إضراب الأسرى الفلسطينيين: جسدٌ يقهر سجّانه

قبل انطلاق الإضراب المفتوح عن الطعام في يوم الأسير 17 أبريل الماضي، نُشرت مطالب الأسرى في معركة الحرية والكرامة.

تشير النظرة المتفحّصة لمطالب هذا الإضراب إلى كونها من أبسط الحقوق الإنسانية المتعلقة بتوفير العلاج الطبي والتعليم والسماح لأبناء عائلاتهم بزيارتهم، بالإضافة للغذاء والهواء، بل إن قسمًا من مطالب الإضراب يتعلق باستعادة حقوق حصلت عليها الحركة الأسيرة من خلال نضالاتها البطولية وتضحيات لم تتوقف على مدار العقود السابقة، وحُرم منها الأسرى في السنوات الأخيرة. بعض من هذه الحقوق المسلوبة يتمثل في زيادة مرات الزيارة والسماح التعليم في الجامعة المفتوحة.

بحسب المعلومات المنشورة مع انطلاق الإضراب، هذا هو الإضراب الجماعي رقم 24 للأسرى الفلسطينيين منذ 1967 (مع العلم ان نضال الأسرى بدأ منذ اليوم الأول للاحتلال عام 1948، بل وقبله في عهد الاحتلال البريطاني)، هذا إلى جانب الإضرابات الفردية المستمرة. لقد تردّت أوضاع الأسرى،  حالها كحال الأوضاع على سائر جبهات المواجهة بين الشعب الفلسطيني وبين الاحتلال وأذرعه القمعية. لا يحترم نظام الفصل العنصري الصهيوني حقوق الإنسان ولا الاتفاقيات المنعقدة معه، فغطرسة الاحتلال تفرض على الفلسطينيين معركة مفتوحة طويلة الأمد.

«نؤكد على أن كل محاولة لتنفيذ جريمة التغذية القسرية لأي أسير مضرب ستعني بالنسبة لنا مشروعًا لإعدام الأسرى، وسنتعامل معها على هذا الأساس وسنحوّل السجون إلى مواقع اشتباك بأجسادنا العارية»

وفي الوقت الذي ننشغل فيه بهموم الحياة أو الخلافات الداخلية تواصل إسرائيل جهودها الساعية  إلى سلب الأرض وهدم البيوت وتهجير الناس. وهذا كلّه يقع في إطار مشروعها الاستراتيجي لاقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه ووطنه، ولذا يصب هذا النظام اهتمامه على التنكيل الدائم بالأسرى والتقليص المستمر لحقوقهم، فأحزاب النظام لا تعيش إلا في أجواء التطرف والكراهية.

لم تكن صدفة أن يتزامن الإعلان عن الإضراب،  وزيارة محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية منزوع الصلاحيات ومعدوم الشرعية، لواشنطن، مع طرح نتنياهو طلبًا تعجيزيًا جديدًا على الفلسطينيين، بوقف الدعم المادي للأسرى وعائلاتهم وعائلات الشهداء.  لاقى هذا المطلب تفاعلًا واسعًا في الإدارة الأمريكية التي تلهث وراء خدمة إسرائيل وإثبات الولاء لها بأكثر مما تهتم بشؤونها الداخلية.  وبناء عليه، فقد يحقق إضراب الأسرى انتصاره الأول، بالذات، لكونه تصديًا للمحاولة الصهيونية الأميركية لابتزاز السلطة الفلسطينية لتقديم المزيد من التنازلات المجانية.

لا يفاجئنا حتى الآن، ورغم  اتساع نطاق الإضراب في السجون وانتشار نشاطات التضامن في كل أنحاء فلسطين وفي العالم بأسره، أن النظام الصهيوني، المتمثل بما يسمى «مصلحة السجون» الإرهابية، يرفض التفاوض مع الأسرى ويكثّف كل جهوده لكسر الإضراب. فهذه الهيئة لم تستغنِ عن أية وسيلة من وسائل القمع المتاحة لديها، من اقتحامات عنيفة للسجون على يد وحدات القمع المختصة وعمليات التفتيش المهينة، والضرب والعزل ومنع المعتقلين من الالتقاء بمحاميهم، وسلب ممتلكات السجناء ومحاولة خلق الخلافات والتشكيك بين الأسرى.

في هذه الأثناء، تعد أجهزة القمع الإسرائيلية عدّتها لتنفيذ «الضربة القاضية» في المعركة المستمرة التي يخوضها المعتقلون الفلسطينيون بواسطة أمعائهم الخاوية، وذلك من خلال كسر الإضراب عبر استخدام «التغذية القسرية»، وهي من وسائل التعذيب المحرّمة، إلا أن الكنيست الصهيوني شرّع قانونًا خاصًا لإجازتها. ورغم أن هذا القانون لاقى معارضة عنيدة من قبل نقابة الأطباء، إلا أن الحكومة تعمل على كسر حظر النقابة من خلال أطباء يعملون في مصلحة السجون وغيرهم.

من جهتها، حذرت «الحركة الأسيرة» في بيانها في اليوم العشرين للإضراب (6 مايو) قائلة «إننا وفي هذا السياق نؤكد على أن كل محاولة لتنفيذ جريمة التغذية القسرية لأي أسير مضرب ستعني بالنسبة لنا مشروعًا لإعدام الأسرى، وسنتعامل معها على هذا الأساس وسنحوّل السجون إلى مواقع اشتباك بأجسادنا العارية، مسلحين بإيماننا وإرادتنا وتصميمنا وثقتنا بشعبنا وأمتنا العربية والإسلامية وبأحرار العالم للوقوف إلى جانبنا».

الأسرى في صلب القضية

يشكّل دعم الأسرى موضوع إجماع وطني فلسطيني نادر في هذه الأيام. حيث يصل عدد الأسرى في سجون الاحتلال لحوالي 6500 أسيرًا، وهم ينحدرون من كل المناطق الفلسطينية ومن كل الأحزاب وقطاعات المجتمع، وتعيش عائلاتهم معاناة الأسْر يوميًا بشكل لا يقل عن الأسرى أنفسهم. وبذا، فإن الجميع يشعرون بهذا «الدين» العميق  الذي يدينون به  للأبطال خلف القضبان ممن ضحوا بحريتهم في النضال لأجل حرية الشعب.

إذا كان المطروح على عامّة الناس هو شبه «بديل» عن مواجهة الاحتلال، يتمثل في الاهتمام بالحياة اليومية ومحاولة تحسين الظروف المعيشية، فإن الأسير في سجنه لا يجد مفرًا أمامه من مواجهة السجان بشكل يومي. إن الأجساد المعذبة لهؤلاء تذكّرنا بجسد المسيح، الذي عُلّق على الصليب بهدف ترهيب الناس، ولكن هذا المنظر المؤلم تحول إلى رمز حي لوحشية الاحتلال، من جهة،  وللنضال لأجل الحرية ولإثارة الضمائر الحية لمواصلة المعركة من جهة أخرى.

بعد إطلاق سراحه، قال المناضل صالح برانسي  إنه لم يتحرر، بل انتقل من الزنزانة إلى ساحة السجن

في هذا المجال، أذكر جملة المناضل العنيد صالح برانسي، من مدينة الطيبة، أثناء كلمته التي ألقاها  في الاحتفال بإطلاق سراحه بعد قضاء مرحلة طويلة في الأسر. قال برانسي إنه لم يتحرر، بل انتقل من الزنزانة إلى ساحة السجن. فالأسر لا يقتصر على الأسرى في السجون المعلنة. بل نرى أن قطاع غزة بأسره قد تحول إلى سجن كبير تحيط به الأسوار وجيوش السجانين. بل إن فلسطين، بمفهوم أشمل، كلها أسيرة وشعبها رهينة للمشروع الاستعماري الصهيوني، فلا حرّية تحت الاحتلال. إلا أن قضية الأسرى أبسط وأوضح ولا تسمح بوهم التعايش مع المحتل-السجان.

لم يتوقف بيان الحركة الأسيرة المذكور أعلاه، عند نقطة النداء لدعم الإضراب، بل وطالب السلطة الفلسطينية أيضًا بـ«الوقف الفوري للتنسيق الأمني مع الاحتلال، فهذه أيام للالتفاف الوطني والمواجهة. » كما أكد على «ضرورة مشاركة لجنة المتابعة في الداخل الفلسطيني المحتل في هذا الإطار القيادي ليصير شاملًا ومعبّرًا عن كافة أبناء شعبنا الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، ورافعة للارتقاء بالفعل النضالي من أجل قضية الأسرى؛ فالمواجهة القائمة تستحق أن تُمثّل وتُدعّم في إطار وطني وحدوي.»

في تسعينيات القرن الماضي، وفي عز أيام اتفاقيات أوسلو وأوهام التسوية مع الاحتلال، كنّا نتظاهر دعمًا لإضرابات الأسرى تحت شعار «لا سلام دون تحرير جميع الأسرى»

بهذا تشير الحركة الأسيرة إلى سبيل الخروج من المأزق العالقة فيه حركة التحرر الفلسطينية، وإعادة الوحدة الفلسطينية على أساس مواجهة الاحتلال والتغلب، ليس فحسب على التقسيمات الحزبية، بل وأيضًا على التقسيمات الجغرافية بين الفلسطينيين في المناطق المحتلة منذ 1948، وبين غيرهم في المناطق المحتلة منذ 1967.

في تسعينيات القرن الماضي، وفي عز أيام اتفاقيات أوسلو وأوهام التسوية مع الاحتلال، كنّا نتظاهر دعمًا لإضرابات الأسرى تحت شعار «لا سلام دون تحرير جميع الأسرى». وكان عدم تحرير الأسرى خير إثبات على عدم وجود نية للسلام من الطرف الإسرائيلي وعجز الطرف الفلسطيني في هذه الاتفاقيات على ضمان الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية المشروع. ومرّت الأيام ولم يبقى من الشعار إلا أوله: «لا سلام… »

المعركة مستمرة ولن تنتهي إلا بالتحرير؛ تحرير الأسرى، وتحرير الأرض والإنسان.

اعلان
 
 
يؤاب حيفاوي