Define your generation here. Generation What
تقرير حقوقي: استهداف أقباط شمال سيناء أدى إلى «تهجير قسري» وليس مغادرة طواعية أو نزوح
نازحون من أقباط العريش يجلسون في ساحة كنسية الأنبا أنطونيوس بالإسماعيلية - المصدر: صموئيل محسن
 

قال تقرير نشرته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية اليوم، الثلاثاء، إن استهداف الأقباط في شمال سيناء على يد مسلحين أدى إلى حالات من «التهجير القسري… لا يمكن التهوين من شأنه واعتباره مجرد مغادرة طوعية أو حالة نزوح جماعي هربًا من نزاع مسلح».

وقالت المبادرة في تقريرها الذي حمل عنوان «موت معلن» إن ممارسة «التهجير القسري» ضد الأقباط لها سياقاتها التاريخية التي تسامحت معها أجهزة الدولة في العديد من الأحداث السابقة، وهي الممارسة التي نتجت عن عقد جلسات صلح عرفية للتعامل مع حالات العنف الطائفي المتوالية، والتي تم التخلي فيها عن تطبيق القانون.

وحمل التقرير المسؤولية للأجهزة الأمنية التي «فشلت» في التزاماتها القانونية والدستورية لحماية حق المواطنين الأقباط في الحياة وعدم الاضطرار للجوء للتهجير القسري، «مع الأخذ في الاعتبار المدى الزمني الطويل الذي تطورت عبره الأحداث والذي كان من المفترض أن يسمح بالتنبؤ والتخطيط الفعال للتدخل بهدف توفير الحماية، ومع الأخذ كذلك في الاعتبار حقيقة الانتشار الأمني والعسكري الكثيف في المنطقة».

اعتمد التقرير على شهادات الأهالي الذين هجروا منازلهم في محافظة العريش بشمال سيناء بعد تصاعد استهداف الأقباط على يد مسلحين منذ فبراير الماضي، ما أدى لمقتل قرابة ثمانية مواطنين، كان آخرهم نبيل صابر الذي قتله مسلحون يوم السبت قبل الماضي. وعلى الرغم من وجود صابر وأسرته بين النازحين لمحافظة بورسعيد، إلا أن إنهاء إجراءات نقل أبنائه من مدارس العريش لبورسعيد اضطره للعودة للعريش مرة أخرى.

كانت جريدة «النبأ» الأسبوعية الصادرة عن تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» قد نشرت في بداية مايو الجاري حوارًا مع من وصفته بـ «أمير جنود الخلافة في مصر»، حذر فيه من التواجد بجوار الكنائس، وحمل تهديدات وتحريض مباشر ضد الأقباط.

فيما قالت المبادرة إن استهداف الأقباط من خلال أحداث العنف الطائفي في الفترة الأخيرة اتخذ أنماطاً عدة، حيث تم الاستهداف إما بالاعتداء الجسدي على أساس الهوية الدينية، أو من خلال منعهم من ممارسة شعائرهم الدينية، وهو الأمر المتعلق بإشكاليات بناء الكنائس في مصر، أو بسبب العلاقات الجنسية أو العاطفية بين مختلفي الديانة. كما شملت أنماط استهداف المواطنين الأقباط أيضاً انتهاك حقوقهم في التعبير عن الرأي في المسائل الدينية، وهو الأمر الذي ينتهي عادة بتورطهم في قضايا ازدراء الأديان، أو من خلال المشاجرات الأهلية التي تتطور لنزاعات طائفية، أو من خلال العنف السياسي أثناء الانتخابات.

وأشار التقرير أيضاً إلى نمط «استضعاف الأقباط»، متمثلاً في حوادث خطف مواطنين أقباط وطلب مبالغ مالية للإفراج عنهم. ورغم إقرار المبادرة أن هذه الحوادث قد لا يكون وراءها دوافع طائفية بالضرورة، إلا أن التساهل في خطف المواطنين الأقباط يمكن عزوه لضعف التواجد الأمني بعد ثورة يناير، الأمر الذي يجعل من المواطنين الأقباط هدفاً سهلاً للعصابات الخاطفة.

واستعرض التقرير تواجد المواطنين الأقباط في محافظة شمال سيناء، حيث تسكن قرابة 475 عائلة قبطية، معظمهم يقطن في مدينة العريش، حيث هاجر معظمهم من محافظاتهم الأصلية لشمال سيناء من أواخر ثمانينيات القرن الماضي. وعلى الرغم من تواجد ستة كنائس في المحافظة، ومع توسع الأقباط في الأنشطة الاقتصادية هناك وندرة وقوع حوادث عنف طائفي، إلا أن التقرير أشار إلى أن طبيعة المجتمع القبلي سمح للأقباط بالعمل والحركة الضيقة «بدون دور قيادي في المجتمع يمنحهم نفوذًا يماثل نفوذ القيادات القبلية».

وأضاف التقرير: «في ظل هذا النمط الحاكم، كانت أغلبية المواطنين الأقباط راضية بتحقيق أنفسهم اقتصادياً والترقي الوظيفي المحدود مع الاستبعاد السياسي. لكن هذا النمط أيضًا سمح بمساحة للتمييز الديني واضحة غلبت المعاملات اليومية للمواطنين، من بينها إلزام بعض السيدات بارتداء غطاء للرأس أو عدم قبول عمال مسيحيين أو وسم المسيحيين بأنهم كفار من قبل البعض أثناء سيرهم في الشوارع. ونتيجة هذه الطبيعة القبلية، وبالتزامن مع ظروف التأزم الاقتصادي، أصبح قطاع من أهل البلد لديه مواقف عدائية أو مستفزة تجاه الفئات الأخرى التي ينظر إليها على أنها وافدة -ومن بينها الأقباط بالطبع- لتقاسمها معهم الموارد الشحيحة أصلًا. في هذه البيئة، يظهر الأقباط بوصفهم الحلقة الأضعف في البناء الاجتماعي هناك، خصوصًا أن رابطة الاشتراك في الدين توفر نوعًا ما من الحماية للوافدين المسلمين».

ويستخلص التقرير أنه «لا يمكن بالتالي الفصل بين البعد الطائفي والبعد القبلي في شمال سيناء، فالأقباط هناك ليسوا من عائلات أو قبائل سيناوية تحميهم وتذود عنهم، كما يفتقدون الظهير الأيديولوجي البديل من الانتماء القبلي، وهو ما يتاح لنظرائهم من الوافدين المسلمين من وادي النيل الذين قد يحتمون بالجماعات الدينية المختلفة».

وقالت المبادرة أيضاً إن الكنائس في المحافظة تعرضت لهجمات مختلفة إبان ثورة 25 يناير، بالإضافة إلى تهديدات تلقاها المواطنون الأقباط في المحافظة إبان حكم جماعة الإخوان المسلمين تمثلت في ترهيبهم من خلال توزيع منشورات تطالبهم بالرحيل وإطلاق أعيرة نارية تجاه أماكن إقامتهم وعملهم. كما رصد التقرير ست حالات خطف مقابل فدية ضد مواطنين أقباط في النصف الأول من عام 2013، انتهت جميعها بعودة المخطوفين بعد دفع مبالغ مالية، ما عدا حالة واحدة تمكن فيها المواطن سامح عوض الله من الهروب.

واستمرت التهديدات والانتهاكات بعد رحيل الرئيس الأسبق محمد مرسي في يوليو 2013، حيث تصاعدت التهديدات بالقتل ضد المواطنين الأقباط، والتي تطورت لثلاثة حوادث قتل فعلية، منها مقتل القس مينا عبود، بالإضافة إلى حرق كنيسة مارجرجس بالعريش. وبينما شهد عام 2014 هدوئاً نسبياً، عاد الاستهداف مرة أخرى في عامي 2015 و2016، حيث قُتل مواطنين اثنين ونجا ثالث من محاولة قتل، قبل أن يشتد الاستهداف في العام الحالي.

وأشار التقرير إلى ما أسماه تقصيراً أمنياً تشكل في عدم مبادرة الأجهزة الأمنية لحماية المواطنين الأقباط وممتلكاتهم وعدم توقع تجدد الاعتداءات عليهم، خاصة وأن المهاجمين كان لديهم متسع من الوقت لاستهداف الأقباط، حسب المبادرة: «ففي إحدى حالات الاستهداف قام الملثمون بعد قتل وائل يوسف داخل متجره بالأكل والشرب من المأكولات والمياه الغازية وسرقة بعض محتوياته في دلالة على ثقتهم بعدم قدوم الشرطة بالرغم من أن الواقعة كانت في منتصف اليوم وأمام جمهور من المواطنين».

اعلان