Define your generation here. Generation What

أمل بلا أوهام (2): أسئلة الانتخابات القادمة

من أبرز مشاكل التيار الديموقراطي في مصر افتقاده لرؤية طويلة المدى، بحيث تنتظم أي أحداث، مُخططة أو مفاجئة، كتفاصيل في ذلك المسار الرئيسي، سواء كانت تصب في خدمته، أو تعرقله مؤقتًا.

حسب الدستور، تبدأ إجراءات انتخابات الرئاسة قبل انتهاء الفترة الرئاسية بـ120 يومًا، أي أنه يُفترض فتح الترشح في مارس 2018. بعد نحو عشرة أشهر فقط سنشاهد تطبيقًا لما يعنيه الرئيس بوعده الأخير بالرحيل فورًا لو رفضه الشعب.

في هذه الورقة نحاول أن نطرح للنقاش مساهمة في بناء تصور لمسار مستقبلي، تكون فيه الانتخابات الرئاسية جزءًا من كل، وننوه أن الصياغة النهائية للورقة جاءت على إثر مناقشات كثيرة في مصر وخارجها ومشاركات في ورش عمل متعددة تضمنت سياسيين من أطراف مختلفة.

مبدئيًا، نعتقد أن الانتخابات بحد ذاتها لا تحمل دلالة حتمية؛ قد تكون أداة للتحول الديموقراطي، وقد تكون وسيلة ضغط ونضال، وأيضًا بالعكس، قد تتحول لأداة للتطبيع وللاستسلام بنتائج سلبية. هذا لا يتوقف فقط على أفعال النظام، بل يتوقف بدرجة أكبر على أسلوب إدارة المسار؛ بجدية ووعي، أم بعشوائية وعبث؟

في البداية نحتاج لاستعراض الواقع الصعب الذي ننطلق منه، ومن المؤسف أن بعضنا لا يزال يفكر أو يتعامل كأننا في 2011 أو حتى 2014.

أولًا، على الصعيد الداخلي:

– تعاني كل الأحزاب والحركات السياسية من تراجع هائل بأعداد العضوية النشطة، وبإمكانياتها المالية والتنظيمية. على حد تعبير اثنين من قيادات الأحزاب «لم نشهد مثل هذه الحالة أبدًا حتى في جمود التسعينات بعهد مبارك، لا نجد إيجار مقراتنا، لا نجد أعضاء للترشح». هزيمة ثقيلة.

– جانب من التراجع بسبب مناخ الإحباط العام، وجانب منه بسبب ضربات أمنية، حيث شهد العام الأخير موجة من القبض على الفاعلين حركيًا من منازلهم، على عكس النمط السابق، حين كانت الضربات ميدانية ضد من ينزل المظاهرات.

كما أن جانبًا آخر هو أن أبناء جيل 2011، الذين كانوا وقتها طلابًا أو حديثي التخرج، قد تناقصوا بشدة؛ سافر كثيرون للخارج أو انشغلوا بأعمالهم وأسرهم، ولم يحدث إحلال للكوادر بالتشبيك مع الجيل الجديد الصاعد، رغم تقديمه بوادر إيجابية، كخسارة القوائم المدعومة حكوميًا لانتخابات الجامعات.

– رغم أن جزءًا من كتلة الدعم الشعبي المطلق لشخص الرئيس السيسي قد اهتزت بفعل الأزمة الاقتصادية، لكن لا يبدو أن هناك ميولًا لتكرار النزول الكامل للشارع، سواء بسبب سلبية نتائج الثورة، أو التخويف من الأسوأ، أو بسبب افتقاد الشعب لرؤية ممثل سياسي يحمل الأمل في البديل، وهو الدور الذي كانت تقوم به «الجمعية الوطنية للتغيير» على سبيل المثال.

– تتولى مؤسسة الجيش الحكم سياسيًا واقتصاديًا بشكل مباشر، ويختلف هذا تمامًا عن الأوضاع قبل ثورة يناير، حين كان الحكم بيد سياسيين حتى لو كانت لهم خلفيات عسكرية، كما جرى توسيع دوائر المستفيدين المباشرين بقطاعات الجيش والشرطة والقضاء، ولذلك لا يظهر صراع جذري يمكن النفاذ من ثغرة فيه، كما كان الوضع في 2011، حين حرص الجيش على الإطاحة بخطة التوريث عبر الانحياز للثورة وعزل مبارك.

وإن كان هذا لا يعني عدم إمكانية الاستفادة من مساحات تتيحها أزمات وخلافات داخل النظام، كالصدام مع القضاة وغيرها من الملفات.

ثانيًا: على الصعيد الخارجي:

– شهد العالم موجة صعود يميني على رأسها الرئيس الأمريكي ترامب، الذي كرر انتقاداته لطريقة إدارة أوباما لملف الربيع العربي. تفضل هذه الموجة دعم المستبدين، وتحمل نظرة استعلائية لشعوبنا.

– أثّرت الأوضاع الإقليمية بملفات سوريا والعراق وداعش بشكل سلبي. في 2011 تحرك المصريون حين رأوا أمامهم الأمل في تونس، بينما اليوم يرون أمامهم مشاهد الذبح والدمار في سوريا والعراق.

– ما حدث بسوريا رفع سقف الاحتمال الدولي، واليوم عاد أمر إسقاط نظام بشار نفسه ليصبح محل خلاف دولي، فما بالنا بالنظام المصري، الحمل الوديع، إذا قورن به.

شرعية نظام السيسي ليست محل سؤال أصلًا ليدعي أحد أن بيدنا منحها أو نزعها، فهذا ليس نقاشًا نظريًا يفوز فيه صاحب المنطق الأقوى

– إقليميًا، قد يتذمر الداعمون الخليجيون بالسعودية والإمارات لسبب أو لآخر، لكنهم من ناحية لا يرون بديلًا يمكنهم التعامل معه، ومن ناحية أخرى، فأغلب أسباب الخلاف تتفق بها المعارضة مع النظام. لا أحد يريد إرسال الجيش إلى اليمن مثلاً.

– شرعية نظام السيسي ليست محل سؤال أصلًا ليدعي أحد أن بيدنا منحها أو نزعها، فهذا ليس نقاشًا نظريًا يفوز فيه صاحب المنطق الأقوى، بل هو واقع فاز به بالفعل من يمتلك أسباب القوة. شرعية السيسي ثابتة داخليًا بدعم أجهزة الدولة وقوتها، وبدعم قطاع شعبي، وشرعيته خارجيًا اكتملت؛ زيارات وصفقات على أعلى مستوى، سواء عن قناعة من التيار اليميني الصاعد، أو عن اضطرار من أوروبا التي يهمها استقرار مصر وعدم تصديرها للاجئين.

– بوضوح، هناك تراجع للقيود الدولية على القمع، لذلك فحتى لو حدث حِراك جديد متوسط الحجم بالشارع سيتجاوز العالم سحقه كما تجاوز سحق رابعة، إلا لو توسع خارج السيطرة بعد سقوط آلاف القتلى، وهو ما لا يتمناه أو يملكه أحد.

بسبب هذه العناصر السابقة لا يبدو أن تكرار سيناريو 2011 وارد في المدى المنظور؛ حتى وإن كانت مصر تظل تحتمل المفاجآت، إلا أن الظروف الخارجية والداخلية قد اختلفت.

***

يمكن استخدام أسئلة الانتخابات كمدخل لأسئلة المسار السياسي العام:

هل تشارك الثورة بالعمل السياسي؟

هل يمكن إسقاط النظام الدكتاتوري بلا ثورات؟

والتطبيق العملي: ما هو السيناريو الممكن لضمان الفوز أو الاستفادة منه؟

السؤال الأول، هل تشارك الثورة بالعمل السياسي؟

الإشكالية الأولى والأهم بهذا السؤال هي أنه لا يزال يُطرح أصلًا في 2017، رغم أن حالة الثورة قد ماتت وشبعت موتًا بالفعل. الثورة اندلعت منذ ست سنوات!

وإذا كان الجميع يردد أننا عدنا إلى عصر أسوأ من مبارك، فما الغريب في استعادة أدوات السياسة المغلقة بعصره؟

الإشكالية الثانية هي افتراض أن هناك أصلًا قدرة على الاختيار! لا يوجد من يملك قرار نزول أو عدم نزول الملايين. شهدت 2011 لحظة توافق «المزاج الشعبي العام» لأسباب داخلية وخارجية، ولم يكن دور السياسيين أكثر من تهيئة الأجواء ثم الشرارة. لا يمكن الاكتفاء بالانتظار.

الإشكالية الثالثة هي افتراض أن مكسب العمل السياسي يجب أن يتمثل في النتائج.

علينا أن نتذكر أن الإخوان شاركوا فرديًا بالانتخابات منذ عام 1976، وكجماعة منذ 1984، ولولا هذا التاريخ الطويل من المشاركة تحت أنظمة دكتاتورية بانتخابات غير نزيهة لما أمكن بناء التنظيم (فرز القيادات الطبيعية، تدريب الكوادر ..إلخ)، وبناء خبرة آلته الانتخابية بتفاصيلها المعقدة. هذا مكسب ضخم في حد ذاته، وهو أحد الأسباب التي أهّلت الإخوان حين أتت اللحظة المناسبة لتصدر المشهد.

كما أن من المُلاحظ هنا أن تطور الإخوان نسبيًا على مستوى الأفكار أو على مستوى القبول الشعبي كان مرتبطًا بتطورهم انتخابيًا.

فائدة أخرى هي أن يجري التعامل بجدية مع القوى السياسية، داخليًا وخارجيًا، لأن الوضع الحالي هو عدم اعتبارها ممثلة لقواعد أو قوة ما. النظام لا يتفاوض أو يتواصل أصلًا.

كان الإخوان بعهد مبارك يُؤخذون بجدية كاملة، داخليًا وخارجيًا، لأن هناك أرقامًا واضحة في الصناديق أو في الشوارع. بدونها، فلن يهتم أحد بالـ«صِفر».

والمشاركة قد تكون مسألة حياة أو موتًا حرفيًا للأحزاب، التي قد تؤدي المقاطعة والمزيد من الشلل إلى تحللها ذاتيًا.

الإشكالية الرابعة هي المزايدة باعتبار السياسة أقل ثورية.

في الواقع، فالعمل السياسي الجاد تحت الدكتاتورية يتحول إلى نضال، انتخابات مبارك كانت تشهد مواجهات عنيفة، كما كان الثمن يُدفع سجونًا مدنية ومحاكمات عسكرية.

وإذا كانت القبضة الأمنية تطال شبابنا الآن على أساس فردي، فلنرفع الثمن السياسي ونجعلها تطالهم وهم أعضاء حملة انتخابية. لا أوهام بأننا ذاهبون إلى نزهة.

الثورة الفرنسية ذاتها، بكل معاركها الدموية، أسفرت بعد عامين عن إقرار دستور 1791 لتحويل البلاد لملكية دستورية لا أكثر

الإشكالية الخامسة هي افتراض أنه يجب الحصول على مكسب كامل، وكأن مجرد تقليل الخسائر ليس مكسبًا.

كما أن هناك افتراضًا مضللًا آخر، وهو أن الثورة تعني بالضرورة الانتصار على كامل النظام القديم، والحقيقة أن التاريخ يعلمنا أن الثورات السلمية، أو حتى شِبه العنيفة، نتائجها إصلاحية، لا تزيد عن التفاوض بنديّة مع جزء من النظام القديم أو تحييده.

الثورة الفرنسية ذاتها، بكل معاركها الدموية، أسفرت بعد عامين عن إقرار دستور 1791 لتحويل البلاد لملكية دستورية لا أكثر. الثورة الروسية الأولى عام 1905، بما تضمنته من مسيرة الخبز الأسطورية، انتهت بموافقة القيصر على إصلاحات جزئية تخص البرلمان.

التغيير الجذري السريع لا يحدث إلا بثورات عنيفة كاملة، بكلفة رهيبة. لذلك فحين أسقطت الموجة التالية من الثورة الفرنسية الملكية بعد اقتحام قصر توليري عام 1792، كانت النتيجة حربًا أهلية، وأيضًا حربًا خارجية انتهت عام 1795، والثمن لم يكن فقط دمار البلد، بل أن الثوار هم أنفسهم تحولوا لسفاحين قتلوا بعضهم في «عصر الإرهاب». وبالنهاية، فالانتصار الكامل لم يتحقق، حيث عادت الملكية عام 1799.

وبالمثل في روسيا، كان ثمن تغيير النظام جذريًا حربًا أهلية قُتل فيها 1.5 مليون روسي، وتحول الثوار إلى سفاحين بدورهم، حتى أن الجيش الأحمر أعدم ربع مليون مواطن بلا محاكمة، ثم تأسست الدكتاتورية الستالينية البشعة.

وبالحاضر، نشهد أمامنا السيناريوهات الليبية والسورية، وهو ما لا يتمناه عاقل، فضلًا عن استحالته الواقعية في مصر.

***

السؤال الثاني: هل يمكن إسقاط الدكتاتورية بلا ثورات؟
أو: «ههههه .. انتو فاكرين ممكن تغيروا السيسي بانتخابات؟»

الإجابة هي: نعم، ولكن..

نعم، أسقطت الانتخابات والمقاومة السلمية عشرات الأنظمة الأكثر دموية وفسادًا. الجنرال بينوشيه الذي حكم تشيلي لـ17 عامًا، قتل وعذب خلالها عشرات الآلاف، ونفى نصف مليون مواطن من إجمالي 11 مليون نسمة، سقط حكمه الرهيب بمجرد استفتاء، لا ثورة.

ولكن هذا بالتأكيد ليس حتميًا، ولا سهلًا، وإنما يحتاج لعوامل عديدة داخلية وخارجية، كما يحتاج لتنازلات مؤلمة.

لا يوجد دكتاتور تنزل عليه الهداية الإلهية فجأة فيقرر مغادرة السلطة سلميًا، بل تكون الانتخابات جزءًا من ضغوط قوية تجبره للقبول بأن هذا هو الحل الأقل خطورة.

يمكن تلخيص الوصفة من التجارب الدولية في هذه النقاط، مع تأكيدنا على وجود اختلافات بين التجارب:

الخطوة الأولى، الهزيمة:

يجب أن يوضع النظام تحت ضغط يهز شرعيته وشعبيته، قد تكون الهزيمة عسكرية كخسارة الجيش الأرجنتيني لجزر الفوكلاند لصالح إنجلترا، أو أمنية كعجز النظام النيجيري عن مواجهة إرهاب جماعة بوكو حرام، أو هزيمة مدنية كأزمة إقتصادية كما حدث في تشيلي.

بوكو حرام

الخطوة الثانية، ضمانات نزاهة الانتخابات:

نزاهة الانتخابات كالحرية، لا توهب بل تُنتزع انتزاعًا.

في تشيلي، شهدت الأعوام بين 1983 إلى الاستفتاء في 1988 عشرات المظاهرات والإضرابات، بدعم من تنظيمات نقابية وسياسية ضخمة، كانت تستهدف بالمجمل إصلاحات منها وجود مراقبين داخل اللجان وحضورهم الفرز، وهو ما حدث نتيجة الضغط الذي دُفع ثمنه سجونًا وقتلًا خلال هذه الفترة. كما ساهمت بفعالية أيضًا ضغوط أجزاء من النظام كرجال أعمال وجدوا أن هذا أفضل لمصالحهم، وكذلك ضغوط خارجية، شملت تدخل بابا الفاتيكان.

وفي جامبيا أيضًا تمكن الضغط الداخلي والخارجي، وكثافة المشاركة الشعبية، ليس فقط من ضمان نزاهة انتخابات 2016، بل إن رئيس لجنة الانتخابات هرب من البلاد حين طالبه الرئيس الخاسر بمراجعة النتيجة، كما رفضت المحكمة العليا نظر طعنه. كان هؤلاء القضاة نفسهم حلفاءه طيلة ربع قرن من الحكم، لم يتحولوا إلى ثوار فجأة، لكنها معادلة السياسة والمصالح.

وبسيناريو مشابه جرى ضمان الرقابة على الانتخابات في نيجيريا.

من أسوأ الأفكار الاستسلام لكون التزوير حتميًا، ما سيلغي الاحتياج إليه أصلًا! إذا لم تشارك بجدية، فلن يحتاج خصمك للتزوير بل سيفوز بنزاهة. على أسوأ الظروف، فمجرد إجباره على التزوير الفج الذي يمكن توثيقه واستخدامه داخليًا وخارجيًا هو مكسب أيضًا.

الخطوة الثالثة، تقديم البديل المقبول:

يجب أن نتذكر دائمًا أننا لا نتحدث عن انتخابات طبيعية، بل عن انتخابات تحت نظام قمعي كخطوة لتحول ديموقراطي.

من هذا المنطلق يجب أن يكون البديل «غير خطير» بما يسمح باجتذاب بعض القوى المقابلة أو تحييدها. يستحيل أن يسمح النظام وحلفاؤه، مهما بلغت أزمتهم أو خلافاتهم، بأن يفوز بديلٌ يهدد كامل مكونات النظام وقواعده الشعبية وحلفاءه بالخارج، ليس فقط كقرارٍ واعٍ بمنعه، بل سيتوحدون جميعًا ضده بشكل تلقائي، كمؤسسات وكأفراد.

لم يحدث التحول في تشيلي إلا بعد عزل المعارضة اليسارية المتطرفة التي انتهجت العنف، وجرى تجاوز ثنائية العسكر والحزب الشيوعي الذي انتمى له الرئيس الشرعي الليندي، لصالح قوى جديدة هي تحالف «جبهة الوفاق الوطني». أُعلنت الجبهة عام 1985 من 11 حزبًا وحركة، تحدث باسمها جابرييل فالديز الذي كان وجهًا مقبولًا، بحكم كونه وزيرًا سابقًا بحكومة «الحزب الديموقراطي المسيحي». كان هذا الحزب يحكم البلاد قبل عهدي بينوشيه والليندي، وكان للمفارقة مؤيدًا لإنقلاب بينوشيه نفسه سابقًا. لهذا كان ذلك الحزب تحديدًا هو الحل الوسط المؤهل ليفوز مرشحه بأول انتخابات رئاسية.

جابرييل فالديز رئيسًا لتشيلي

في نيجيريا أيضًا تعاونت أحزاب المعارضة الأربعة الرئيسية تحت مظلة تحالف «المؤتمر الشعبي» لترشيح مرشح واحد هو محمد بخاري، العسكري السابق الذي حكم البلاد منذ ثلاثين عامًا، ما جعله وجهًا «غير مرفوض» من الجيش والقوى الخارجية. كان بخاري قد خسر الانتخابات الرئاسية ثلاث مرات سابقة في 2004، 2007، و2011، ما عزّز من شعبيته وخبرته، كما أنه في 2015 غيّر خطابه تمامًا، وبعدما كان يتحدث سابقًا عن تطبيق الشريعة، ما يثير الصدام في بلد نصفه من غير المسلمين، أصبح لا يركز إلا على محاربة الفساد والإرهاب.

محمد بخاري

في جامبيا تكررت القصة. اجتمعت سبعة أحزاب معارضة على مرشح واحد هو آدم بارو، رجل الأعمال بمجال العقارات، الذي تلقى تعليمه في إنجلترا، والقريب من الزعيم التاريخي للبلاد بعد الاستقلال، داودا جاوارا.

ومن اللافت أن بارو اختير بديلًا عن رئيس حزبه، الذي حُكم عليه قبل الانتخابات بالسجن لثلاث سنوات، على خلفية اتهامه للنظام بقتل معارض آخر. لم تتغير الخطة الأصلية للمعارضة الأصلية، بل دفعت بمن يحل مكانه فورًا.

الخطوة الرابعة، التفاوض والتنازل المؤلم:

لا مثاليات في السياسة بل موازين قوى، وتخفيض كلفة التحول الديموقراطي بجعله انتخابيًا لا ثوريًا، تعني بالمقابل تخفيض المكاسب العاجلة لهذا الانتقال.

في تشيلي، لم يتنح بينوشيه بعد إعلان خسارته، بل تمسك بمنصبه ورفض الاعتراف بالنتيجة، ولم يرحل إلا بعد تفاوض صعب استغرق نحو عام كامل، وشملت التسوية دستورًا يضمن امتيازات الجيش، وتعيين بينوشيه مدى الحياة بمجلس الشيوخ ليحظى بحصانة أبدية!

يحيي جامع بدوره في جامبيا رفض نتائج الانتخابات، وتحصن بجيشه بعد ترقيات لقادته، ولم يرحل إلا بعد تلويح مجموعة غرب أفريقيا «إيكواس» بالتدخل العسكري، وفي النهاية خرج مع تعهد بعدم ملاحقته مطلقًا، وقبل أن يتوجه للمطار استولى على 11 مليون دولار نقدًا من البنك المركزي.

يحيى جامع

في نيجيريا، لم يوجه بخاري اتهامات ضد سلفه الرئيس السابق جوناثان، رغم تورطه بالفساد ومحاكمة أغلب معاونيه ووزرائه بالفعل، بل قال عنه إنه كان «خصمًا فاضلًا وأنا أمد يد المودة له».

في الأرجنتين نموذج مختلف. دعم راؤول ألفونسين، أول رئيس ديموقراطي، نشر تقرير تقصي الحقائق الذي وثق اختفاء تسعة آلاف ضحية قسريًا، فتصاعدت المطالب بمحاسبة العسكر، لكنهم بدأوا تمردًا في الجيش، فتراجع ألفونسين وأصدر قوانين تقيد الملاحقات، أبرزها إعفاء كل من تحت رتبة كولونيل من المسؤولية، لكن في المقابل امتُص الغضب الشعبي بمحاكمة خورجي فيدلا قائد الانقلاب الذي سُجن منذ 1985 حتى مات في سجنة عام 2013.

راؤول ألفونسين

في البرازيل تجربة أخرى، قبل أن يغادر العسكر السلطة أصدروا قوانين تمنع ملاحقتهم، وظلوا متمتعين بنفوذهم وحصانتهم، ولم يظهر أول تحقيق في جرائم العهد العسكري إلا عام 2012، أي بعد 27 عامًا كاملة من التحول الديموقراطي التدريجي!

وتزداد صعوبة الحساب في الدول التي شهدت انقسامات أهلية وليست سياسية فقط، لهذا أصدر البرلمان اللبناني في ١٩٩١ قانونًا بالعفو عن كل الجرائم التي وقعت منذ 1975، ولهذا تكاد العدالة الانتقالية في جنوب أفريقيا تقتصر على توثيق الحقيقة والاعتراف مقابل العفو.

ثالثًا، ما هو السيناريو الممكن لنا لضمان الفوز أو الاستفادة منه؟

لنطبق القواعد السابقة على الحالة المصرية:

الخطوة الأولى، الهزيمة:

حدث هذا جزئيًا، سواء بالهزيمة الوطنية للنظام بقضية جزيرتي تيران وصنافير، أو هزيمته الداخلية بفعل الأزمة الاقتصادية.

لكن هذا بحد ذاته لا يعني شيئًا؛ هناك دول انهارت بأضعاف الوضع المصري ولم يحدث أي شيء. لا يزال عمر البشير يحكم السودان، ولا يزال موجابي مستقرًا على رأس زيمبابوي.

الخطوة الثانية، ضمانات نزاهة الانتخابات:

من الناحية السياسية، أهم خطوة هي أن ينجح البديل في عدم استفزاز النظام للتوحد ضده «بنيويًا»، وهي الظاهرة التي كانت من أبرز أسباب إسقاط الإخوان.

التوحد «بنيويًا»، يعنى توافر دافع شخصي، بغض النظر عن الأوامر، لدى كل مكون وفرد من النظام لمحاربة المرشح، مما سيؤدي إلى أن يتطوع كل نائب بتعديل قانون الانتخابات، وسيتطوع كل قاضٍ بطرد المندوبين، وكل ضابط بالتضييق على الناخبين، وسيتحمس كل مؤيد للنظام بالنزول للتصويت ضد البديل.

 هذا عامل حاسم جدًا، ويجب أن يكون أولوية قصوى في برنامج المرشح وخطابه وأسلوب حملته.

من الناحية التقنية يجب على المعارضة توحيد صفوفها للمطالبة بضمانات انتخابية، وعلى رأسها منع المساس بقانون الانتخابات الحالي، والذي يضمن حضور المندوبين للفرز داخل اللجان الفرعية، وهو من أغلى المكاسب الباقية لثورة يناير. هذا يصلح إطارًا واسعًا يتجاوز الخلافات الحزبية والحساسيات الشخصية.

ويمكن تصعيد الحملة لحِراك على الأرض على نمط «الجمعية الوطنية للتغيير» قديمًا، بحيث لا تقتصر على الإنترنت،  بل حملات توقيعات وطرق أبواب تجول المحافظات، بحضور تجمع من رموز وشخصيات تشكل غطاء سياسيًا للشباب الناشط.

بعدها، وحين تأتي الانتخابات، فالضامن الأهم على الإطلاق هو معادلة «مندوب مقاتل على كل صندوق».

في انتخابات الرئاسة 2012، قام مندوبو الإخوان بمراقبة كل لحظة بالتصويت، ثم حضور الفرز بكل لجنة، ثم، وعبر شبكة من غرف العمليات الفرعية والمركزية، جمعوا النتيجة داخليًا وأعلنوها مسبقًا، وجمعوا محاضر الفرز بتوقيعات القضاة في كتاب، وبناء على هذا، احتشدوا في الميادين لدعم مرشحهم الذي ثبت فوزه بالمستندات الحكومية نفسها، ما جعل التزوير ضده مستحيلًا تمامًا.
هذه الآلية هي فقط ما ستضمن النزاهة، أو تضمن بالمقابل توثيق التزوير وفضحه.

رغم صعوبة تكرار نفس السيناريو لدى القوى الديموقراطية التي لا تملك نفس القوة والخبرة والتمويل، وفي ظروف سياسية مختلفة، لكنه ليس مستحيلًا.

عدد اللجان الفرعية في مصر اليوم 11081 لجنة، ما يعني أننا نحتاج لـ11 ألف مندوب، بالإضافة إلى  نصف العدد على الأقل لأعمال لوجستية وإدارية ودعائية.

هذه الأعداد ضخمة بالنسبة لقدرات الأحزاب الحالية، لكنه في الواقع عدد محدود جدًا  بالنسبة لملايين الغاضبين أو الحالمين.
أول خطوة هي العثور على «الجنود»، وهذا سهل، وقد يكفي أن يفتح المرشح موقعًا لتلقي طلبات التطوع لتنهال علينا أرقام أكبر من المطلوب، كما أن كل الأحزاب بها آلاف الأسماء بقوائم عضوية معطلة، وسيكون استدعاء من يرغب منهم هو الأولوية.

في انتخابات 2014، لم يكن مندوبو صباحي يغطون أصلًا إلا نسبة محدودة من اللجان، ثم، وبعد التضييق عليهم، أعلنت حملته سحب المندوبين مع عدم انسحاب المرشح، بما يعني غياب إمكانية أي توثيق.. هذا نموذج لما لا نريده إطلاقًا

لكن الخطوة الأصعب هي «القادة»؛ عدد الكوادر ذوو الخبرة بإدارة حملة انتخابية ضخمة محدود للغاية. نحن هنا نتحدث عن إدارة ملفات مثل إنشاء غرف عمليات مركزية وفرعية، فرز وتدريب القيادات المحلية، تجنب الاختراق الأمني، شبكة الشخصيات ممن يشكلون مفاتيح القرى والأحياء مثل كبار العائلات والقبائل، شبكة مؤجري السيارات لنقل الناخبين من القرى، شبكة موردي الطعام لوجبات المندوبين، إلخ.

كما أن هذا العمل يتطلب تفرغًا كاملًا، والعديد من هؤلاء سمحت ظروفه سابقًا بذلك، لكن أحواله تغيرت الآن.

يجب أن تُسند إدارة الحملة لهؤلاء، وفقًا لمعايير صارمة وغير شخصية، كما يجب عدم استبعاد فكرة تخصيص جانب من التبرعات الأولى لتكون رواتب تفرغ لذوي الدور الإداري المحوري.

بدون آلة انتخابية تبلغ 16 ألف شخص على الأقل يوم الانتخاب، لا مجال للحديث عن منافسة أو ضغط أو حتى مراقبة جدية، وبدونها لا مصداقية لمن يدعي تزوير الانتخابات.

في انتخابات 2014، لم يكن مندوبو صباحي يغطون أصلًا إلا نسبة محدودة من اللجان، ثم، وبعد التضييق عليهم، أعلنت حملته سحب المندوبين مع عدم انسحاب المرشح، بما يعني غياب إمكانية أي توثيق، ثم بعد إعلان النتيجة أعلنت حملته قبول النتيجة وعدم قبول النسبة. هذا نموذج لما لا نريد تكراره مطلقاً، نتحدث عن «معركة انتخابية» تمنحنا نتيجة ملموسة. غياب قوة منظمة على الأرض سيحول أي مواقف خطابية إلى عبث لا أكثر.

نحتاج لغطاء سياسي جديد جذاب لملايين الغاضبين الجدد. بشكل مستقل، على كل حزب أن يجتهد في تغيير كل ما يمكن تغييره، الأسماء والشعارات والوجوه

بل بدون البدء المبكر في تأسيس هذه الآلة، ربما لن يمكن للمرشح الترشح أصلًا، لأنه يحتاج إما لتأييد ثلاثين نائبًا من البرلمان، أو جمع ثلاثين ألف توكيل من 15 محافظة، وهذه عملية ليست بالهينة أبدًا، وهناك تفاصيل تنظيمية معقدة وراء إيجاد ثلاثين ألف مواطن كل منهم سيذهب إلى الشهر العقاري، ويتحمل كلفة الرسوم، ويصمم على تجاوز احتمالية التعطيل المعمد.

من أين يأتي التمويل؟

أولًا: بشكل عام، فحملاتنا أقل في الكلفة، لأن العاملين بها متطوعون مجانًا، ربما باستثناء شاغلي المسؤوليات الإدارية التي تتطلب التفرغ الكامل.

ثانيًا: رغم أننا بالتأكيد سنواجه أزمة مالية، بسبب غياب الداعمين الكبار، وغياب ثقافة التبرع السياسي بمجتمعنا، لكن ربما نتمكن من تعبئة فئات دخلت الساحة مؤخرًا، وكان لها دور في جمع أربعة ملايين و700 ألف جنيه، كفالة متظاهري تيران وصنافير.

العديد من داعمي الثورة الشباب أو متوسطي العمر يعملون الآن بجهات مجزية ماليًا بمجالات حديثة، كأصحاب شركات ناشئة بمجالات التكنولوجيا وتطبيقات الهواتف الذكية، أو يعملون خارج مصر بشركات طاقة متجددة أو مواقع عالمية، ومن الممكن أن يساهموا في التمويل، لو توافرت شبكة من الناشطين الموثوقين بالحملة في الخارج.

 الخطوة الثالثة، تقديم البديل المقبول:

البديل ينقسم إلى غطاء سياسي، وإلى شخص مرشح الرئاسة.

أولًا، الغطاء السياسي:

لأسباب عديدة فقدت الأحزاب الحالية جاذبيتها، وكلٌ منها مُحمل بعبء تاريخي بسبب مواقف اتخذها، أو بسبب شخص مؤسسه.
نحتاج لغطاء سياسي جديد جذاب لملايين الغاضبين الجدد. بشكل مستقل، على كل حزب أن يجتهد في تغيير كل ما يمكن تغييره، الأسماء والشعارات والوجوه.

ثم، بشكل جماعي، يجب أن تتجمع الأحزاب والحركات تحت غطاء جديد. لا نتحدث هنا عن اندماج لأسباب معروفة، لكن نتحدث فقط عن تحالف على مطالب مشتركة، أقرب إلى جمعية وطنية للتغيير، تعيد إنتاج القوى السياسية المصرية، عبر معركة ضمانات الانتخابات كما شرحنا سابقًا.

ثانيًا، الشخص:

نعتقد أننا نحتاج شخصًا يجمع بين نقيضين؛ سياسيًا عليه أن يقدم صورة «رجل الدولة» ليكون مقبولًا لدى قطاعات أوسع، بما يعني أن يستخدم خطابًا إصلاحيًا، لكن بنفس الوقت، وحركيًا،عليه الحفاظ على أداء بالغ الثورية.

رغم أننا نتحدث عن مرشح بأقل سقف ممكن سياسيًا، لكن مطلوب منه بنفس الوقت أعلى ثورية ممكنة فيما يخص التخطيط والتحركات

سياسيًا، يجب أن يشعر أكبر قدر ممكن من داعمي النظام أن هذا المرشح، حتى إن كنا لا نفضله، لكنه لا يمثل خطرًا داهمًا علينا. يجب على المرشح أن يقدم خطابًا يجمع ويُطمئن، يركز على المستقبل، بعيدًا عن الأيديولوجيا أو الشعارات الثورية، بل برنامجًا يحمل أولويات الناس في الاقتصاد، والأمن، والصحة والتعليم، وتعزيز الحكم المحلي بالمحافظات.

كما يجب أن يسعى لتقديم نفسه كجزء من فريق رئاسي، يجمع السياسيين والخبراء التقنيين، يشمل وجوهًا معروفة وأيضًا يقدم وجوهًا جديدة جذابة.

ورغم أننا نتحدث عن مرشح بأقل سقف ممكن سياسيًا، لكن مطلوب منه بنفس الوقت أعلى ثورية ممكنة فيما يخص التخطيط والتحركات، لأنه سيُواجَه بكل ألاعيب النظام، بدءًا من إلغاء المؤتمرات، وتدبير الحوادث السخيفة ولو بتفاهة رش المياه، ومرورًا باعتقال مساعديه وأعضاء حملته، وانتهاء بتزوير الانتخابات بمختلف الطرق، كمنع الناخبين، أو طرد المندوبين، أو التزوير بالأرقام نفسها، أو المماطلة بإعلان نتيجتها. كل الاحتمالات مفتوحة.

أسلوب التعامل مع كل هذه الاحتمالات يحتاج شجاعة وتنظيمًا، كما يحتاج ميزانًا دقيقًا للغاية يميز بين قرار الاستمرار أو التراجع.

تزوير الانتخابات ضد مرشح فائز قد يكون لحظة مثالية للنداء العام للنزول للشارع وتكثف الضغوط الداخلية والخارجية، وقد يكون أيضًا لحظة للانسحاب لحقن الدماء وحفظ القوى لجولة أخرى، والاكتفاء بما تحقق من فضح وتدريب.

من هو المرشح؟

لن نتعرض لأسماء محددة، لكن نجمل المرشحين الذين يمكن بناء آلة العمل خلفهم بإحدى فئتين:

1- مرشح إصلاحي بوجه ثوري:

مرشح قوي قادم من دولاب الدولة نفسه، لكنه يقبل الدخول في شراكة حقيقية مع قوى التغيير، وعليه إثبات ذلك لأن الشباب لن يُضحوا لأجل من ليسوا مقتنعين به.

وهذا النوع من السياسيين هو غالبًا من كان يلعب دور وسيط الانتقال الديموقراطي في التجارب الدولية.

الفئات المرشحة لهذا السيناريو هم رجال مؤسسات الدولة غير المسلحة، مثلًا سفير سابق من الخارجية، أو مستشار سابق من القضاء، أو مسؤول سابق من وزارة المالية أو الاستثمار.

2- مرشح ثوري بوجه إصلاحي:

إذا كان المرشح واحدًا من المحسوبين على الثورة، سواء كان رمزًا شهيرًا أو قادمًا من الصف الثاني، فيجب عليه الحرص البالغ على إعادة انتاج نفسه بصورة «رجل الدولة». يجب أن يعي تمامًا أنه لا يدخل منافسة يزايد بها على رفاق الثورة، بل يستهدف اجتذاب سيادة اللواء فلان وسيادة المستشار علان أو عدم استعدائه، كما يستهدف اجتذاب ربة البيت التي تطبخ وهي تشاهده على التلفزيون قبل النوم.

***

الخطوة الرابعة: التفاوض والتنازل المتبادل

كما عرضنا سابقًا، تختلف تجربة كل دولة عن الأخرى عند هذه النقطة بناء على عوامل كثيرة، وإن كان من المؤكد أن تحولًا سلميًا يوفر ثمن الدماء، لابد أن يرافقه تفاوض وتنازل جزئي متبادل من مختلف الأطراف.

لو حدث أن خسر مرشحُ قوى التغيير بالجولة الأولى، ووصل مرشحٌ منافسٌ من داخل النظام للجولة الثانية، فلا بديل عن دعمه فورًا

يهمنا هنا أن نؤكد أن مجرد تغيير شخص الرئيس بالصندوق، حتى لو لم يتغير أي أمر جذري آخر، أيًا كان التنازل، وأيًا كان البديل، هو بحد ذاته خطوة كبيرة للأمام، لإقرار مبدأ إمكانية أي تغيير بالصندوق.

كما أنه لا يوجد شخص آخر بعد الرئيس عبدالفتاح السيسي سيأتي بصورته الأسطورية، بطلًا وضع رأسه على كفه كما يقول أنصاره، والقادم أيًا كان لن يستعين بنفس المجموعة الحالية من رجال السيسي الذين أُسندت لهم إدارة الملفات الإقتصادية والسياسية والإعلامية، وارتبطت بهم شبكات في أوساط مؤسسات الدولة ورجال الأعمال بعضها تكوَّنَ، وبعضها لا يزال في طور التكوين. إرباك هذه الشبكة قبل اكتمالها مكسبٌ في حد ذاته.

لذلك، فلو حدث أن خسر مرشحُ قوى التغيير بالجولة الأولى، ووصل مرشحٌ منافسٌ من داخل النظام للجولة الثانية، فلا بديل عن دعمه فورًا.

***

في النهاية، نود التأكيد على أنه في الواقع المؤلم الحالي فخسارتنا متحققة بالفعل، سواء على المستوى الشخصي، حيث يُطارد ويُسجن شبابنا، أو على المستوى السياسي، أو على المستوى الوطني بما تعانيه مصر كلها، لذلك فإن محاولة تخفيف وطأة الهزيمة في حد ذاته أصبح مكسبًا.

وانتخابات 2018، أيًا كانت نتيجتها، لن تكون نهاية المسار لو جرى التعامل معها بجدية، فالحملة والنشاط السياسي المصاحب لها قد يمثلان نواة لحِراك بالشارع أو بالانتخابات، وسيفيدان بالتحضير لانتخابات البرلمان أو المحليات، وبإنعاش قواعد الأحزاب، وربما المشاركة بانتخابات الرئاسة 2022 أيضًا، وما بعدها كذلك، فلا يأس مع السياسة.

لا أوهام بحل سحري قريب، ولا أحد يملك إجابات كاملة، ولا أحد يعرف هل الانفراجة قادمة بعد عام أو عشرة أو خمسين، لذلك فليس من المنطقي اليقين بالنصر النهائي أو الهزيمة النهائية. وإذا كانت الاحتمالات مفتوحة، فلنفعل ما بيدنا بناء على المعطيات الموجودة. لم ننتصر ولم ينتصروا ولم يُهزم الأمل.

_______________

هذا المقال جزء ثان وتالٍ لمقال أول نشر في موقع «التحرير» الإلكتروني بعنوان «أمل بلا أوهام.. 10 علامات قبل التغيير القادم في مصر».

اعلان
 
 
محمد أبو الغيط وعبد الرحمن منصور