Define your generation here. Generation What
من مفكرة صحفي في مهمة إلى سيناء: مع «مطاريد البدو» الذين أصبحوا «كتيبة الترابين»
 
 
، من اليسار: سالم لافي، وموسى الدلح، وشفيق موسى، وأحمد رجب. وسط سيناء، 2010. - المصدر: حسام فضل - صورة:
 

في اليوم التالي لنشر القصة، وفي طريقي لتناول الإفطار أشار لي عامل استقبال فندق «سويس إن» في العريش بتوتر ملحوظ. تقدمت خطوات باتجاهه، مال بجذعه عبر الكاونتر الفاصل بيننا وهمس في أذني بوجه شاحب: «أمن الدولة والمخابرات اتكلموا يسألوا عليك». طلبت منه نسخة الصباح من «المصري اليوم»، وما إن رأيت الصفحة الأولي حتى خمنت ما يحدث بالكامل. فعلى البرواز الأعلى إلى يسار الصفحة الأولى للجريدة اليومية الأكثر توزيعًا في مصر (وقتها) ظهرت صورة لبدو يحملون على أكتافهم أسلحة ثقيلة، في إشارة واضحة لخروج الأمر عن السيطرة بمعايير 2010، ضمن صور أخرى تضمنتها قصتي التي أرسلتها قبل يومين: «المصري اليوم» تعيش يوماً مع المطلوبين أمنياً من بدو سيناء.

سريعًا طلبت من زميلي في الرحلة، حسام فضل -رئيس قسم التصوير في جريدة «المصري اليوم» الآن- تجهيز حقائبه استعدادًا للمغادرة. وقبل مرور نصف ساعة كنا نستقبل عشرات المكالمات مجهولة المصدر، وأخرى من قيادات في الجريدة بعضها يطالبنا بالعودة إلى القاهرة حفاظًا على سلامتنا، والآخر يطالبنا باستقبال تلك المكالمات للإجابة عن أسئلة غامضة من جهات «سيادية» مجهولة. رفضنا تمامًا استقبال مكالمات الأجهزة، وساعدنا ودعم موقفنا وقتها رئيس التحرير، مجدي الجلاد، الذي تقبل قراري واستعدادي للحديث معه فقط بصفته رئيس التحرير.

كان المطلوبون أمنيا محاصرين في أعلى نقطة بوادي عمرو، في وسط سيناء. كل منهم يحمل فوق كتفيه أحكامًا قضائية تتجاوز لأصغرهم سنًا عشر سنوات، أحكامًا اعتاد النافذون في القبائل وقتها أن تجمدها الدولة لحين حاجة. وهو ما حدث بسبب حركة غير محسوبة من «سالم لافي»، لتخرج إلى النور عشرات الأحكام بالسجن لمئات السنوات، فيتجمع المطلوبون رغم اختلافات ضخمة بينهم، ويعتصموا بدهاليز صحراء يحفظون كل صخرة فيها ليسيّسوا قضيتهم ويقابلونني، صحفيًا شابًا يعرضون من خلاله حجتهم.

كان من الممكن وقتها لصحفي شاب ليس عضوًا بنقابة الصحفيين أن يمارس عمله في صحراء وسط سيناء.

أحمد رجب في المنتصف وإلى يمينه يظهر سالم لافي وفي أقصى يسار الصورة موسى الدلح على الهاتف. وسط سيناء 2010. - المصدر: حسام فضل

فوق الجبل قابلت ثلاث شخصيات رئيسية، لكل منهم سمت سينمائي خالص. لكل منهم حكاية ومحرك. تختلف الدوافع حتى التناقض، ولكن الأحداث المرسومة بغير عناية تجمعهم حلفاء وأصدقاء ومحاصرين سويًا، وتفرقهم أعداء حتى الموت، حرفيًا.

الأول: «موسي الدلح»، أقربهم لمكانة شيخ القبيلة، ولكن بلمسة أمريكية. يكتب الشعر، ويبحث عن اسمه على جوجل. يستمع للموسيقي تحت القمر والنجوم على كومبيوتر محمول موصل بشبكة إنترنت عابرة للحدود القريبة، بينما يضع الشاي فوق الحطب المشتعل ويفاوض بثقة وبأس واضحين ضابطًا بالمخابرات حاول تهديده باعتقال ابنه.

القبيلة هي الأساس بالنسبة له، وبفضل ثقافته الكبيرة بين أقرانه يستطيع حجز مكان مميز له داخل هيكلها. يعلم ذلك، فيبذل جهدًا ملحوظًا في الوصول لصورة له وخلفه مكتبة متواضعة وبين يديه كتاب، ويوصيني بنشرها مع قصتي الصحفية، فأجد فيها شيئًا مثيرًا وأنشرها مع القصة. سأتعلم أحد دروسي الأولي في الصحافة عندما يخبرني رئيس التحرير فيما بعد أن أكثر ما أثار غضب الأجهزة «السيادية» بعد صورة الصفحة الأولي هي صورة الدلح قارئًا. فكيف نصور البدو المطاردين مثقفين لا متهمين جنائيا؟

لاحقا ستنشر «المصري اليوم» مقالًا لموسى الدلح في صفحة الرأي (كان هذا أيضًا ممكنًا وقتها). ولاحقًا أيضًا سيتعاون موسى مع الأمن، ويتعاون الأمن مع موسى، في رحلة صعود جديدة تنتهي بتعيينه «منسق الشؤون الخارجية للبدو – مصنع أسمنت سيناء»، طبقا لبطاقته الشخصية.

يتورط الدلح في الدفاع عن سالم لافي، فتظهر الدولة في وجهه مجموعة تهم كانت محفوظة في أحد الأدراج في انتظار مناسبة، ثم تسقط التهم لأسباب غير معلومة ويرحل الشاعر بعد انتهاء الحصار في ٢٠١٠ باتفاق ما يبقي الأوضاع كلها على ما هي عليه، فالأحكام لم تسقط ولكنها لن تنفذ. يستقر في رأس سدر، في جنوب سيناء، ليباشر أعمال مقاولات معلنة، وأخرى في شمال سيناء غير معلنة، نعلم منها واحدة فقط: أعمال إنشاءات لحساب شريكه إبراهيم العرجاني، لصالح الهيئة الهندسية للقوات المسلحة المصرية.

بعد سبع سنوات، يتولى موسى اليوم إدارة الشق الإعلامي لحرب قبيلة «الترابين» ضد «داعش سيناء»، ويختم بياناته الصحفية بهاشتاج #جاري_الدعس. يرسل لي سلامًا مع زميل صحفي التقاه منذ أسبوع فأرد بأحسن منه، وأتذكر مكالمات قصيرة ورسائل قليلة بيننا طوال السنوات السبع الماضية. كيف تحرك موسى من كونه جزءً من قبضة الدولة، لمحاصر داخلها، لجزء من قبضتها مرة أخرى؟ أرسل لي رسالة في منتصف 2013: «أنا في الجنوب وأعمل في المقاولات وبطلت سياسة من زمان». ما الذي أعاد «أبو عمرو» موسي عبد الكريم الدلح إلى معركة الشمال، والسياسة؟ دفاعًا عن قبيلته وأرضه، يقول البعض. ويقول آخرون دفاعًا عن أعمال باتت تتم بصعوبة بعد ظهور «ولاية سيناء». ويتفق الجميع أن العودة لم تكن لتتم دون دعم وضوء أخضر من الأصدقاء القدامى.

الثاني: «سلامة فياض». قصير، ملامحه قاسية، قليل الكلام، وعندما يتكلم يمسح بيديه على لحيته غير المهذبة، أو يعدل الطاقية القصيرة البيضاء فوق رأسه، يتوضأ في البئر، ويصلي وحيدًا في الصحراء. كان الجميع يصلي، ولكن سلامة ظل يصلي وحيدًا لسبب لم أفهمه. سمته ومرادفاته السلفية كانت كافية للكشف عن هويته، وحكايته كانت أوضح: اعتقله الأمن طويلًا قبل ٢٠١٠ دون سبب، حسب كلماته، وإن كان تاريخه اللاحق سيحمل رواية مختلفة. وخرج بعد اتفاق معهم على العمل مرشدًا: «وافقت، ولما خرجت من المعتقل طلعت للصحراء، البدوي لا يشي عن بدوي للضباط». وبمرارة مختلطة بفخر كبير يروى لي في ٢٠١٠ ما يراه إنجازه الشخصي في لحظة سكوت نادرة لموسي الدلح: «وقت السيول خرجت سيارة إسرائيلية هامر عن مسارها وانقلبت في الأراضي المصرية، وجدت فيها خططاً وخرائط للجيش الإسرائيلي، سلمتها لأحد الضباط، وانتظرت عفواً رئاسياً عن الأحكام الغيابية، لم أنله حتى الآن».

لاحقًا سيتهم سلامة بتفجير قسم ثاني العريش بعد الثورة. يؤكد في حوارات صحفية متناثرة أنه لم يرتكبها، ولكن المحكمة تقضي عليه غيابيا بالإعدام في 2012، لتكتمل أسطورته بإجمالي أحكام تتعدى الـ100 عام سجنًا وحكم إعدام، في قضايا تهريب ومقاومة سلطات، وأخيرا تفجير قسم الشرطة. ستتطور الأحداث في سيناء وتختلف المواقف، أو تزداد وضوحًا ربما، حتى تحمل الرياح أخبارًا عديدة عن سلامة وقد أصبح أحد قيادات «أنصار بيت المقدس»، الذي لم يكن وقتها قد بايع تنظيم «الدولة الإسلامية» في الرقة. لا شيء ينفي الأخبار أو يؤكدها لي إلا بيانات لم أعتد التعامل معها باعتبارها حقيقة مطلقة بحكم التعود والخبرة. في مارس 2015 جاءني خبر مصرعه في اشتباك لم يكن يحمل فيه سوى «طبنجة» في وادي عمرو بوسط سيناء، حيث التقيته للمرة الأولى.

من اليسار: سلامة فياض، وموسى الدلخ، وأحمد رجب. وسط سيناء، 2010. - المصدر: حسام فضل

الثالث: «سالم لافي»، المهرب والمتمرد، رد السجون والمناضل. دراما مصرية خالصة تتكرر في الصعيد وسيناء بشكل خاص. مشروع «دون كورليوني» مصري، بدأ حياته في أعمال تهريب بسيطة، ستتطور وتنمو مع ازدهار «الحرب على الإرهاب» وازدهار تعاونه مع الداخلية، لتصل لذروتها في ٢٠٠٥، عندما ساعد الداخلية في القبض على إرهابيين في «جبل الحلال». بعدها ستفترق الطرق، ليتحول الشرير المقرب إلى شرير محكوم بالإعدام. يروي ما يراه مجدًا في لحظة الذروة: «كنت بزق (ادفع) باب مدير الأمن برجلي وأدخل أقعد»، قبل أن يكمل بتأثر كيف تعارضت المصالح: في 2009 التقط سالم صور جثتين لبدويين من سيناء اتهمت الترابين رجال الشرطة بتصفيتهما وإلقاء جثتيهما قرب الحدود مع إسرائيل، وأرسل الصور إلى القاهرة لتثير ضجة كبيرة. «لقينا جثث ناس مننا ملقاة على الحدود، صورناها وبعتناها لمصطفى بكري الذي أطلق حملة ضخمة».

انتهت الحملة علنًا في ٢٠١٠ بسجن سالم لافي بمجموعة تهم متنوعة، وانتهت ضمنًا بتدخلات ما وضعت نهاية فورية للمطالبات بكشف حقيقة مصرع البدويين، التي كان قد أطلقها مصطفى بكري على صفحات جريدة «الأسبوع» وتحت قبة البرلمان. ولكن البطل لا يرغب في نهاية عادية، سيهرب لافي من السجن بمساعدة أقارب وأصدقاء، فتطالب قيادات الأمن زعماء القبيلة بتسليمه، فيرفضون خوفًا من عار لا ينتهي، فيطارد الأمن كل من يستطيع مطاردته، ويتجمع المطاريد من قبيلة الترابين على اختلافاتهم.

وأكون هناك. وقتها كانت سيناء خشبة مسرح فارغة في انتظار من يلعب أدوار البطولة. فلا وجود حقيقيًا للدولة، ولا وجود لظلها، القبيلة، بعد أن قرر حبيب العادلي في 2005 تعيين شيوخ القبائل ليفرغ النسيج القبلي من أهم ما فيه: كلمة الشيخ وحكمته.

دراما مصرية تختلف أسماء أبطالها، وبعض تفاصيلها، ولكن تتشابه في كون شخوصها الرئيسية في معظمهم من ليسوا أشرارا أو طيبين. هم أشخاص حقيقيون تتقاطع مصالحهم وتفترق فيتحالفون أو يتقاتلون.

سالم لافي جلس إلى جانبي منذ سبع سنوات في سيارة لاند روفر، أرضيتها مليئة بكافة أنواع الأسلحة، ومر على سيارات الشرطة التي تعتقد أنها تحاصره في الجبل، وأصر على تحية الضباط الجالسين بجانب سياراتهم، بعد أن أخفى وجهه بتلفيحته كعادة أهل الصحراء. هو نفسه سالم لافي الذي لقي حتفه منذ أيام في حرب صغيرة تشنها قبيلة الترابين على داعش سيناء، نفس اللحم والدم، نفس الشجاعة، نفس الابتسامة المرسومة والوقفة الواثقة في الصور المنشورة له مؤخرًا، نفس حس السخرية المجنون، نفس الأسئلة الوجودية.

في ليلة من بين خمس ليالٍ قضيتها في الصحراء، جمعتني ثلاث منها مع لافي، قرر أن يدعوني للذهاب معه إلى مكان ما. خفت، ولكن الصحفي انتصر. بعد قليل اكتشفت أن المطلوب رقم 1 في سيناء، والمحاصر بأكثر من عشر سيارات أمن مركزي وعشرات الضباط، ذهب ليشتري دراجة نارية لممارسة هوايته المفضلة في قيادتها وسط الصحراء. ليلتها سألني: «هو أنا لو اتقتلت في اشتباك مع الشرطة الآن أكون شهيد؟». اعتقدت وقتها أن سالم يحاول التلاعب بي، يرسم صورة ملائكية لحربه ضد الشرطة. فالمعلومات عن تعاونه في السابق مع الشرطة لا ينكرها، والأقاويل عن ممارسته تجارة غير شرعية لا ينفيها، والإشارات عن أمواله طائلة لا يخفيها. يسيّس قضيته بذكاء فطري، وتمر القضية، والأيام، والسنون، ليختفي سالم لافي، ثم يظهر فجأة، ليقتل في «حربه على الإرهاب»، جنبًا إلى جنب مع الشرطة. مات كرجل عمليات كان يعلم مصيره، ولكنه لم يتوقع من أي جانب سوف تأتي الرصاصة.

اعلان