه التيارات التعوُّد على ممارسة ديمقراطية نزيهة في سياقات أفضل، ولأمكن بناء حركة اجتماعية واقتصادية قوية، بإمكانها إعادة رسم شكل الممارسة الديموقراطية، وشكل ومضمون السياسات الاقتصادية والاجتماعية للفائزين، بحيث تصب في صالح الجميع إن لم تصب في مصلحة الأفقر، ولربما استطاعت إرساء قواعد للعدالة التصحيحية، أو على الأقل إيقاف برامج الإصلاح الاقتصادي المفروضة دوليًا في مراحل مبكرة، وقبل إثقال كاهل المصريين بالحجم الحالي للديون.

ولو لم يتصدر الإخوان المسلمون المشهد بعد 2011، ولو كانوا تراجعوا قليلًا لصالح أحد المرشحين الأكثر ثورية والأكثر يسارية، لأمكن تحقيق انتصارات بالضربة القاضية لصالح الثورة، أو على الأقل تحقيق شروط تفاوضية بسقف عالٍ، بدلًا من أحاديث «الخروج الآمن للنظام القديم»، دون الحديث عن تأمين مسار الثورة وعدم تعطيل أهدافها.

بل وحتى إذا وصلنا لمشهد 3 يوليو، ولم يترشح أحد أمام السيسي في انتخابات 2014، لأدرك النظام حينها ألا شرعية انتخابية تحميه، ولأدرك أنه بحاجة لمعارضة، ولفتح حوار جاد حول مسار تحول ديمقراطي حقيقي، وليس مسارًا شكليًا يمكنه تجاوز العديد من تفاصيله كما هو الحاصل الآن.

عندما نقارن الوضع الحالي بالوضع في تشيلي بينوشيه، نجد أن الوضع في الأخيرة كان أفضل نسبيًا، من ناحية أن استفتاء تشيلي في 1988 جاء على شخص الرئيس نفسه وتعديلاته الدستورية التي تتيح له البقاء في السلطة لثمانية أعوام أخرى، وليس في ظل مرشحين منافسين آخرين له، كما جاء بعد عدة أعوام من حكمه والنضال ضده، وليس في بداية حكمه، عندما كان في وضعية جنرال عسكري يطيح بالجماعة السياسية الأقوى مستخدمًا الشارع والقوة العسكرية معًا ضدها وضد كل معارضيه، ولا يرى في الانتخابات وسيلة لإخراجه من السلطة أصلًا، ويسعى برلمانه لمدِّ ترشحه لمدد غير محددة، ويرى أن الدستور، الذي وضعته لجنة كان له دور كبير في تشكيلها، قد وُضع بحسن نية، وهو يصرح بأنه لم ولن يلتزم بالجوانب المتعلقة بالإنفاق على الصحة والتعليم في دستوره هو، كما يصرح كثيرًا بأنه لن يترك الحكم، بل لن يترك ضابطًا واحدًا ليحاسَب مهما فعل.

أما إذا كان الهدف الأساسي للمشاركة هو الحصول على موقف تفاوضي أفضل، فالمشاركة تستوي في هذا مع المقاطعة، بل قد ترجح كفة تأثير المقاطعة في بعض اللحظات المفصلية، في ظروف مشابهة لانتخابات 2014 ودستور 2013 قبلها. ولنسأل أنفسنا هنا: هل أكسبت مشاركة حمدين صباحي في انتخابات 2014، وحصوله على المركز الثالث بعد السيسي والأصوات الباطلة، الثورة موقفًا تفاوضيًا أفضل، أم أنها أقرت مبدأ المشاركة تحت أي ظرف، ودون إمكانية فرض المزيد من قواعد الشفافية والنزاهة على اللعبة، التي فرضت السلطة منفردة كافة قواعدها؟

إن هذا السياق الذي نحن فيه أشبه بوضعية «تحول ديكتاتوري مأزوم» كما يشير الدكتور أحمد عبد ربه، وغاية ما يمكن تحقيقه بآلياته هو ترشيد هذا التحول الديكتاتوري بحيث يصبح تحولًا ديكتاتوريًا ناجحًا، لكن على الثورة وقوى التغيير ألا تركن لآليات هذا التحول الديكتاتوري ولا تسهم في إنجاحه، وإنما تقليل كلفته عليها أثناء محاولات تغييره، لا القبول به ولا التأقلم معه.

إن ما مُنيت به الثورة حينها من فشل جراء هذه المشاركة، كان أكبر بكثير من مجرد سباق انتخابي نشارك به والسلام، حيث استُغلت النتائج التي لا يمكننا التشكيك كثيرًا بشفافيتها، وإن شككنا بنزاهتها، في القول بأن هذا هو حجم القوى الثورية وأقصى ما يمكن أن تحققه بانتخابات. كما ساد سابقًا، في انتخابات 2012 الرئاسية، اعتقاد قوى لدى حملتي المرشحَيْن حمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح، بأن كل من رشحهما لديه ما يشبه الانتماء الحزبي الذي يمكن استغلاله مستقبلًا، مع تحييد أثر السياق العام على اللحظة الانتخابية ذاتها.

الحقيقة أن مناخ الإحباط العام الحالي سينعكس على العملية الانتخابية القادمة برمتها، ولن يكون بالضرورة في صالح التيار المحسوب على الثورة، حتى وإن توحد توحدًا تامًا على مرشح رئاسي، إذ أن المناخ السائد من العدمية والإحباط العام يصب أكثر في صالح السلطة، فالجموع تعتقد ألا جدوى تُرجى من المشاركة. وهنا فإن الانخفاض الطبيعي لأعداد المشاركين في العملية الانتخابية، وهو الانخفاض المتراوح بين 5-10%، سيتضاعف، وهو عامل يمكن توظيفه سياسيًا حال اعتبار المقاطعة خيارًا جديًا.

ما يطرحه الكاتبان، من تأهل السياق العام لاحتضان مبادرة أشبه بـ«الجمعية الوطنية للتغيير»، هو الأمر الأكثر جدية وأهمية في المقال، وربما تكون هذه المبادرة أكثر تأثيرًا من الانتخابات ذاتها، ويمكن استغلالها في فرض قواعد نزاهة وشفافية على الانتخابات والعملية السياسية برمتها، أو حتى توسيع سقف التوقعات للتفاوض حول تعديلات دستورية وقانونية كبيرة، تمهد لعملية تغيير أو إصلاح. ولكن على كل حال، فما لم تشتبك هذه المبادرة مع مواضيع مثل ارتباط السياسة بالاقتصاد في المجتمع المصري والثورة وطبيعة العلاقة بين الدين والدولة، ووضعية تيار الإسلام السياسي بتنوعاته، وحتى وإن أنجزت مثل هذه المبادرة جزءًا من الإصلاح السياسي المنشود، فهي قد تعيدنا للمربع صفر، أو حتى لمربعات سالبة.

ثمن المشاركة في هذه الانتخابات غالٍ لا شك. خلال أسبوعين من الجدل حولها وحول إمكانية طرح قوى الثورة لبديل، رأينا كيف دارت هجمة شرسة على شباب الأحزاب، وكيف زُج بالسيد خالد على في الحبس وفي قضية قد تمنعه من الترشح وفقًا للحالة المزاجية للقاضي وضباط التحريات والنظام الذي لا يريد لأحد أن ينافسه إلا بشروطه، كما رأينا سابقًا كيف أُثبتت جنسية والدة أبو إسماعيل لاستبعاده من سباق الانتخابات، من دون أية أدلة.

كما رأينا مؤخرًا كيف طالت الهجمة على المواقع الإلكترونية، ومن ضمنها حتى بعض المواقع الحكومية الرسمية كموقع «إيجي نيوز»، وهو ما يشير لمقدار الغشم الممكن والمتاح لدى التعامل مع المعارضين، من دون فلترتهم حتى، كما مُرّر قانون الجمعيات الأهلية، لتكتمل دائرة التضييق على الحق في التنظيم، رغم الضغوط الدولية لعدم تمريره. وبالتالي فالرسالة، أن نطاق المسموح لوكيلنا الإقليمي في محاربة الإرهاب قد تجاوز كليًا مسألة الحقوق والحريات، وهو سياق يصعّب أية تغيير عبر المشاركة بشروط السياق الحالي وهامشه شديد الضيق والمحدودية.

خلاصة القول إن النضال حاليًا ينبغي أن يسير أكثر باتجاه فرض ضمانات جماعية لتحسين سياق الانتخابات والمساهمة في فرض شروطها وتنزيه إجراءاتها، بالتوازي مع مطالب واضحة للتغيير الجذري، تعي أبعاد شبكة المصالح الحالية بتعقيداتها الإقليمية والدولية وقواها الدينية والعسكرية وتسعى لتفكيكها بوضوح، وتفتح نقاشًا جادًا حول هذه. على قوى الثورة أن تخطط جيدًا، وأن تكون لديها خطة باء وجيم ودال، ويكون لديها ما يشبه النمذجة للواقع بسيناريوهاته وتطوراته اللحظية.

صحيح أننا بحاجة لـ«أمل بلا أوهام»، لكن بسقف طموحات وتضحيات جذرية أعلى، لأن العجلة لن يمكن إصلاحها وهي تدور، وإنما يجب إيقافها أولًا، والكشف عليها كشفًا دقيقًا وإصلاحها أو استبدالها.

لنرفع سقف طموحاتنا ولنحلم، فالثورة تتطلب حالمين. ولكي نحوّل أحلامنا إلى واقع بتنازلات أقل، فعلينا فتح حوار مؤجل وجدي حول مصر التي نريدها بكل تفاصيلها، لا مصر التي تفرضها علينا عمليات التفاوض الآنية، والتي كنا نحن الطرف الأضعف فيها عبر السنوات الست الماضية المهدرة من عمر الثورة.

اعلان