Define your generation here. Generation What
سر «البركة» في رمال العاشر من رمضان: «الناس بتتعلق بأي حاجة تحسسهم إن ربنا شايفهم»
 
 
صورة: David Degner
 

في أرض فضاء تقع بالمجاورة 66 بمدينة العاشر من رمضان، يقف رجال ونساء وأطفال، من أبناء المدينة ومن خارجها، يحفرون ويجمعون الرمال بعد أن انتشرت على مدار الأيام الماضية حكايات عن سر تلك الرمال ذات الرائحة العطرة، رغم أكوام القمامة المتراكمة بجوارها في مقلب للنفايات.

دعم التناقض بين ما تراه العيون وتشمه الأنوف روايات المتوافدين على الأرض الخالية من أجل الحصول على حفنات من الرمال ليحتفظوا برائحة لا تتبدد. البعض عزا الرائحة لاحتمالية أن تكون رفات رجل صالح أو شهيد ترقد أسفل الرمال أو تجسد لهبة ربانية في رمال العاشر من رمضان، حسبما فسر بعض زوار المكان لـ«مدى مصر».

صورة: David Degner

يتحدث سعيد محمد، عامل بمصنع سجاد بالمدينة، لـ«مدى مصر» بينما تستقر حفنة من الرمال بين كفيه: «أخدت شوية وسخنتهم على النار في ميه، طبيعي أن لو فيه مواد دهنية هتسبح على الوش، وده حصل  فعلا. بس الرمل فضل ريحته حلوة عشان كده حطيت شوية منه في البيت عندي».

يبحث محمد عن مبرر علمي لرائحة الرمال فلا يجد، فيقدم تفسيره الخاص: «عرفت إن عمرو بن العاص دخل مصر من المنطقة دي، القريبة من بلبيس. يمكن حد من اللي (كانوا) معاه مات واتدفن هنا والشهيد عادة جسمه بيطلع ريحه حلوة».

كان بعض الصبية يحفرون بتلك المنطقة، حيث اكتشفوا الرائحة المميزة للرمال، التي يجاورها مقلب قمامة يهيم فيه الذباب على مخلفات آدمية وجيف الحيوانات.

تتجول أتوبيسات وسيارات بحثًا عن مكان «الرمل المُبارك»، حسبما يسميه الأهالي. يقول سائق أتوبيس، يعمل بإحدى الجمعيات الخيرية بالمدينة: «تاني مرة آجي آخد رمل لأن اللى عندي اتوزع كُله».

تجاورت الحُفر بهذه الأرض على مساحة حوالي 20 متر مربع. يزيد عمق بعضها عن المترين، بينما وضعت جذوع أشجار ومخلفات هدم لمبانٍ فوق مساحات من الرمال المُعطَّرة. كانت شاحنات ضخمة تابعة لجهاز مدينة العاشر من رمضان نقلت هذه المخلفات، على حد قول حارس يعمل بالقرب من المكان لـ«مدى مصر».

صورة: David Degner

يقول المهندس عادل النجار، رئيس جهاز العاشر من رمضان، لـ«مدى مصر»: «نحن شعب يحب المغامرات والمفاجآت. انفلات أخلاقي وأمني من مصنع صابون لديه تشغيلة غير مطابقة للمواصفات وبدلًا من التخلص منها ألقاها في أقرب قطعة أرض خالية». ويؤكد النجار أنه لا يمكن محاسبة المسؤول عن إلقاء مخلفات صناعة الصابون، موضحًا: «ما يفعلوه من جرائم تشبه سرقات اللصوص، يتم محاسبة من يتم القبض عليه فقط».

يشكك بعض السكان في تفسير جهاز مدينة العاشر من رمضان لسرّ رائحة الرمال. يقول أحدهم، طلب عدم ذكر اسمه، لـ«مدى مصر» إن مصدر الرائحة ليس مخلفات مصنع صابون، موضحًا: «مهما أغسل إيديا الريحة الحلوة مش بتروح، لو صابون زي ما بيقولوا مش المفروض يروح لما نغسل إيدينا. الريحة لسه موجودة مهما حاولوا يردموا عليها». ويتابع: «بقالي أكتر من سنة (هنا) وأول مرة أشمّها، واللي حصل إن العيال كانت بتلعب وتحفر فطلعت الريحة»، مضيفًا أن جهاز المدينة كان يجب عليه أن يحمي المنطقة «المباركة»، بدلًا من وضع مخلفات بناء وجذوع أشجار بها. مؤخرًا، تطوع شاب لرفع جذوع الأشجار ومخلفات البناء، لتعاود الرائحة الانتشار بالمنطقة، حسبما يؤكد زوارها.

في مشهد مغاير لأجواء «البركة» والبحث عن أسرار الرائحة، وقف بعض الشباب يتهكمون على النساء الراكعات للحفر وهن يطلبن المساعدة من أطفال المنطقة ليحضروا لهن أكياسًا بلاستيكية لتعبئة الرمال. يقول أحد الشباب: «لو (شهيد) من حرب أكتوبر، ليه رملة سيناء مش ريحتها صابون زي هنا!».

صورة: David Degner

حضرت سيدة ثلاثينية من مدينة بلبيس حاملة رضيعها لتحصل على بعض من الرمال المُعطرة، وقالت لـ«مدى مصر»: «في حاجات بتحصل شبه كده وبتكون جهل طبعًا. كل ما تحفري الريحة تزيد، كمية صابون ولا شامبو إيه اللي تعمل كده بالعقل يعني؟ لو عايزة الحق الناس بتتعلق بأي حاجة تحسسهم أن ربنا شايفهم وحاسس بيهم».

رغم سخرية الشباب وتصريحات رئيس جهاز مدينة العاشر من رمضان عن جريمة ارتكبها مجهولون بإلقاء مخلفات مصنع الصابون، إلا أن زيارات المواطنين للمجاورة رقم 66 لم تتوقف. ولا تزال كميات من رمال المنطقة تُسحب للاحتفاظ برائحة لا يريد الناس معرفة سببها بقدر ما يبحثون عن سَرّ غامض للتبرك به.

اعلان
 
 
كارولين كامل