Define your generation here. Generation What
«آخر واحد فينا»: الكنز ليس في الرحلة، ولا في الوصول
 
 

أظن أن أصدق لحظة في العملية الإبداعية، هي تلك التي تشعر فيها، كمتلقٍ، أن صانع العمل اختار واعيًا مشاركتك جزءًا من هشاشته وارتباكه الإنساني، ككائن تكوّن بفعل ملايين المؤثرات والتراكمات، ككائن تُعد خلفيته وتجربته وخبراته، في كل لحظة انطلاق جديدة، هي الدافع والمحرك، وهي أيضًا المسؤولة عن تشكيل الأفكار وتركيبها وترجمتها لصور وأصوات ومكونات بصرية.

لا تكمن التجربة الإنسانية في الحدث ذاته، لا تكمن في تفاصيله وتطوره، بل فيما يتبقى من الحدث من مشاعر وما يترسب من أحاسيس خلّفتها تفاصيل الحدث. العملية الفنية بالأساس، في وجهة نظري، هي محاولة لإعادة إنتاج تلك المشاعر والأفكار، التي تعتبر هي جوهر التجربة الإنسانية، على هيئة قطعة فنية، وليس إعادة إنتاج الحدث ومحاولة إيجاد صيغة لمنحه صفة «المنتَج الفني».

هذا فيلم يبدأ من تلك اللحظة التي تمثّل لبطل الفيلم قطيعة نهائية مع تاريخه، ومصيرًا مجهولًا في مساحة صفراء شاسعة جرداء

لم يبذل علاء الدين سليم، صانع فيلم «آخر واحد فينا»، والذي عُرض في مهرجان «أيام القاهرة السينمائية»، أي جهد لإخفاء هشاشته وارتباكه، ولمنعهما من «التسرب» لمسار تلك الرحلة المربكة التي خاضها شابًا –كما يظهر – محاولًا الوصول لنقطة، أو لمكان للعيش يبرر فظاعة تلك الرحلة، لمكانٍ آخر يظن من يخوض الرحلة من أجل الوصول إليه أن العيش فيه سيعوضه عن كل ما فات من ألم، بما في ذلك طريق الوصول اليه.

من فيلم «آخر واحد فينا»

تلك الزجاجات البلاستيكية التي وصلت لتلك النقطة بعد أن رمتها الأمواج على تلك الشاطئ، من يعرف من أين أتت؟ من يعرف من رماها؟ وأين؟ وكيف كانت رحلتها حتى تصل هنا؟

للوهلة الأولى تبدو الزجاجات أو العبوات البلاستيكية، في اللحظة التي يقرر فيها أبطال الفيلم تجميعها من على الشاطئ لاستخدامها لاحقًا، أفضل حالًا من البطل نفسه، أفضل حالًا من أي إنسان في وضعه، فهي أقدر على التعامل مع الطبيعة، تحتاج لمئات السنين كي تؤثر فيها الطبيعة وتنهي وجودها، لأنها، بخلاف أي كائن بشري، لا تتحلل بل تتكسر، ولكن سرعان ما نكتشف أن غريزة البقاء لدى «آخر واحد فينا» كانت أكثر عندًا من ألا تساعده على مواجهة «الطبيعة».

صحيح أن هشاشة البطل تسربت للشاشة ولم يمنعها، لكنه كان حريصًا على أن يكون في نفس اللحظة حادًا ومحددًا في التعبير عما خلفته تجربته الإنسانية من مشاعر. واظب علاء الدين سليم على تقديم تلك الترجمة البصرية لأفكاره لنا، على شكل متوالية من الصدمات الكهربائية، لروحك لا جسدك، فتكون بداخلك وغير مرئية، فجسدك لا تظهر عليه أية ردة فعل لها.

من فيلم «آخر واحد فينا»

من البداية سيختار سليم، الذي يقوم بدور بطل فيلمه، جوهر السوداني، صاحب تجربة التمثيل الأولى، والذي سيتمكن من التعامل مع معلومة أن الفيلم يبدأ من تلك اللحظة التي قطع فيها البطل أي تردد في الهروب، انتهى من المحاولات المستمرة لإيجاد صيغة للعيش في بلده، من التحايل على كل شيء، من تجاهل سياقه الموحش، من عقد الصفقات مع محيطه حتى يعيش في حد أدنى من الأمان.

سيملأ البطل الزجاجات بما سيحتاجه من جاز، سيملأ الزجاجات بالجاز خلسة دون أن يراه أحد. لا وقت لديه ليضيعه في الدفاع عن نفسه من تهمة السرقة

هذا فيلم يبدأ من تلك اللحظة التي تمثّل لبطل الفيلم قطيعة نهائية مع تاريخه، ومصيرًا مجهولًا في مساحة صفراء شاسعة جرداء تمامًا يظهر فيها مع شخص آخر وعده بالخلاص، ذلك الآخر الذي سيخونه لاحقًا، ليصبح كلاهما كشبحين قطعا علاقتهما مؤقتًا بكل ما يتعلق بالحضارة، ويأتي مع كل ذلك شريط صوتي لم يُسمح له بأن يكون أقل من لاعب أساسي، لا مجرد عنصر لاكتمال فعل الفرجة.

من فيلم «آخر واحد فينا»

سيملأ البطل الزجاجات بما سيحتاجه من جاز، سيملأ الزجاجات بالجاز خلسة دون أن يراه أحد. لا وقت لديه ليضيعه في الدفاع عن نفسه من تهمة السرقة. لا يريد البقاء هنا كثيرًا. سيسرق من هؤلاء الصيادين موتورًا وقاربًا صغيرًا، قد يكونان مصدر الرزق الرئيسي للصيادين، ولكنهم ليسوا أكثر منه بؤسًا، فهم بالتأكيد لا يقفون في تلك النقطة من الانهيار والضياع التام. سيكسر ذلك القفل، سيحمل الموتور ويثبته بذلك القارب وسينطلق، من المؤكد أن حظه وفير في احتمالات انتهاء حياته نهاية مأساوية مفجعة، مقارنة بهؤلاء، هو لن يراهم أصلًا، هو لا يراهم.

إما أن صناع «آخر واحد فينا»، كانوا حريصين للغاية لئلا يقعوا في حفرة السذاجة، أو أنهم مجموعة من الأفراد الذين لم يسمحوا لأنفسهم بأن يكون منتجهم النهائي هو مجموعة من الأفكار الفنية الأولى، ولنطلق عليها «أفكار الدرج الأول.. First drawer ideas»، تلك الأفكار الأولى التي تخطر للفنان، ومن ثم ينطلق منها ويطورها ليصل لترجمة ما، يتكون منها منتجه النهائي.

ستلجأ للطبيعة المجردة (الصحراء) كمسار للنجاة، لكنك ستعود مرة أخرى لتطلب من سيارة بموتور صوته عال، حاد، مزعج ومتكرر، أن تنقذك من الطبيعة وتوصلك إلى المدينة التي لا تعرف فيها أحدًا على الإطلاق، لكنك ستلجأ للطبيعة (البحر) مرة أخرى

لم يختر صناع الفيلم الطريق الأسهل في بناء علاقة بين الشخصيات وبعضها، بينها وبين محيطها والطبيعة والحضارة، لم يختاروا السرد الخطي الذي يتطور بشكل تصاعدي من خلال أحداث متتالية، بل اختاروا سردًا يفكك أي فهم قاصر يرى أن الأمور تسير في خط مستقيم، بل عبر خطوط هندسية غير منتظمة:

ستلجأ للطبيعة المجردة (الصحراء) كمسار للنجاة، لكنك ستعود مرة أخرى لتطلب من سيارة بموتور بصوت عال وحاد ومزعج ومتكرر، أن تنقذك من الطبيعة وتوصلك إلى المدينة التي لا تعرف فيها أحدًا على الإطلاق، لكنك ستلجأ للطبيعة (البحر) مرة أخرى، مستخدمًا الحضارة (قارب بموتور صوته أقل حدة)، ولن ينتهي بك الأمر هنا، بل ستسلمك الحضارة مرة أخرى للطبيعة، الغابة التي تشبه طريقة السرد، طرقها متداخلة غير مستقيمة لن تعرف لها بداية من نهاية، ثم تسقط في حفرة من التيه بصحبة كائن آخر، ربما كان يومًا ابنًا للحضارة، وانتهى به الأمر كابن بار للطبيعة وندًا صلبًا لكل كائناتها الحية.

لم أقرأ ملاحظات المخرج الجانبية في وصفه للشخصية، إنما كان هذا ما رأيته حقًا في الفيلم، وفيما أداه فتحي عكاري كممثل يدرك جيدًا أن أي تفصيلة دقيقة غير محسوبة في دراسة الشخصية تؤدي لفهم خاطئ تمامًا للشخصية المؤداة.

***

«في البدء كنت استثارة عصبية، ثم موسيقى فصورة، ومنها تحولت إلى كلمة».. من كلمات كُتبت في الفيلم.

«آخر واحد فينا» عمل فني يصمم على تفكيك كل ما هو أسطورة تدعي عدم قدرة الإنسان على العيش بدون لغة للتواصل، وأقصد باللغة هنا ما وصل إليه الإنسان من تطوير للأصوات، اللغة كما هو متعارف عليها الآن؛ خمس وتسعون دقيقة من اللا لغة، من عدم الحاجة لأن تكون هناك لغة، كما هو متعارف عليها، للتواصل، لا أقصد بين شخصيات الفيلم، لكن بين المتلقي والسينما كوسيط، في تأكيد حاسم وواثق بأن السينما هي لغة بصرية، وأن شريط الصوت فيها هو وسيط آخر للترجمة، ليس مكملًا للصورة وإنما شريك في السرد.

لم يتردد صناع الفيلم قبل استخدام كل الطرق والوسائط للتعبير، لإعادة إنتاج ما خلفته التجربة الإنسانية، من صوت وصورة وحروف وخطوط.

من فيلم «آخر واحد فينا»

ذكّرني تجريد اللغة في الفيلم بمرة كنت فيها موجودًا في أحد مكاتب «الهجرة والاندماج» بإحدى الدول الأوروبية لإنهاء بعض الإجراءات، وقتها حضر أب عربي وأسرته بالكامل. لا أعرف بالضبط كيف وصلوا الى هنا، لكن ما أعرفه جيدًا أنهم ظلوا منتظرين لأكثر من خمس ساعات، حتى ميعاد بدء العمل في المكتب في تمام الثامنة صباحًا، وما أعرفه جيدًا أن أيًا منهم لم يملك أية مهارات لغوية سوى لغته الأم.

«آخر واحد فينا» فيلمً يجعلك تتأمل سؤال المصير، الذي يتحول لبقعة ضوء مستديرة وشفافة تسير خلفك كقمر

يومها لجأوا لإحدى المترجمات المتطوعات في المكتب كي يشرحوا لها وضعهم بدقة، ولم تشفع لهم تلك الدقة، لأن نقل المعلومة باللغة الاخرى، التي تعد السبيل الوحيد لحصولهم على ورقة تثبت أنهم ينتظرون دراسة وضعهم كلاجئين محتملين، لن يكفي لوصف وضع هذا الشخص وعائلته، ولن يكون بنفس درجة تحديد ووضوح لغته الأم؛ ماذا لو جُرّدت الكلمات من مدلولاتها وعادت لطبيعتها الأولى كمجرد أصوات وهمهمات؟ هل سينتهي الأمر بتلك الأسرة في غابة لا مصير فيها سوى الاندماج مع الطبيعة المحيطة بها، أم أن هذا خيال رجعي مضاد للحضارة؟ لا أعرف.

«آخر واحد فينا» فيلمً يجعلك تتأمل سؤال المصير، الذي يتحول لبقعة ضوء مستديرة وشفافة تسير خلفك كقمر، أو كهالة نورانية خلف قديس، لكنه لن يكون إلا مجرد سؤال يضيء لك طريقًا فتسلكه، ولا يعني هذا أبدًا أنك وصلت، كما لا يعني أن هذا الطريق هو الإجابة.

سيكون هذا السؤال مصدرًا للأمان، لكنه ليس بالضرورة طريق النجاة.

اعلان
 
 
حكيم عبدالنعيم