Define your generation here. Generation What
إزالة منازل منشأة ناصر.. الأهالي: لصالح شركات العقارات.. والمحافظة: الأرض قابلة للانهيار
 
 
شارع الرزاز بمنشأة ناصر - صورة: مصطفى محيي
 

«جمال عبد الناصر قال للناس اللي كانوا عايشين في عشش صفيح جنب الحسين، اطلعوا الجبل [هضبة المقطم] وابنوا بيوت. فلا يجوز اليوم أن تقول السلطات إن أهالي سكان منشأة ناصر قد تعدوا على أراضي الدولة». بالعبارة السابقة بدأ ياسر عرفات، أحد سكان منشأة ناصر، المؤتمر الصحفي الذي نظمه أهالي شارعي الرزاز والنور بالمنطقة أمس، الأحد، ردًا على ما وصفوه بتجاهل إدارة الحي والمحافظة لمطالبهم.

تضرر الأهالي من حملات الإزالة المستمرة لمنازلهم بمنشأة ناصر منذ عام 2009، والتي تسارعت وتيرتها خلال السنة الأخيرة، وبدأوا اعتصامًا في شارعي الرزاز والنور، الرئيسيين بالمنطقة، استمر ليومين الأسبوع الماضي، قبل أن يُعلقْوه مساء الأحد قبل الماضي بناء على طلب من مندوب لـ «جهة سيادية»، دون أن يوضح هذا المندوب هوية هذه الجهة، التي أكد أنها ستنفذ مطالبهم.

كان عرفات قد حضر، هو وعدد من سكان المنطقة، جلسة مفاوضات يوم الأحد قبل الماضي مع مسؤولين من الحي ومحافظة القاهرة ومندوبي «الجهة السيادية»، وعرضوا مطالب الأهالي بوقف الإزالات وتمليكهم للأراضي، المملوكة للدولة، والتي بنوا عليها منازلهم خلال العقود الماضية، أو إثبات وجود خطر جيولوجي حقيقي بالمنطقة يجعلها غير صالحة للسكن، وتوفير وحدات لائقة لمُلاك العقارات وأولادهم أو تقديم تعويضات مالية لهم لا تقل عن 200 ألف جنيهًا.

وأوضح عرفات أن «محافظ القاهرة طلب، يوم الثلاثاء الماضي، لقاء لجنة اعتصام الأهالي. وعندما ذهبنا فوجئنا بوجود نائب المحافظ فقط، وطالبنا بوجود مأمور قسم ومعاون مباحث منشأة ناصر للشهادة على ما سيجري في الاجتماع».

وتابع: «استخدم نائب المحافظ لغة التهديد معنا، وقال: أنتم معتدون على الأرض. ولا يمكن لأحد الوقوف أمام القطار وإلا سيدهسه. فأجبناه أننا سنقف أمامه فإما سيرانا ويتوقف أو يدهسنا ونموت، لأننا سنموت في كل الحالات». انتهى الاجتماع على ذلك، بحسب عرفات الذي أضاف: «من وقتها لم نتلق أي رد على مطالبنا بخلاف ما قاله نائب المحافظ».

وكانت بعض الأُسر قد أُجليت عن منازلها بالشارعين الرئيسيين بمنطقة منشأة ناصر مؤخرًا دون أن تحصل على وحدات سكنية بديلة سواء في حي «الأسمرات» أو أي من المناطق الأخرى، حسبما أكد كريم شوقي، أحد أعضاء روابط العدالة الاجتماعية لـ «مدى مصر»، مضيفًا: «مع الوقت زادت نسبة الأُسر التي طُردت من منازلها دون توفير بدائل لها، مما دفع سكان المنطقة للاعتصام ليومين ورفض ترك منازلهم».

تعمل روابط العدالة الاجتماعية، والتي تضم مجموعة من الأفراد داخل المناطق الفقيرة والمهمشة، على دعم ملفات الحق في السكن والصحة والتعليم في ثلاث مناطق بالعاصمة وهي: عزبة خير الله، ومصر القديمة، ومنشأة ناصر، وقد بدأت محافظة القاهرة في إخلاء منازل بهذه المناطق ونقل سكانها إلى حي الأسمرات بالمقطم منذ مايو 2016، كما تعمل الروابط بالشكل نفسه في منطقة أبي سليمان بالإسكندرية.

ما يدفع الأهالي إلى رفض ترك المنطقة بشكل قطعي هو عدم تكافؤ البديل الوحيد المطروح عليهم من قِبّل الدولة، مع خسائرهم من ترك المنطقة.

طوال عقود بنى الأهالي منازلهم، التي يتراوح ارتفاع معظمها في شارع الرزاز بين أربعة وستة طوابق. وتملك كل عائلة منهم منزلًا دون الحاجة لدفع إيجار. ويشتكي معظمهم من أن البديل المطروح عليهم هو ترك هذه المنازل المُجهزة بالكامل دون تعويض مادي والرحيل إلى حي «الأسمرات»، المبني حديثًا في المقطم لاستيعاب سكان المناطق غير المُخططة في القاهرة، للسكن في شقة واحدة بالإيجار.

من جانبه قال خالد مصطفى، المتحدث الرسمي باسم محافظة القاهرة، لـ «مدى مصر» إن كل منشأة ناصر كانت أراضٍ مملوكة للدولة، لم تقم ببيعها لهم، وبالتالي لا يحق لسكانها المطالبة بتعويضات عن منازلهم.

وأضاف: «الدولة تنقل السكان إلى حي الأسمرات متكامل الخدمات والمرافق، وتمنحهم وحدات سكنية دون المطالبة بحق استغلال الأراضي التي سكنوها لعشرات السنين».

شكوك في دوافع الدولة

بدوره، قدَّر عرفات المنازل التي تم إزالتها منذ عام 2009 حتى الآن، من المنطقة رقم 8 من المخطط التفصيلي لمنشأة ناصر، بنحو 500 منزل. بدأت الإزالات بعد صدور تقرير فني بالتعاون بين محافظة القاهرة وكلية الهندسة بجامعة عين شمس. وقد حدد التقرير عدة مناطق تُشكل خطورة على حياة ساكنيها بما يتطلب معالجتها.

وعلق عرفات، خلال مؤتمر الأمس، على التقرير العلمي، الذي قال إنه يملك نسخة منه، قائلًا: «حل مشكلة المناطق الخطرة لا يكون فقط بإزالة المنازل، فهناك 21 حلًا اقترحتها اللجان الفنّية التي درست المنطقة وقدمت تقريرها للحي في 2009، إلا أن الحكومة تريد فقط هدم المنازل».

ورد عرفات على زعم إدارة الحي والمحافظة أن الأهالي متعدين على أراضي الدولة قائلًا: «لو كان وضعنا غير معترف به، فلماذا أنشأت الدولة قسم شرطة ونيابة وإدارة مرور وسجل مدني وشهر عقاري وإدارة تعليمية ودائرة برلمانية لحي منشأة ناصر؟».

فيما تابع: «المنطقة المراد إزالتها حاليًا هي منطقة كاملة المرافق، بها شبكات صرف صحي وكهرباء ومياه شرب رسمية. كما انتهت المحافظة من رصف شارع الرزاز في سنة 2015.. كيف تكون هذه منطقة عشوائية السكن فيها يُشكّل خطورة بينما الدولة تُنفق مليارات لمد شبكات المرافق والبنية التحتية بها؟».  

في حين قال المتحدث الرسمي باسم محافظة القاهرة إن: «الخدمات الموجودة بالمنطقة لا تخص شارعي الرزاز والنور فحسب، بل تخص الحي بأكمله الذي يضم 11 شياخة. وليست كلها بها مشكلات تستدعي إزالتها». وأضاف موضحًا: «المشكلة في شياخة الدويقة المبنية على أرض غير مستقرة. هناك لجنة علمية متخصصة على أعلى مستوى، ضمت كل التخصصات المعنية، حددت المناطق التي تشكل خطورة على الساكنين بها. وأنا لا أسعى لإزالة منطقة منشأة ناصر بأكملها، بل المناطق الخطرة فقط لأننا نخشى على أرواح الأهالي هناك».

من جانبه علق عرفات قائلًا: «إذا كانت هذه منطقة خطرة لا يجوز البناء بها، فكيف شيّدت الدولة مساكن الحرفيين وسوزان مبارك في المنطقة الملاصقة لنا، بالإضافة لخزان مياه سعة 10 آلاف مترًا مكعبًا وسط البيوت، وكيف تبني الشركات الاستثمارية كل هذه المساكن بجوارنا؟»، في إشارة إلى الأعمال التي تنفذها إحدى شركات الاستثمار العقاري بالقرب من المنطقة المطلوب إزالتها. فضلًا عن ذلك، اعتبر عرفات أن «الخطورة الحقيقية ليست احتمالية انهيار الصخور، ولكن وجود شركات استثمارية اشترت الأراضي الملاصقة للمنطقة المطلوب إزالتها لبناء مشروعات إسكان استثماري عليها»، وهو ما أكده العديد من الأهالي خلال مؤتمر أمس.

كما أشار عرفات إلى شراء هذه الشركات الأراضي التي يتم إزالة المنازل بها لتوسيع الاستثمارات، وقال: «إذا كانت الإزالات تتم لخدمة مشروع قومي، فنحن لن نقف عائقًا في مواجهته، أما إذا كان المطلوب هو بيع الأرض للمستثمر، فنحن الأولى بهذه الأرض. نحن قمنا بتعميرها ونحن الأولى بشرائها».

وهو الأمر الذي نفاه المتحدث باسم محافظة القاهرة قائلًا: «هذه البيوت مبنيّة على أراض غير مُستقرة بسبب تسرب المياه إليها مما يجعلها قابلة للانهيار، وهذا تقدير اللجنة الفنية». وأضاف: «هذه المناطق لن تستخدم للسكن. ستتم صيانتها فقط، وإجراء «تدبيس للجبل» لمنع انهياره، وستُترك أرض فضاء دون مبان لأن صيانتها بغرض البناء عليها مرة أخرى ستكون مُكلفة بشكل أكبر من بناء مساكن جديدة في مناطق أخرى».

وأكد مصطفى لـ «مدى مصر» أن هناك مناطق أخرى يتم إخلاؤها من السكان، ثم صيانة تربتها وتثبيتها، قبل أن تُبنى منازل أخرى عليها للسكان الذين تم إجلاؤهم. وقد ضرب مصطفى مثالًا بمنطقتي «الشهبة وفرعون» اللتين أُخليتا، ومن المنتظر معالجة التربة بهما قبل إعادة الأهالي وبناء منازل لهم.

وقال مصطفى: «رحب الأهالي في البداية بالانتقال إلى حي الأسمرات الذي تفصله كيلومترات قليلة عن شارعي الرزاز والنور، إلا أنهم بعد الإعلان عن مشروع تطوير منطقتي الشهبة وفرعون أرادوا السكن بذلك المشروع حتى لا يغادروا المنطقة».

اعلان