Define your generation here. Generation What

ترامب الذي تجاهله الجميع وسخروا منه وحاربوه ثم انتصر

«ترامب صاحب شخصية فريدة قادرة علي فعل المستحيل. »

هكذا وصف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب علي هامش زيارته الأخيرة للسعودية، التي أثنى فيها ترامب على جهود السيسي في استعادة الأمن.

منذ إعلان ترشحه، اعتبر العديدون فوز ترامب بالانتخابات الرئاسية دربًا من دروب المستحيل. لم يتوقع الكثيرين أن يكمل صاحب الشخصية المثيرة للجدل السباق لنهايته، ناهيك عن الفوز به. فبحسب الصحفي دافيد جونستون، في كتابه «صناعة دونالد ترامب.. The Making of Donald Trump»، لم تكن تلك المرة الأولى التي يعلن فيها ترشحه قبل أن يتراجع في اللحظات الأخيرة، بعد أن يكون قد تربح ماليًا من الترشح، ففي عام 1988 عبر عن رغبته في الترشح كنائب لجورج بوش الأب ولكن الحظ لم يحالفه، وفي عام 2000 نافس ليحظى بترشح حزب الاصلاحيين ثم انسحب، ليترشح مرة أخري عام 2012 قبل أن ينسحب لمرة أخيرة بعد تجديد تعاقده مع قناة NBC لتقديم برنامج The Apprentice الذي كاد يُلغى بسبب ضعف المتابعة. كل هذا جعل من خبر ترشحه الأخير في البداية مجرد مزحة لا تستحق أن تؤخذ علي محمل الجدية.

ولكن بعد فوزه، وبعد أن صار المستحيل أمرًا واقعًا، أصبح من الضروري تحليل أفكاره وأخذها علي محمل الجدية، بما سيكون لها من أثر علي تشكيل العالم خلال السنوات القادمة. هذا المقال محاولة لجمع وتحليل مواقفه وتصريحاته المختلفة اعتمادًا على مصادر متنوعة أهمها كتابه الأخير، «كبار مجددًا: كيف نصلح أمريكتنا المتعثرة..Great Again: how to fix our crippled America» الذي أصدره بنهاية عام 2015 ليلخّص فيه رؤيته وحلوله المقترحة لأهم مشاكل الولايات المتحدة المعاصرة.

ليس من الصفر يبدأ الملياردير

أحد أهم أسباب فوز ترامب بالانتخابات كان نجاحه في الترويج لنفسه كرمز للنجاح وكأيقونة للحلم الأمريكي. يشير ترامب لنفسه كإنسان عصامي استطاع بناء ثروته التي يقدرها بعشرة بلايين دولار من الصفر، وهذا رغم أن والده كان من أغنى رجال الأعمال في أمريكا، وترك عند وفاته في عام 1999 ثروة تقدر بـ300 مليون دولار. ورغم أن ترامب لا ينكر فضل أبيه عليه، كونه علّمه الكثير عن عالم المال والأعمال، إلا أنه ينكر أن حجر أساس ثروته هو إرثه من والده، كما ينكر أي مساعدة مادية تلقاها من والده باستثناء مليون دولار اقترضها منه في نهاية السبعينيات، ونجح في سدادها لاحقًا بفائدة قدرها 5%.

في بداية الكتاب، يشرح ترامب أن المشكلة الكبرى لأمريكا تكمن في طبقة من السياسيين غير القادرين على اتخاذ أي قرار مهما بلغت أهميته، حتى وإن كان إقرار الميزانية الفيدرالية اللازمة لعمل الحكومة، ولذلك يبرر ترشحه بحاجة أمريكا إلى قائد مثله لديه خبرة في الإدارة بدلًا من السياسيين الذين لم يسبق لهم فعل شيء سوى التحدث بصورة مبهمة ومنمقة، لإيهام دافعي الضرائب بأن كل شيء يسير على ما يرام، ولذلك، ففي تصوره، سينجح في إدارة الحكومة مثلما نجح في إدارة الآلاف من موظفيه.

«أمريكا بحاجة لرئيس يكون كتب كتاب ‘فن الصفقة’»

يعزو ترامب عدم قدرة السياسيين على التغيير إلى تحكم أصحاب المصالح فيهم، عن طريق تمويل حملاتهم الانتخابية، وهكذا يفخر بأنه أغنى مرشح في تاريخ الانتخابات الرئاسية، ما يجعله في غنى عن جماعات الضغط والمصالح التي لا يمكنها التأثير ماديًا على حملته الانتخابية، في حالة إذا ما قال شيئًا يغضب أحد الممولين، وهي حرية لا يملكها غيره من «محترفي السياسة» في واشنطن، كما يسميهم.

يرى ترامب أيضًا أن السبب الأهم لترشحه هو احتياج أمريكا لقائد ذكي يعرف كيف يعقد الصفقات الناجحة، فكما ذكر في خطاب ترشحه «أمريكا بحاجة لرئيس يكون كتب كتاب ‘فن الصفقة.. The Art of the Deal»، وهو الكتاب الذي كتبه عام 1987 ليبيع أكثر من مليون نسخة ويتربع على قائمة الكتب الأكثر مبيعًا طوال 51 أسبوعًا، وتحول بعده من مجرد رجل أعمال إلى كاتب صاحب فكر وشعبية يشهد عليهما عدد النسخ المباعة.

فن الصفقة

ولكن على عكس ما ذكره في كتابه، ورغم نجاحه في الترويج لنفسه كأيقونة للحلم الأمريكي الذي يرمز لاستطاعة المرء تكوين ثروته من الصفر حين تتوفر له الفرص، إلا أن تاريخه يؤكد أنه لم يبدأ من الصفر على الإطلاق. فمنذ عام 1949 كان دخله 12 ألف دولار سنويًا، من صندوق ائتماني أنشأه له والده، بالإضافة الى ألفين من صندوق آخر أنشأته له والدته وستة ألاف هدية من والديه في أول كل عام جديد. أي أن دخل الطفل ذي الثلاثة أعوام، كان يفوق الـ200 ألف دولار سنويًا، إذا ما حسبنا قيمة التضخم عبر العقود، وهو مبلغ لا يتيح لصاحبه الزعم بأنه بدأ من الصفر بكل الأحوال.

بالإضافة لهذا، أنشأ له والده صندوقًا ائتمانيًا آخر عام 1976 بقيمة مليون دولار، وهو ما يوازي أربعة ملايين دولار بمعدلات اليوم. هذا بالإضافة الى العديد من القروض التي قدمها ترامب الأب لابنه في بداية حياته، واستمر في تقديمها له لاحقًا. فحين حاول دونالد الحصول على رخصة لإدارة كازينو عام 1985، أثبتت كشوفه المالية حصوله على قرض بمبلغ 14 مليون دولار من شركة والده، على عكس ما ذكره في كتابه.

من الصعب تخيل أن ابن أحد أغنى أغنياء نيويورك لم يستعن بثروة ونفوذ والده في بداية حياته. ولكن رغم هذا، فنجاحه في تصوير نفسه كرجل عصامي فاحش الثراء، جعل منه مثلًا أعلى للعديد من محدودي الدخل والمهمشين الذين لم يعرفوا أن المال وحده هو ما يجذب المزيد من المال وأن معظم الثروات تُورَّث ولا تُصنع.

أما سمعته كرجل أعمال فلم ترق لسمعته كشخصية مثيرة للجدل، فلم يكن يحظى بثقة المستثمرين ولا الشركاء بسبب سوابقه القضائية، بالإضافة إلى عدم التزامه بالعقود. وجدير بالذكر هنا أنه حين أُعلن عن تملكه لشركة WWE لمصارعة المحترفين، كدعابة عام 2009، انخفض سعر السهم بنسبة 6%، لخوف المستثمرين من «تبجحه ومبالغاته». ومثال أخر كان حين استخدم شركة Extra Mile من الباطن لجلب ممثلين لحضور مؤتمر إعلانه الترشح، مقابل 50 دولارًا للفرد، ولم تدفع حملته إيجار الممثلين الذين شاركوا مع الحضور بمقاطعته بالتصفيق 43 مرة أثناء الخطاب، إلا بعد أن رفعت الشركة شكوى أمام لجنة الانتخابات الفيدرالية.

صرح توني شوارتز أنه وحده من كتب «فن الصفقة» على مدار عام ونصف لازَمَ فيهما ترامب كظله، وأعلن عن ندمه قائلًأ: «لقد وضعت أحمر شفاه على خنزير»

أما بالنسبة لكتاب «فن الصفقة» الذي ذكره في خطاب ترشحه، فتوني شوارتز الذي كتب معه الكتاب كـ«كاتب شبح.. Ghost writer»، صرّح في مقابلة مع النيويوركر، أنه وحده من كتب الكتاب بأكمله على مدار عام ونصف لازَمَ فيهما ترامب كظله، واكتفى الأخير بوضع بعض العلامات فقط حين تسلم النص. أعلن شوارتز عن ندمه على تلميع صورة ترامب، الذي وصفه بـ«السيكوباتي» و«النرجسي»، مقابل حفنة من الأموال، ولم يكن هناك أبلغ للتعبير عن ندمه من تصريحه عام 2016: «لقد وضعت أحمر شفاه على خنزير».

لكمة في الوجه

تعبيرًا عن احتياج الولايات المتحدة لتنمية قوتها العسكرية، يستشهد ترامب في بداية فصل «السياسة الخارجية»، بمقولة بطل العالم السابق في الملاكمة، مايك تايسون: «الكل لديه خطة حتى يتلقى لكمة في وجهه».

يؤمن الرئيس الأمريكي الخامس والأربعون بضرورة وجود جيش قوي ومجهز بأحدث الأسلحة لدرجة تجعل منه قوة ردع، من دون الحاجة لاستخدامه، ما سيجعل الجميع يحترم أمريكا ويفكر ألف مرة قبل الدخول في أي مواجهة معها، على عكس إدارة أوباما المتساهلة التي رسمت العديد من الخطوط في الرمال دون أن تعاقب أحدًا على تعديها.

يرى ترامب أن تمويل تحديث الجيش يجب أن تقوم به الدول المتمتعة بالحماية الأمريكية دون مقابل، مثل السعودية وألمانيا وكوريا الجنوبية واليابان وبريطانيا. ويشكو من كون الدولة السعودية تكسب ما بين النصف إلى المليار دولار في اليوم طبقًا لسعر البترول، بينما لم تكن لتستطيع البقاء من الأساس دون الحماية الأمريكية، لذلك يجب على أمريكا، التي تقوم بدور شرطي العالم، أن تبدأ في تلقي مقابل لما تقدمه من أمن وحماية. هذا بالإضافة الى إيمانه بأن الانفاق العسكري ستكون له فوائد اقتصادية، عن طريق تشغيل مصانع السلاح. وبالفعل، فخلال الزيارة الراهنة للمملكة العربية السعودية، استطاع ترامب توقيع صفقة سلاح بقيمة 110 مليار دولار، وهو ما يثبت أن أفكاره التي ذكرها في كتابه لم تكن مجرد دعاية انتخابية.

من الدول التي يجب على الولايات المتحدة التعامل معها بصورة أكثر صرامة، وخصها ترامب بالذكر، كانت إيران والصين، حيث انتقد بشدة توقيع إدارة أوباما الاتفاقية النووية مع إيران، والتي ساهمت في إنعاش الاقتصاد الإيراني في الوقت الذي يسعى فيه شيوخها للقضاء على إسرائيل، الحليف الأهم لأمريكا في المنطقة. كما انتقد اعتماد الصين على خفض قيمة عملتها لزيادة الصادرات وتقليل الواردات، إلى جانب تشغيلها للعمالة الرخيصة، ما يجعل سوقها عصيًا على المنتج الأمريكي، رغم اعترافه بصناعة بعض المنتجات التي تحمل علامته التجارية في الصين، مبررًا ذلك بأنه طالما أن الظروف هناك أفضل للمستثمرين، فسيستمر رجال الأعمال في صناعة منتجاتهم بالخارج.

لا يفوت ترامب بالطبع إنهاء الفصل عن السياسة الخارجية دون الحديث عن الإرهاب الإسلامي الممثل في داعش، التي يعتزم محاربتها بصورة أكثر حسمًا، ويقترح تفجير حقول نفطها لحرمانها من أحد أهم مصادر دخلها. أما بالنسبة لحقول نفط العراق التي تحتوي على أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم، فيرى ترامب أن أمريكا كان يتوجب عليها الحصول على نفط تلك الحقول قبل أن تغادر، حتى لا تتركها في يد الإرهاب، وحتى تعوض التكلفة المهولة التي تكبدتها خلال مجهودها الحربي.

ما لم يذكره ترامب في كتابه هو الأسباب غير المعلنة لتحمل الولايات المتحدة النسبة الأكبر من تكاليف عمل المؤسسات الدولية العملاقة مثل «صندوق النقد الدولي» و«الأمم المتحدة». فتحمل تلك التكاليف يعطيها نفوذًا أكبر داخلها، ويجعل تلك المؤسسات تتبنى أجندتها بصورة أو بأخرى. كما أن نشر أمريكا لقواعدها العسكرية حول العالم لا يخلو من رغبة لتوسعة رقعة النفوذ التي تمتد مع قدرتها على توجيه ضربة عسكرية لأي مكان حول العالم.

أما بالنسبة للمعونات العسكرية، مثل تلك التي تقدمها أمريكا لمصر، فهي دعم غير مباشر لشركات السلاح الأمريكية التي يسيطر رجالها على العديد من أروقة الكونجرس. هذا بخلاف توظيف المعونات لشراء ولاء النخب العسكرية والمدنية والاقتصادية، ولذلك فخفض مساهمات أمريكا في المؤسسات الدولية سيؤدي الى تقليص نفوذها. فالاعتماد على القوة العسكرية وحدها لفرض الهيمنة العالمية، ومع إغفال دور الدولار، سيعطي مساحة أكبر لقوى عسكرية أخرى لا يُستهان بها، مثل روسيا والصين، لفرض أجنداتها الجيوسياسية، وهو ما سيبشر بأفول النجم الأمريكي المسيطر منذ عقود.

بعد سنوات من تجاهل إدارة أوباما له، قابل ترامب الرئيس السيسي واستقبله في البيت الابيض، ما يعكس التزامه بمصلحة اسرائيل التي تعد مصر جارها الأهم، مع عدم اكتراثه بسجل حقوق الإنسان ومؤشرات الديموقراطية لحلفائه الدوليين. وفيما يمكن اعتباره انصياعًا للأوامر ومحاولة لرد الجميل، فقد أُفرج بعد الزيارة عن آية حجازي صاحبة الجنسية الأمريكية، ومؤسسة جمعية «بلادي» لرعاية أطفال الشوارع، بعد سجنها لأربع سنوات دون محاكمة.

أتت الزيارة قبل يومين من ضرب ترامب لقاعدة عسكرية سورية استُخدمت في قصف المعارضة بغاز سارين السام، ما أوضح قدرته على شن هجمات عسكرية دون الرجوع الى مجلس الأمن أو الكونجرس، وما عزّز بدوره من صورته كرجل صارم وحاسم، وهي صورة يسعى لتعزيزها منذ عقود. وأدى الهجوم أيضًا إلى صعود أسهم شركة «رايثيون» المصنعة لصواريخ «توماهوك» المُستخدمة في القصف، ما سيجلب رضا لوبي شركات السلاح، بالإضافة إلى تحويل تركيز الإعلام إلى الحرب الخارجية، لصرف الانتباه عن الوضع الداخلي.

جدار عازل ضد الأجداد

من أهم القضايا التي ركّزت عليها تغطية حملته الانتخابية كان موقفه من الهجرة. يعبّر ترامب في كتابه عن نيته لمكافحة الهجرة غير الشرعية إلى الولايات المتحدة، عن طريق بناء حائط بطول ألف ميل على الحدود الجنوبية مع المكسيك، تبنيه الولايات المتحدة وتتحمل تكلفته المكسيك. كما يؤكد في نفس الوقت أنه ليس ضد الهجرة بوجه عام، فهو يرحب بالمهاجرين خلال الطرق الشرعية، ولكنه عازم على محاربة التسلل عبر الحدود الجنوبية، والذي يجلب العديد من المشاكل والجرائم، مستشهدًا بنجاح الجدار الإسرائيلي العازل في الحد من الهجمات الإرهابية، رغم تكلفه مليوني دولارًا لكل كيلومتر.

يريد ترامب أيضًا الحدَّ من سياحة الولادة، والتوقف عن منح الجنسية للمولودين على أرض أمريكية لآباء أجانب، وهو ما يفعله العديد من أبناء الطبقة العليا في مصر، ممن يتيسر لهم السفر لتأمين مستقبل أولادهم. يذكر ترامب بصورة خاطفة في كتابه أن أمه إسكوتلاندية وجده لوالده ألماني، ولكنه لا يتحدث بإسهاب عن تاريخ العائلة؛ لا يذكر مثلًا أن جده فريدريك هاجر من ألمانيا الى الولايات المتحدة عام 1885 حين أتم عامه السادس عشر هربًا من التجنيد الإجباري.

لم يملك الجد أي ثروة عند وصوله لأمريكا، فعمل حلاقًا لست سنوات قبل أن يفتتح مطعمه متعدد الأنشطة في منطقة «الضوء الأحمر» في سياتل، حيث يستطيع الزبائن شراء الطعام والشراب، بالاضافة الى تأجير غرف مجهزة بالأعلى للسيدات. كان جد ترامب يعمل بالدعارة، وهي الحجر المؤسس لثروة العائلة التي تضاعفت عبر عقود.

     يمكن تفهم رغبة ترامب في الحد من المزيد من الهجرة غير الشرعية، ولكن المشكلة أن ذلك الخطاب سينشر أجواء كراهية ضد كل المهاجرين داخل الولايات المتحدة دون استثناء، فترامب يريد أمريكا للأمريكيين، وهو خبر جيد للرجل الأبيض بالطبع. ولكن ترامب حفيد لزوج من المهاجرين، ومن الواضح أنه تطرق لتلك القضية لكسب دعم الطبقات الأمريكية الأفقر ذات المهارات المحدودة والتي ترى في المهاجرين ومنافستهم على الوظائف السبب الأكبر وراء بطالتهم، لكن إذا عرفنا أن جده كذب في استمارة تقديمه على الجنسية، بشأن تاريخ وصوله الى الولايات المتحدة، مثلما ذكر جونستون في كتابه، فهذا يجعل من ترامب حفيدًا لمهاجر غير شرعي أيضًا.

السياسة الداخلية.. البقاء للأغنى

بالنسبة للصحة، فقد أعلن ترامب عن عزمه على إلغاء نظام «أوباما كير للرعاية الصحية»، والاكتفاء بدلًا منه بتشغيل شركات التأمين في جميع الولايات، وليس داخل ولايات بعينها فقط، حتى تعمل المنافسة على توفير أفضل رعاية ممكنة للمواطن الأمريكي بأرخص الاسعار. يؤمن ترامب بقدرة «اليد الخفية» للسوق الحر على إصلاح النظام الصحي الأمريكي المتهالك. وجدير بالذكر هنا أن مشروع قانون تعديل الرعاية الصحية، الذي حاول إقراره بعد انتخابه، فشل في الحصول على موافقة الكونجرس الواقع تحت سيطرة الحزب الجمهوري.

ترامب ليس عدو المؤسسة كما روج خلال حملته الرئاسية، بل ابن المؤسسة البار والعازم على الحفاظ على مصالحها وزيادة مكاسبها

على صعيد التعليم، يرى ترامب في كتابه أن آليات السوق المفتوح قادرة على إصلاح التعليم أيضًا. فحين يُمنح الأباء الفرصة لاختيار المدارس الأصلح لأبنائهم، ستؤدي المنافسة بين المدارس إلى ازدهار الأكفأ بينها، وغلق الأضعف، وهو ما يصب في مصلحة الطلاب. كما ينتقد اتحاد المدرسين، الذي تعتمد الترقيات فيه على الأقدمية وليس الكفاءة، ويؤكد أن التعليم يجب أن تكون له مواصفات محلية دون الحاجة لوجود معايير فيدرالية حاكمة لما يحصّله الطلاب سنويًا. ويتطرق للقروض الطلابية مؤكدًا على أنه لا ينبغي إعفاء الطلبة منها كليًا، حفاظًا على أموال دافعي الضرائب، ومع ذلك فمن الضروري ألا تتربح الحكومة الفيدرالية منها، حيث فاقت أرباح القروض عام 2013 الأربعين مليار دولار.

***

بعد تحليل الكتاب ومقارنة وعود ترامب الانتخابية بأفعاله منذ انتخابه، يتضح أنه رغم محاولته تجميل ماضيه، وعدم ذكره للأحداث المخجلة التي تنافي الصورة التي يروّجها عن نفسه، فهو عازم على تنفيذ ما ذكره في الكتاب، فيما يخص سياساته الداخلية والخارجية.

لم يعد ترامب مزحة، ولم يعد يمكن تجاهل أفكاره، التي صار بمقدورها تغيير شكل العالم كما نعرفه، فليس هناك أخطر من الشيطان الذي نعرفه سوى الشيطان الذي نجهله

ربما لم يلق هذا الكتاب اهتمامًا كبيرًا لدى صدوره، نظرًا لعدم توقع العديد فوز كاتبه بالانتخابات، لكن تتوجب الآن قراءته بعين متأنية لفهم عقلية كاتبه وتوقع سياساته. يعبر الكتاب عن عقلية رجل أعمال من الدرجة الأولى، اعتاد على إنفاذ رؤيته دون الالتفات لمعارضيه، وليس رجل دولة يعرف كيفية صنع الإجماع والوصول للحلول الوسطى اللازمة لتمرير سياساته.

يؤمن ترامب بأن القوة وحدها هي القادرة على جلب الاحترام لأمريكا وإعادة مجدها، ومن هنا نفهم أن عهده سيشهد طفرة في الإنفاق العسكري، بالإضافة لاحتمالية خوض حرب أخرى، سواء بالغزو أو بالوكالة، وهو ما سيجلب له رضا شركات السلاح والمقاولين العسكريين من النافذين داخل أروقة البيت الأبيض، بالإضافة إلى أن اعتماده على القطاع الخاص في قطاعي الصحة والتعليم.

نخلص من هذا إلى ترامب ليس عدو المؤسسة كما روج خلال حملته الرئاسية، بل ابن المؤسسة البار والعازم على الحفاظ على مصالحها وزيادة مكاسبها. لم يكن ترامب يومًا المرشح الأقل فرصًا، ولا كان يومًا بعيدًا عن أروقة صنع القرار ومراكز السلطة، فالمال يجلب النفوذ، والنظام الانتخابي الأمريكي يفضّل أصحاب الأموال على أصحاب العقول، وينحاز لمن يحظى بالتغطية الإعلامية، حتى وإن لم يكن الأكفأ ولا الأكثر شعبية، وهي بالطبع أمور لم يكن لينافس أحد فيها ترامب، الذي استطاع استغلال الإعلام لتلميع صورته الشخصية، مثلما استغله الإعلام لجذب المشاهدين بتصريحاته المثيرة للجدل.

لم يعد ترامب مزحة، ولم يعد يمكن تجاهل أفكاره، التي صار بمقدورها تغيير شكل العالم كما نعرفه، فليس هناك أخطر من الشيطان الذي نعرفه سوى الشيطان الذي نجهله.

اعلان
 
 
طاهر المعتز بالله