Define your generation here. Generation What
«نسيم الرقص» عاد من تاني: هبوط جامح على محطة الرمل
 
 

العديد من الآراء والتساؤلات أثارها على الفيسبوك العرض الافتتاحي لمهرجان «نسيم الرقص»، الذي أخذ عنوان «هبوط جامح.. Wild Descent» للمصمم الفرنسي أوليفيه دوبوا، والمأخوذ عن عرض الباليه الشهير «ما بعد ظهيرة فاون.. The Afternoon of a Faun»؛ تنوعت ردود الفعل حول أهلية هذا العمل للعرض في المساحات العامة، وحول دور الفنان في المجتمع، وعما إذا كان يمكن اعتبار العرض عرضًا كلاسيكيًا أو لا يتسم بالمعاصرة، ولماذا إذن قدم في أماكن عامة؟ هل هو تعالٍ على الجمهور ومحاولة لفرض قيم كلاسيكية عليه؟ وما ضرورة تلك العروض؟ هل هي فقط ممارسات لجذب التمويل؟ وما الداعي لتقديم تلك الأنواع من الرقص في الأماكن العامة وفي السياق المصري الآن؟ وهل يعي الراقصون والراقصات أهمية العمل في الأماكن العامة؟

ما بعد ظهيرة فاون

يشير اسم باليه «ما بعد ظهيرة فاون»، المأخوذ منه عرض «هبوط جامح» إلى فاون، الكائن الأسطوري نصف الإنسان نصف العنزة، والذي يمكن وصفه بـ«إله الغابات» في الأساطير الرومانية، ما يعادل «ساتير» في الأساطير اليونانية.

عُرض هذا الباليه لأول مرة على مسرح دو شاتليه العريق في باريس في 1912، بتصميم فاسلاف نيجينسكي في أولى تجاربه كمصمم رقصات، مع موسيقى كلاود ديبوسي، وقد تأثر كلاهما بقصيدة بذات الاسم كتبها الشاعر ستيفان مالارميه في 1867. فيما يعد تجمعًا لرواد الحداثة في تلك الفترة.

أثار العرض في 1912 العديد من ردود الفعل النقدية، بين مؤيد ومعارض، ولكنه بشكل عام اعتُبر خروجًا على تقاليد الباليه المتعارف عليها وقتها، حيث كان الراقصون والراقصات حفاة على سبيل المثال، وهو ما لم يغفره النقاد من سدنة التقاليد الكلاسيكية العتيقة، إلى حد وصف الناقد جاستون كالميه في افتتاحية صحيفة «لو فيجارو» الفرنسية واسعة الانتشار العمل بـ«العمل الرعوي الذي لا جمال فيه ولا معنى عميق»، قبل أن يكمل: «إن من يذكر كلمات كالـ’فن’ و’الخيال’ مع ذكره لهذا العمل، فهو يهزأ بنا»، كما وصف الرقص بـ«تلك القذارة الوحشية الجنسية الفاسقة».

«إن من يذكر كلمات كالـ’فن’ و’الخيال’ مع ذكره لهذا العمل، فهو يهزأ بنا»

وكاد العرض الفني أن يثير أزمة سياسية، حتى أن الساسة الفرنسيين وقعوا عريضة ضده، بل وحضرت قوات البوليس العرض فيما بعد، إلا أنها لم تتخذ أي إجراء بشأنه. كما امتدحه بعض النقاد، وبعد سنوات اعتبره النقاد بداية للحداثة في فن الباليه.

فاون في الإسكندرية؟ هنا والآن؟

«ماذا يحدث لو أن نداء فاون [الكائن الأسطوري، إله الغابات الميت] قد يولد قطيعًا جامحًا؟ عندها سيكون لدينا ستون فاونًا، أو بقايا لستين قصة منسية. لكي تخلق صدى جامحًا لما بعد ظهيرة فاون، فعليك تضخيم دعوته، رغباته وقوته، في المدينة والعالم». هكذا يُقدَّم العرض الفني، في الإعلان عنه على الفيسبوك.

كممارس للفنون الأدائية، فقد بدأت أتساءل لدى قراءتي لهذا الإعلان ماذا سيقدم دوبوا؟ كيف سيتفاعل مع منتج فاسلاف نيجينسكي كراقص ومصمم رقصات، ومع موسيقى ديبوسي الجامدة؟

كانت تلك أسئلتي قبل مشاهدة العرض الراقص؛ خاصة وأنها ليست المرة الأولى التي يقدم فيها أوليفيه دوبوا قراءة لـ«ما بعد ظهيرة فاون» فقد سبق وأن قدم قراءة أخرى في مهرجان أفينيون عام 2008.

ما الذي يحدث لو أن نداء فاون ولّد قطيعًا جامحًا؟ عندها سيكون لدينا ستون فاونًا، أو بقايا لستين قصة منسية

يقوم عرض دوبوا «هبوط جامح.. Wild Descent»، على تقديم ثلاثين مشهدًا راقصًا في أنحاء وسط المدينة في الإسكندرية، وذلك بواسطة عشرين راقصًا وراقصة من طلبة مدرسة «مركز القاهرة للرقص المعاصر»، ثم تقديم مشهد ختام مجمع، أو المشهد رقم ٣١، في ميدان محطة ترام الرمل، بمصاحبة موسيقى ديبوسي الشهيرة.

على مدار حوالي الساعتين والنصف، يعمل دوبوا مع راقصيه على استدعاء نداء إله الغابات الأسطوري الجامح، محاولًا استعادة لحظة تاريخية نادرة من مقاومة التقاليد الكلاسيكية لفن الباليه، بل والخروج عليها أيضًا، للحد الذي يمكن معه القول إنه حاول صياغة نصب تذكاري لتاريخ فن الرقص، بواسطة عشرين راقصًا وراقصة، لبسوا أزياء العمال النظاميين أو التابعين لنظام عمل صارم، فيما يبدو وأنه محاولة للترميز المباشر لاستعباد التقاليد الفنية لممارسيها، وإخراجهم من حيز الفنانين لحيز عبادة التقاليد الفنية.

محاولة للترميز لاستعباد التقاليد الفنية لممارسيها؟

قدم هؤلاء الراقصون والراقصات تنويعات راقصة معاصرة تحاول تفكيك خطوات الباليه، عن طريق طرحها مباشرة في الشارع، في محاولة للتعامل مع الرقص كفن بإمكانه مخاطبة قطاعات مختلفة ومتنوعة من الجمهور، وكأنها ترثي تواجد هذا الرقص داخل القاعات غير الجماهيرية، كقاعات الأوبرا والمسارح الرسمية، تلك التي لا يرتادها سوى الذواقة وبقايا الطبقة الوسطى، والتي جُلبت إلى مصر في خضم استهلاك الحداثة الأوروبية، في نهايات القرن التاسع عشر، واستمرت فيما بعد، مستحضرة أشكالًا فنية لا تتسم بالعضوية، وبعيدة عن طبيعة المتلقي المحلي، بل وتتعالى عليه أحيانًا.

في محاولته لصياغة هذا النصب التذكاري لتاريخ فن الرقص، وفي صراعه مع التقاليد الفنية، اختار دوبوا موقع محطة «ترام الرمل» التاريخية لختام عمله الفني، بما تمكن قراءته بوصفه محاولة للدمج بين نصبين تذكاريين تاريخيين؛ نصب فن الرقص ونصب إسكندرية الأربعينيات الكوزموبوليتانية البائدة، خاصة مع الحضور الكثيف للمارة، ومستخدمي محطة ترام الرمل، بالإضافة لرواد الفنون من سكان المدينة، والأجانب المقيمين والزائرين، والشباب على تنوع انتماءاتهم، بالإضافة للحضور الدبلوماسي والرسمي بالملابس الرسمية، لتغدو الصورة العامة في النهاية أقرب لصورة كرنفال تذكاري رثائي لتاريخ فن الرقص ولتاريخ المدينة التي يتغير عمرانها بشكل سريع.

اختار دوبوا موقع محطة «ترام الرمل» لختام عمله الفني، للدمج بين نصب فن الرقص ونصب إسكندرية الأربعينيات الكوزموبوليتانية البائدة

بالإضافة لكل هذه الرمزية، فقد ساعدت الظروف المحلية دوبوا كثيرًا، حيث كان العرض، كنظيره الأول، محاطًا بقوات البوليس، التي لم تتواجد هي الأخرى لفرض الرقابة، ولم تتدخل في السياق العام للعرض، وإنما كان هدفها تأمين المهرجان، فيما يشبه إحالة واضحة لما حدث في باريس 1912.

نسيم الرقص.. مساحة للتجريب

يعرف مهرجان نسيم الرقص دوره بوصفه «فتح مساحات جديدة للإبداع والتجريب للفنانين في مدينة الإسكندرية، لإعطائهم إمكانية التعامل مع المساحة العامة في المدينة، وطرح تساؤلاتهم عن ممارساتهم، مطالبهم، رغباتهم، لغة جسدهم، في بيئة عمل ارتجالية، مبتكرة وغير متوقعة. »

لا يمكننا إذن، لدى التعامل مع «نسيم الرقص» كمهرجان للرقص المعاصر والفنون متعددة الوسائط في الأماكن العامة، إغفال تعريفه لنفسه بأنه «مساحة للتجريب»، كما لا يجب علينا الاعتماد على أن كل التجارب الفنية ستنجح في الخروج بنتيجة أو بنتائج جديدة، فعلى العكس، قد لا تنجح التجربة سوى في التأكيد على النتائج السابقة عليها، وهنا تكمن أهمية التجريب.

يعرف مهرجان نسيم الرقص دوره بوصفه «فتح مساحات جديدة للإبداع والتجريب للفنانين في مدينة الإسكندرية»

من حق أي منا أن يجرّب فنيًا، على اتساع مفهوم التجريب، ويمكن لأي منا طرح تجربته الفنية في أي من مراحلها على الجمهور، سعيًا نحو اكتشاف طبيعة التلقي السائدة، أو حتى سعيًا لاختبار نوعي ومرحلي للعمل ومكوناته، أو تأكيدًا عمديًا على فكرة أو طرح ما، يقترحهما الفنان بشكل مرحلي من خلال تجربته الفنية، أو كمساحة لاكتشاف الطزاجة الفنية وأثرها في بيئة ما. من هنا نستطيع قراءة عمل أوليفيه دوبوا، وفهم وجهة نظره، والمتسقة تمامًا مع طبيعة وجوده في مهرجان نسيم الرقص.

الفنون المعاصرة واللحظة الراهنة وسلطة المثقف

من المثير للدهشة أن تتماثل ردود الفعل النقدية المثارة على الفيسبوك حول عرض 2017، مع سابقتها حول عرض 1912، ما يدفعني للتساؤل حول طبيعة الوعي السائد عن التجريب في الفنون؟ وحول طبيعة الانتقادات الموجّهة للعرض؟ خاصة وأن تلك الانتقادات تجاهلت بوضوح أنه عُرض في إطار مهرجان له سياقه الفني، بل حاولت تقييم العرض وفق مسطرة نقدية تتعامل مع الفن بوصفه وسيلة للاعتراض السياسي فقط، هنا والآن!

تتماثل ردود الفعل النقدية المثارة على الفيسبوك حول عرض 2017، مع سابقتها حول عرض 1912

كل هذا دفعني للتساؤل حول مدى الأصولية التي يمارسها البعض تحت مسمى النقد الفني، وحول التناقض الذي قد يدفع فنانين معاصرين يجاهدون منذ أعوام لخلق مجال لأعمالهم الفنية، لاتهام عرض راقص- لم يشاهده الكثير منهم – بعدم مراعاة السياق! ويدفعني كذلك للتساؤل حول المساهمة المجانية في غلق المجال العام، المنغلق أساسًا، عبر خلق مناخ من الترهيب لمن يحاول طرح وجهات نظر تجريبية، قد تصيب أو لا تصيب.

المساهمة المجانية في غلق المجال العام، المنغلق أساسًا، عبر خلق مناخ من الترهيب لمن يحاول طرح وجهات نظر تجريبية؟

أجد ردود الفعل النقدية تلك تنحو إلى التأويل المفرط في التعامل مع عمل فني ومهرجان فني لا يدعي الكمال، بل يسعى للتجريب ويعرف نفسه كـ«مساحة للتجريب» في بيئة ارتجالية مبتكرة وغير متوقعة.

على كل حال، تفتقر الفنون المعاصرة لجهود تعريف الجمهور بها، ما يخلق مساحة معتمة بينها وبين المتلقي، ويضعها في موضع الاتهام المباشر سواء كان بالانغلاق على نفسها أو بالتعالي على المتلقي.

لا أريد هنا تمجيد الرقص المعاصر على حساب الباليه، فكلاهما شكلان فنيان جرى جلبها للواقع المصري، ولم ينتجهما هذا الواقع بشكل عضوي. لكن ما يعنيني هو العرض الفني المقدم، والذي خرج بفن الرقص إلى جمهور عريض واستخدم ٣١ مكانًا عامًا في الإسكندرية في تلك اللحظة الراهنة، وخلق مساحات لتجمع تلك الجماهير في الوقت الذي أضحى فيه التجمع مجرمًا، وحاول تقديم هذا الشكل الفني لجمهور عريض من المستبعدين من التماس مع تلك الأشكال الفنية، وأثار أسئلة متنوعة لدى قطاعات مختلفة من المتلقين.

اعلان
 
 
عبد الله ضيف