Define your generation here. Generation What

ذلك الممثل الأردني الذي لا يعرفه أحد: تدوينة عن الدراما والتاريخ

«أجلس وحدي كثيرًا هذه الأيام. أكتب نصوصًا للفراغ وأتساءل: كيف وصلت إلى هنا؟ على أبواب الستين، أقرع الماضي لأبحث عما كنته، وأفتش المستقبل عبثًا كي أرى صوري التي لم أكنها. لن أتجمل كثيرًا في اعترافاتي. أنا على قارعة الأشياء. الدور الوحيد الذي منحته الحياة لي منذ أكثر من عشر سنوات هو الفشل المطلق. رصيدي البنكي شبه خاو، وقلبي أكثر خواء. أمشي في شوارع عمان كنكرة شاهد على مدينة كان يحلم بتحويلها إلى مرئيات خالدة. أجل. أنا الممثل الأردني الذي لا يعرفه أحد».

«من ألوم؟ لا أدري. الماضي كان طافحًا بالأمل. أساتذتي وزملائي في قسم المسرح بجامعة اليرموك كانوا يقفون مشدوهين أمام أداءاتي. كنت موهوبًا فوق العادة، هكذا أقنعوني. جمعت بين التمثيل والكتابة. كنت نصوصًا متنقلة. أكتب بتوحش وأدرس ستانسلافسكي وتشخيصات المدرسة الشكسبيرية. سعد الله ونوس كان جليسي. لم أترك مدرسة سينمائية من نهمي. مشروعي للتخرج كان حدثًا. أجسد الهمس ذاته. أجلس في الفراش أحيانًا كي أتعافى من شخصية أديتها. وحين تخرجت وانتقلت لسوق العمل نصحوني بالخروج. الخروج».

الإنتاج الأردني بدأ يتضاءل. حرب الخليج وسنوات التسعينيات أرخت بظلالها. أحتاج إلى العمل فعلًا. أحتاج إلى المال. بدأت أكتب ملخصات لمسلسلات

«أين أذهب؟ أنا أردني وأرغب في تحويل المكان إلى سرد. لم تكن لدينا صناعة سينما، لكن التلفاز موجود. بدأت أطرق الأبواب. استخدمت بعض العلاقات. وجدت أدوارًا صغيرة هنا وهناك. أنظر في طبيعتها ساخرًا، لكنها البداية كما ظننت؛ مرحلة الانتشار. كنا بدوًا في تلك اللحظات. العالم العربي يرانا بدوًا، ويريدنا أن نبقى كذلك. إنتاجاتنا، رغم بعض إشراقاتها، تحولت إلى نصوص مكررة معادة، لكنها متطلبات السوق. البداية استطالت. مرت سنتان وثلاثة وأنا حيث أنا. إذا أخبرك ممثل ما بأنه لا يحلم بالشهرة فلا تصدقه. كنت أراني نجمًا، وأريدني كذلك. الخروج. الخروج».

«لم أخرج. الإنتاج الأردني بدأ يتضاءل. حرب الخليج وسنوات التسعينيات أرخت بظلالها. أحتاج إلى العمل فعلًا. أحتاج إلى المال. بدأت أكتب ملخصات لمسلسلات، أفكارًا أعرضها على أصدقائي فيرونها مدهشة. ولكني أذهب إلى شركات الإنتاج فيضحكون عليّ. يأتي رمضان والذي بعده ونحن ننتظر أعطيات من مسلسل عربي هنا  أو هناك. بدأ الإنتاج السوري يبسط ظلاله. دهشت حقًا. ما الذي ينقصنا؟»

أعمالنا كانت عن أسئلة نخبئها تحت أفواهنا؛ لحظات تأسيس الأردن، الهاشميين، العلاقة بين الأردني والفلسطيني، الحضور الشركسي، معركة الكرامة، أيلول الأسود، أحداث اليرموك.

«حاولت ألا أؤمن بعبارة غالب هلسا التي قالها مرة: ‘الأردن طارد للإبداع’. لكن الأشياء بدأت تتضح شيئًا فشيئًا. الوطن هو أن تحوله إلى نصوص سردية. القوميات كما علمونا، وكما يقول عنوان ذلك الكتاب الشهير، هي مجتمعات متخيلة. الرواية والسينما والتلفاز هي أدوات أبناء الوطن في خلق سردياتهم وخيالاتهم وطرقهم في رؤية ذواتهم، هي الرباط الذي يوحد أبناء المجتمع ويجعلهم قادرين على تخيل بعضهم كمواطنين منتمين إلى بقعة محددة اسمهما ‘الأردن’. لكن كي يتحقق ذلك، فلا بد أن تكشف الغطاء عن ذاتك وتسرد. اسرد. حوّل العالم الذي يحويك إلى قصص. حاولت ذلك مرارًا. حاولت حقًا».

«لا بد من أن تنظر إلى نفسك في المرآة بكل عيوبك ومحاسنك وتكتب. اكتب. كتبت اقتراحات لمسلسلات أنا وبعض الزملاء عن شخصيات وقضايا حقيقية، بعيدًا عن المسلسلات التي كانت تسطّح ذواتنا وتنمطها، رغم تسليتها أحيانا كـ’حارة أبو عواد’ و’العلم نور’ وغيرها. رأينا تلك الأعمال فنونًا تخديرية، إيهامًا بمجتمع غير موجود. أعمالنا كانت عن أسئلة نخبئها تحت أفواهنا؛ لحظات تأسيس الأردن، الهاشميين، العلاقة بين الأردني والفلسطيني، الحضور الشركسي، معركة الكرامة، أيلول الأسود، أحداث اليرموك، العمال الوافدين، التغيرات التي طرأت على عمان، عمان التي لا يعرفها نصف سكانها. تخيلنا شيئًا مثل ‘ليالي الحلمية’ أو ‘إخوة التراب’ وغيرها من المسلسلات الهامة. قدمنا اقتراحات مكتملة عن حياة الليل في الأردن، الشباب في الجامعات، الفقر في الجنوب. شيء حقيقي يرى الأردني ذاته عبره».

«الرفض كان مطبقًا. لم نجد شركات إنتاج مستعدة؛ الرقابة ستقف بالمرصاد. قالوا إننا مجانين. هذه أشياء الأردن المسكوت عنها. لا يمكن التطرق إليها. قلنا إن الفن وسيلة التصالح مع الماضي، فهم الذات. يحق لنا أن نحاكم ذواتنا. أن نخلق تاريخًا بصريًا لأحداث تقع أمامنا وسيطويها النسيان إن لم تؤرَّخ. الفن تاريخ غير رسمي، هوية أخرى للوطن. اتهمونا أننا فضائحيون. قلنا إن حبنا للأردن لا يحتاج لبرهان. أسامة أنور عكاشة وحسن سامي يوسف وغيرهم لا يشوهون أوطانهم حين يكتبون نصوصًا عنها. مسلسلاتهم فضاءات عامة تمنح الوطن والمواطن الفرصة ليعرف من هو. من نحن، بالمناسبة؟ من هو الأردني؟ّ»

«أزمتنا في الخوف. نحن لا نعرف من نحن لأننا لا نريد الإجابة عن أسئلة كبرى. عمّان من المدن القليلة في العالم التي لا تملك سرديات بصرية حولها. ليست عندنا سينما، فهمنا، لكن التلفزيون كفيل بالغرض. أتعرفون حجم القصص التي يمكن أن تنتج من وسط عمان وحده؟ نحن نخاف. نفضل أن نبقى مجرد رموز مجردة في عيون الناس. دعك من العالم ككل واسأل: ماذا يعرف العالم العربي عن الأردن؟ الملك والملكة، البحر الميت، البتراء، نصف السكان على الأقل فلسطينيون، والمنسف والكنافة والفلافل في أحسن الأحوال. حكايات سهلة بسيطة لا تثير قلقًا. لا نريد تعقيدًا. نحن خائفون، بلا سبب حقيقي. الأردن محروم بصريًا. ليس ثمة حكايات كبرى أنتجت حول حيوات سكانه. ليس ثمة سرد».

أنظر إلى سوريا وأتحسر. المشكلة أن هامش الحرية في الأردن أعلى، ومع ذلك نخاف.

«واجهونا أحيانًا بمشكلة اللهجة. اللهجة الأردنية لا تبيع. تسويقها صعب. اللهجة ستغضب بعض المناطق. الأردن خليط. اللهجات الأردنية متعددة وكذلك الفلسطينية. ثمة حساسيات ستثار. لكنا رأينا ذلك وسائل أخرى لحرماننا من العمل. المجتمع يخلق لهجته الوسطى في النهاية، كما فعلت الدراما المصرية والسورية. وعمان طورت لهجتها الخاصة تقريبًا. وإذا كان العمل عن إربد فسنتحدث بلهجة أهلها. نحن ممثلون وهذا دورنا. لكن لا تفرضوا علينا لهجة معينة. أجمل ما في الأردن تنوعه. الأردن ليس بدويًا فقط. ليس عشائريًا فقط. ليس عمانيًا فقط. ليس فلسطينيًا فقط. بعض سكان عمان يتحدثون مع بعضهم بالانجليزية، يا جماعة. هل تخرجون إلى الشارع وترون ما يحدث؟ هذا الخليط كله هو الأردن، ونحن نريد التعبير عنه».

«نحن مجتمع محافظ. أينما توجهنا تواجهنا العبارة ذاتها؛ نحن مجتمع محافظ، قيمنا وعاداتنا، لا يمكن لهذا النص أن يقبل، هذا المسلسل فيه إيحاءات جنسية، الممثلون والممثلات لا يقبلون بهذه الأدوار. أي أدوار بالضبط؟ كلا، نحن لسنا مجتمعًا محافظًا. نحب أن نصدق ذلك عن أنفسنا؛ فكرة اخترعناها وتوارثناها. كلا. نحن محافظون ومتحررون، متدينون وغير متدينين، محجبون وغير محجبين. نحن مجتمع حقيقي، طبقات وعادات وكبت وتحرر وجنس وقلق، مساجد وكنائس ونواد ليلية في قلب شارع اسمه ‘مكة’، خمارات وفنادق ومدارس، فقراء ولصوص وفاسدون وأطهار. ماذا تريدون بالضبط؟ مسلسلات سطحية تنتهي نهاية سعيدة عن مجتمع يحب بعضه بعضًا؟ ألم تملوا من ذلك؟»

«فشلت في كل الصعد. بقيت أعمل في أدوار ثانوية، وحتى أدوار البطولة الأولى كانت مليئة بالسطحية. كنت أكره نفسي. أؤدي نصوصًا كاذبة. أرى وطني الذي أحب وهو يتحول إلى استنساخ لأسوأ ما قدمته السينما المصرية في الخمسينيات. أنظر إلى سوريا وأتحسر. المشكلة أن هامش الحرية في الأردن أعلى، ومع ذلك نخاف. هل نستطيع إنتاج مسلسل عن الفساد؟ سرقة الأموال العامة؟ ألا يحق لنا أن نسخر من بعض تصرفات السياسيين لدينا؟ خسرنا في سباق الفضائيات. ليس ثمة مسلسل أردني. لا أحد يسمع بنا. حوارينا وأزقتنا بعيدة عما يطلبه المشاهدون. معهم حق. ماذا قدمنا كي يتذكرونا؟ مصر لازالت في المقدمة، وسوريا تنطلق، ونحن نحن.»

«شاهدت قبل سنوات مسلسلًا مصريًا اسمه ‘موجة حارة’. كان البطل ممثلًا من أصل أردني. ابتسمت كثيرًا وأنا أشاهده. كان بارعًا. كان مصريًا. كان أردنيًا في مصريته. كان ما كنت أريد أن أكونه في وطني. هل يمكنه أن يكون ذاته الأردنية في مسلسل كهذا ينتجه الأردن؟ موجة حارة هو أن تمسك الكاميرا وتخرج إلى الحواري، أن تحاول قول الصدق، مهما كان. هل ستأتي موجة حارة أردنية يومًا؟ محظوظ أنت أيها الممثل. كلمة أساتذتي رنت في داخلي. الخروج. الخروج».

«فاتني القطار. لم أكن أريد الخروج. حاولت هنا. والآن وقد فشلت، فتقدمي في العمر يمنعني حتى من بعض الأدوار الثانوية في مسلسلات الإنتاج العربي المشترك. سأقول شيئا صادمًا، حتى لي. أسوأ ما في الحياة أن تشعر أن ولادتك في مكان ما كانت عائقًا أمامك. لو فقط كنت فقط ممثلًا في بلد آخر، لو ولدت هناك، أو هناك! يقولون شرف المحاولة يكفي. كلا. لا يكفي. شرف المحاولة لم يجلب لي الشهرة. لم يمنحني أدوارًا كنت أحلم بها. لم يجعلني ضيفًا على المهرجانات. لم يطعمني الخبز. الممثل الذي يحتاج الخبز ليس ممثلًا».

«ماذا أريد الآن؟ لا أدري. نعيًا في فضائيات عديدة مثلًا؟ أحياًنا أفكر في كتابة مشاهد حياتي الأخيرة وتمثيلها. أرغب في العبث بحاضري، في السخرية من كل ما بقي لي. من أنا؟ لا يهم. اسمي ليس مهمًا. قد أكون كل ممثل أردني. قد لا أكون أحدًا. اسمي لن يضيف شيئًا. هو آخر ما يعنيني الآن. اعتبروني، ببساطة، ذلك الممثل الأردني الذي لا يعرفه أحد.»

اعلان