Define your generation here. Generation What

بين أوتو شيلي وسالم عبد الجليل: كلهم مؤمنون، وكلهم كافرون

من ذكريات فترة عملي الصحفي في ألمانيا، والتي استغرقت قرابة الخمس سنوات، أن السيد أوتو شيلي، وزير الداخلية الاتحادية في حكومة المستشار جيرهارد شرودر، أراد أن يضع معيارًا افتراضيًا لجدية التزام المسلمين الألمان بدولة القانون الديمقراطية العلمانية، فقال إن المسيحي الملتزم في مجتمعنا يقبل – أي لا يغضب لدرجة اللجوء إلى العنف – إذا طعن أحد في شخص السيد المسيح، أو أنكر قداسته «عليه السلام»، و من ثم فعلى المسلمين أن يقبلوا – بمعنى ألا يغضبوا ويستخدموا العنف – إذا أُنكرت نبوة رسولهم محمد «عليه الصلاة و السلام»، أو طعن فيها أحد.

صدر هذا التصريح من أوتو شيلي في شهر فبراير عام 2002، أي بعد أقل من ستة أشهر على هجمات 11 سبتمبر الإرهابية على نيويورك وواشنطن، وفي ذروة حالة الذعر التي اجتاحت الدول الغربية وقتها من الإسلام والمسلمين، والتي كانت ألمانيا إحدى بؤرها الرئيسية، لثبوت مشاركة مسلمين سبقت لهم الإقامة في الأراضي الألمانية في تلك الهجمات، وهم المجموعة التي أطلقت عليها الأوساط الأمنية، ومن ثم الإعلامية، اسم «خلية هامبورج».

وسط تلك الحالة من الذعر، اندفعت الحكومات الغربية كلها لتشديد الأمن إداريًا وتشريعيًا، ومن ثم طُرحت قضية الحقوق الدستورية للمسلمين حاملي جنسيات هذه الدول، وهو ما أدى إلى دخول الجميع في حوار حول الشروط السياسية والثقافية (لا القانونية فقط) لاندماج المسلمين سلميًا في هذه المجتمعات الديمقراطية العلمانية، المحكومة بالقانون والملتزمة بالتعددية. وكان هذا هو السياق الذي وضع فيه أوتو شيلي معياره الافتراضي سابق الذكر، لقياس صلاحية المسلم الألماني لمواطنة بلاده.

ليس في مطلب شيلي إذن، نظريًا، ما يغضب المسلمين، لكن ما حدث أنهم غضبوا واحتجوا، لأنهم رأوا أن الوزير الألماني اختار افتراضًا بالغ الفجاجة وجارحًا لمشاعرهم

كان السياق إذن يبرر تصريحًا كهذا، خصوصًا وأن الوزير الألماني حرص على الإشارة إلى أن المسيح قد يهاجَم أو يُسَّب دون أن يؤدي ذلك إلى عنف من جانب المؤمنين به، وذلك قبل أن يدعو المسلمين إلى عدم اللجوء للعنف ردًا على من يتهجمون على نبيهم أو على دينهم، إذا حدث شيء من ذلك.

ليس في مطلب شيلي إذن، نظريًا، ما يغضب المسلمين الألمان، أو ما يغضب عموم المسلمين في العالم. لكن ما حدث أن المسلمين في ألمانيا وفي كل مكان آخر، غضبوا واحتجوا، لأنهم رأوا أن الوزير الألماني اختار افتراضًا بالغ الفجاجة وجارحًا لمشاعرهم، وأنه كان بإمكانه ضرب أمثلة أخرى لا تثير الاستياء، وأن إعلانًا بهذه الغلظة، في مثل هذه الظروف، يضر أكثر مما يفيد، لأنه قد يُعد تحريضًا للعنصريين الألمان على مواطنيهم المسلمين، كما قال وقتها الدكتور نديم إلياس رئيس المجلس المركزي للمسلمين في ألمانيا.

أتذكر أيضًا أن كثيرين من السياسيين والكتاب الاشتراكيين من حزب شيلي نفسه،  وكذلك المنتمين لحزب الخضر الشريك الأصغر في الائتلاف الحاكم آنذاك، ومن الجناح المعتدل في الحزب المسيحي الديمقراطي، شاركوا المسلمين في مآخذهم على وزير الداخلية، وأضاف بعضهم أنه ليس من اللياقة السياسية استخدام المنطق العقلي البارد غير المبال بالعواطف الدينية، في مثل هذا الظرف المشبوب بالقلق والتوجس في كل مكان. ولذا قدمت الحكومة الألمانية اعتذارًا رسميًا للحكومات الإسلامية الصديقة، ومن بينها الحكومة المصرية، فضلًا عن بيانات الاعتذار للمسلمين الألمان أنفسهم.

وكان من أهم المآخذ على الوزير الألماني وتصريحه، بعد الاتفاق على فجاجته، أن الحديث عن الخلافات في العقائد الدينية ليس ميدانه السجال السياسي، أو المجادلات الإعلامية، ولكن ميدانه البحوث الأكاديمية، ومنابر الوعظ الديني المغلقة على جماعة المؤمنين في كل دين. ومن هنا نفهم، أو نتفهم، سبب غضب المسلمين، وسبب تفهم غالبية الألمان أسباب غضبهم من تصريح أوتو شيلي، مع أن هؤلاء وأولئك يعلمون أن فريقًا كبيرًا من المستشرقين القدامى، ومن الباحثين المحدثين تخصصوا في الطعن على الإسلام ورسوله وتاريخه وحضارته بضراوة، تصل إلى حد إنكار نبوة محمد، واتهامه بأنه كاردينال آريوسي منشق، إلى غير ذلك من الاتهامات المماثلة أو القريبة.

كذلك يعلم المسلمون الذين غضبوا من شيلي أن جميع المسيحيين الملتزمين، وكذلك جميع اليهود، ينكرون أصالة الإسلام ونبوة محمد عليه الصلاة والسلام، مثلما يعلم المسلمون عن أنفسهم أن دينهم لا يقر بقاء المسيحي على مسيحيته، واليهودي على يهوديته بعد ظهور الإسلام، وأن على أولئك وهؤلاء اتباع النبي محمد، حسب وصايا أنبيائهم وفقًا للعقيدة الاسلامية ذاتها، ومثلما يعلم الجميع أن هناك عددًا كبيرًا من المستشرقين، والباحثين الغربيين المحدثين، ممن تحلوا بالموضوعية في تناولهم للإسلام دينًا وتاريخًا، وقضايا معاصرة، دون أن يكون هذا أو ذاك سببًا للعنف أو حتى للقطيعة، بما أن هذا النوع من المجادلات ظل محدودًا في الإطار الأكاديمي أو اللاهوتي أو الفقهي للمتخصصين.

قضيتي هنا هي حقوق المؤمنين بأي دين في احترام مشاعرهم وعقائدهم، في الخطاب السياسي والإعلامي في دولة القانون والمواطنة

يدرك القارئ بالطبع أنني أستعيد هذه الذكرى بمناسبة تفجر موجة جديدة من السخط العام في مصر، بعد تصريح الشيخ سالم عبد الجليل، أحد علماء الدين المصريين من رجال وزارة الأوقاف البارزين، بأن «المسيحيين كافرون، وأن مصيرهم إلى النار». وبالطبع لا يتوقع القارئ مني الانخراط في جدل فقهي مع الشيخ، فليس هذا تخصصي، ولا هذه قضيتي، ولمن شاء أن يتبحر فقهيًا في هذه المسألة أن يعود إلى مناظرات المرحوم المستشار محمد سعيد العشماوي مع المرحوم الشيخ عبد الحميد كشك، ولكن قضيتي هنا – مستهديًا بالذكرى الألمانية – هي حقوق المؤمنين بأي دين في احترام مشاعرهم وعقائدهم، في الخطاب السياسي والإعلامي، ولا أقول الأكاديمي والوعظي، في دولة القانون والمواطنة.

لذا أوجّه التساؤلات التالية إلى الشيخ عبد الجليل، ومن يوافقونه على منهجه، ولا أقول عقيدته: ألا تغضبوا من الطعن في عقيدة المسلمين وفي رسولهم وفي القرآن الكريم، من المتحدثين في القنوات التليفزيونية «المسيحية»، رغم أن من يفعلون ذلك هم من رجالات الصف الثالث والرابع في الكنائس؟ وماذا لو كان الطاعن من آباء الكنيسة المصرية الكبار؟ إذن تقيمون الدنيا ولا تقعدونها ساعتها. وألم نغضب جميعًا من القسيس الأمريكي الذي دعا لحفل لإحراق القرآن الكريم؟

كذلك ألم نغضب جميعًا من الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام في صحيفة دانماركية؟ وألم تندلع حملات لمقاطعة البضائع الدانماركية في جميع الدول الإسلامية؟ ودون تبرير للعنف أو التماس أعذار للإرهابيين الذين هاجموا صحفيي جريدة «شارل إيبدو» الفرنسية، ألم نشعر بالإهانة من عودة هذه الصحيفة، المرة بعد المرة، لنشر الرسوم المسيئة للرسول؟  ومن قبل، ألم يستبد الغضب بالمسلمين في مشارق الأرض  ومغاربها من رواية «آيات شيطانية» لسلمان رشدي، وذلك مع رفضنا للفتوى الخومينية بإهدار دمه؟

وأخيرًا، ألم نغضب من وصف الحاخام الاسرائيلي عوفاديا يوسف للمسلمين بأنهم خنازير وأفاع وصراصير، ملعونين من الله؟ وكذلك من تلك الفتاة اليهودية الحمقاء التي رسمت صورة غير لائقة للنبي محمد؟

لقد غضبنا من كل ذلك، رغم أننا ندرك مسبقًا أنهم ليسوا مسلمين، ولا يصدقون نبينا، أي أن غضبنا انصب على إهانتهم لمشاعرنا.

إن الرد التقليدي للمسلمين على هذه التساؤلات معروف، ولكنه مرفوض.

فإذا كان المسلمون يعتقدون أن دينهم هو الحق، ونبيهم هو الخاتم لرسل الله، فهذا حقهم الذي لا ينازعهم فيه أحد، ولكن كل المؤمنين بأي دين يعتقدون كذلك أن دينهم هو الحق، وما عداه باطل، وهذا أيضا حقهم الذي لا ينازعهم فيه أحد، أي أن أتباع كل دين يجزمون بأنهم وحدهم المؤمنون، وغيرهم كافرون، وهكذا فالجميع مؤمنون في نظر أنفسهم، وغيرهم كافرون. لكن هؤلاء المؤمنين في نظر أنفسهم، هم كافرون في نظر غيرهم، وهكذا فالكل بحسابات العالم الذي نعيش فيه مؤمنون عند أنفسهم، والكل أيضًا بحسابات هذا العالم كافرون عند غيرهم.

كفى توظيفًا للمشاعر الدينية وتهييجًا لها في السجال السياسي، للإلهاء ولتخويف الأقليات دفعًا لها إلى مزيد من الارتماء في أحضان السلطة

وبما أن الجميع مضطرون للعيش المشترك في العالم، وفي كل دولة على حدة، وفي كل مدينة داخل كل دولة، وفي كل شارع داخل كل مدينة، وكذلك داخل أماكن العمل، فإن البشر المتقدمين، المنتجين، اكتشفوا أن الحل هو دولة الحقوق المتساوية للجميع، أي دولة المواطنة، التي لا تطالب المواطن بتغيير عقيدته، ولكنها تفرض عليه احترام عقيدة الآخرين، وكما سبق القول، فإن الحديث في خلافات العقائد ليس ميدانه السجال السياسي والخطاب الإعلامي، ولكن مكانه قاعات البحث الأكاديمي، ومنابر الوعظ المغلقة على جماعة المؤمنين في كل دين، بل وأحيانًا في كل مذهب على حدة داخل الدين الواحد. لذا فالدولة المصرية التي سبق لها تجريم وضع شعارات التمييز الديني على وسائل النقل، عليها الآن أن تسارع لتشريع تجريم التهجم على العقائد في وسائل الإعلام العامة، دون مصادرة على حق البحث الأكاديمي، ودون مصادرة أيضًا على حق الوعظ بصحيح العقيدة لأتباع كل دين.

ولكي لا تكون منابر الوعظ هذه بابًا خلفيًا لإشعال حرب العقائد، فقد آن الأوان لمنع مكبرات الصوت خارج المساجد، إلا عند رفع الآذان للصلوات الخمس، علمًا بأن عويل الميكروفونات المتصارع في فضاء المدن والقرى المصرية بخطب الجمعة ليس له نظير في أية دولة مسلمة في العالم زرتها وصليت في مساجدها، لأن مصر بكل أسف تنفرد بما يمكن تسميته بـ«التدين الشعبوي الغوغائي».

بقيت بضعة رسائل: الأولى أوجهها للزملاء الإعلاميين، وللمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وهي: كفى توظيفًا للمشاعر الدينية وتهييجًا لها في السجال السياسي، للإلهاء ولتخويف الأقليات دفعًا لها إلى مزيد من الارتماء في أحضان السلطة، وكفى استغلالًا لهذه المشاعر في الخطاب الإعلامي، وفي السباق على أموال الإعلانات. أما الرسالة الثانية فلعموم المسلمين، وهي أن الأغلبية مطالبة دائمًا بالشعور بالمسؤولية نحو الأقليات. والرسالة الثالثة أوجهها للمسيحيين، وهي أنه في الوقت الذي عليكم فيه التمسك بكل حقوقكم المدنية والدينية، وفي مقدمتها احترام مشاعركم في الخطاب العام، فإن عليكم التوقف عن الاهتمام برأي الآخرين في إيمانكم.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد