Define your generation here. Generation What
مصر والسودان.. المواجهة تتصاعد
 
 

دون الكثير من المواجهات العلنية، تتفاعل أزمة كبيرة بين مصر والسودان على خلفية عدد من الملفات يدور أغلبها حول قضية السيادة على مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد.

وفي الوقت الذي كسر فيه السودان عادته السنوية بإرسال اعتراض دوري لمنظمة الأمم المتحدة على ترسيم الحدود المفترض مع مصر، وأودع للمرة الأولى، في مارس الماضي، مذكرة اعتراض رسمية تتضمن خطوط الأساس لحدوده الشمالية، أدرجت المثلث من ضمن الحدود السودانية. ردّت مصر على هذه الخطوة بخطاب موقع بتاريخ 4 مايو الماضي، اعترضت فيه على المذكرة السودانية.

وقالت الخارجية في ردها: «تعلن جمهورية مصر العربية عن رفضها وعدم اعترافها بأي إجراء -أياً كانت طبيعته- صدر أو قد يصدر مستقبلاً عن السودان وكذا أي اتفاق دولي أبرمه السودان أو قد يبرمه مستقبلاً مع أي طرف آخر من شأنه المساس بسيادة مصر على إقليمها البري أو البحري شمال خط عرض 22 درجة شمال»، ورفض البيان الوصف الذي ورد في المذكرة السودانية بأن وجود القوات الحكومية المصرية في المثلث يعد بمثابة «احتلال عسكري».

كان وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور قد قال في يناير 2016، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره المصري، إن حلايب وشلاتين أراضٍ سودانية، وذكّر إن السودان لجأ إلى مجلس الأمن الدولي لتقديم شكوى ضد مصر منذ 9 فبراير 1958، مضيفًا أن المندوب المصري في مجلس الأمن آنذاك قدم طلبًا للمجلس لإيقاف التحقيق في القضية، بدعوى أن مصر ستقوم بحلها مع السودان.

فيما نقلت صحيفة سودان تربيون، منذ أيام، عن وكيل نقابة المحامين السودانيين، عثمان محمد الشريف، قوله إن «الإعلان الذي أودعته الخارجية السودانية الأمم المتحدة في مارس الماضي بموجب قرار جمهوري، أرادت الخرطوم من خلاله سلوك طريق ثالث بعد أن رفضت القاهرة خياري التفاوض المباشر والتحكيم الدولي».

وتابعت الصحيفة نقلًا عن الشريف: «اتفاقية قانون البحار في عام 1982 التي وقع عليها السودان ومصر تلزمهما بالمثول أمام المحكمة المختصة بالنزاعات الحدودية في البحار والمحيطات».

في الوقت نفسه، قال دبلوماسي مصري لـ «مدى مصر» إن مصر قد أصرت أثناء التفاوض مع السعودية حول ترسيم الحدود المائية (قبل توقيع اتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية التي تم بموجبها التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير) أن يتم الترسيم ابتداءً من خطوط الجنوب إلى الشمال لضمان تضمين خط 22 عرض ضمن الحدود المصرية، وذلك رغم علمها بوجود تفاهمات قانونية بين الخرطوم والرياض تشمل اعتراف الأخيرة بأن مثلث حلايب هو مثلث سوداني.

وأضاف المصدر، الذي تحفظ على ذكر اسمه، أن القاهرة تعلم أنه في حال لجوء السودان للتحكيم الدولي فإن السعودية ستكون ملزمة بتفاهماتها الثنائية مع السودان. هذا إلى جانب التقدير الرسمي بأن السعودية توفر للسودان بالفعل الدعم المالي للحصول على الخبرة القانونية لضمان سلامة المسار القانوني واستصدار حكم لصالحه.

وهنا، يعلق أستاذ القانون الدولي العام وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، أيمن سلامة، قائلًا لـ «مدى مصر»، إن «السودان أرسل للمرة الأولى وبشكل منفرد تصوره عن خطوط الأساس والحدود البحرية السودانية قبالة مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد، والإجراء الذي اتبعته مصر بإرسال ردها إلى الأمم المتحدة هو إجراء سليم قانونًا، يأتي ردًا على الإجراءات غير القانونية التي تتخذها الدول الأجنبية وتنتهك قواعد القانون الدولي والقانون الدولي للبحار، تحديدًا الجمهورية السودانية».

وأضاف سلامة: «ما فعله السودان هو انتهاك جسيم لسيادة الدولة المصرية المستقلة وتعدي على حدودها السياسية والإقليمية التي سبق لمصر وأن أثبتتها بقرار رئيس الجمهورية عام 1990 وأرسلته إلى الأمم المتحدة. وتجاهل السودان الحقائق القانونية والقواعد المادية الراسخة منذ استقلالها عام 1956 عن الإدارة البريطانية-المصرية، بأن حدود مصر الجنوبية تقع جميعها جنوب خط عرض 22، وهذا هو الحد الفاصل بين الدولتين. ويدرك السودان جيدًا أن هذا الحد ممتد دون انقطاع أو تقطع حتى ساحل البحر الأحمر، ومن ثم فإن كل المثلث والمياه الإقليمية المواجهة له تؤول إلى الإقليم المصري. بكلمات أخرى، إن تشبث السودان بالحدود الإدارية التي تأسست عام 1958 لا يمكن الاستناد عليها كحدود سياسية، وحدها الحدود السياسية والخرائط السياسية هي التي تعكس سيادة وحدود الدول، ولم يحدث قطعًا أن تحدد الحدود الإدارية ذلك».

مستوى المناكفات بين البلدين لم يتوقف عند المواجهات الدبلوماسية في أروقة الأمم المتحدة، بل اتجه السودان للتصعيد على مستوى آخر خلال الشهر الماضي. وبحسب مصدر حكومي مصري، رفض الكشف عن هويته، فإن قوة من الجيش السوداني اخترقت منطقة حلايب وشلاتين، واختطفت ثلاثة موظفين مصريين يعملون في شركة مسجلة كشركة قطاع خاص، كانوا يعملون على تركيب أجهزة لمراقبة الحدود وكشف المهربين، واقتادتهم إلى السودان وتحفظت عليهم.

وفي سياق أسلوب المعالجة المصري الهادئ نسبيًا، حاول وزير الخارجية، سامح شكري، التدخل للإفراج عن الثلاثة المحبوسين، وكان في طريقه إلى الخرطوم نهاية الأسبوع الأول من الشهر الماضي، إلا أنه، وبشكل مفاجئ، تم إلغاء الرحلة، وقالت الخارجية حينها إن ذلك بسبب سوء الأحوال الجوية.

لكن المصدر الدبلوماسي أكد لـ «مدى مصر» أن شكري تلقى معلومات في اللحظة الأخيرة أن الأجهزة السودانية لن تفرج عن الموقوفين الثلاثة، وبناءً عليه تم تأجيل السفر، حتى عاد وسافر في ما بعد، وسلم الرئيس السوداني عمر البشير رسالة من نظيره المصري، فيما لا يزال ملف الموقوفين الثلاثة معلقًا.

بعد أيام قليلة من زيارة شكري، منعت مصر الصحفي السوداني، الطاهر ساتي، من دخول أراضيها، وأعادته إلى السودان مرة أخرى. وقالت صحيفة الانتباهة السودانية في تقرير عن الواقعة إن هناك «قائمتان للمخابرات والأمن المصري تحتويان على مجموعات كبيرة من الإعلاميين والصحفيين السودانيين في القائمة السوداء المحظورة من دخول الأراضي المصرية»، مشيرة إلى أن «السلطات السودانية تعد الآن قائمة بأسماء إعلاميين مصريين محظورة من الدخول في السودان للتعامل بالمثل».

لم تكد تمر 24 ساعة على إبعاد ساتي، حتى تكررت الواقعة مع الصحفية السودانية، إيمان كمال الدين، التي منعتها سلطات الأمن بمطار القاهرة من دخول مصر لحضور دورة تدريبية.

وفي هذا السياق، لم يكن القرار، الذي اتخذته الخرطوم بضرورة حصول الذكور من سن 18 إلى 50 عامًا على تأشيرة دخول للسودان، مفاجئًا. ورغم التصريحات الرسمية من الجانبين بأن هذه الخطوة جاءت تطبيقًا لمبدأ المعاملة بالمثل، فإن بعض الآراء لا تزال ترى الأمر على أنه «مساعي سودانية لازعاج مصر».

وكان الرئيس السوداني عمر البشير كرر في حواره مع قناة العربية مطلع ديسمبر 2015، إصرار دولته على التحرك الأممي ضد مصر ردًا على قيام الأخيرة بإجراء الانتخابات البرلمانية في منطقة مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد المتنازع عليه بين الدولتين. فيما كان السودان قد أعلن في نهاية 2014 المنطقة نفسها كدائرة انتخابية، وأنه سيجري الانتخابات البرلمانية والرئاسية السودانية فيها.

لم تنجح الضغوط السياسية التي سعت القاهرة لممارستها على الخرطوم عبر منصات دبلوماسية عدة في إحداث تحريك في الموقف السوداني، بل إن الخرطوم اتهمت مصر بأنها تسعى لإثارة القلاقل عبر دولة جنوب السودان، وأنها تسعى إلى تقويض النظام السياسي في السودان عبر دعم تمديد عقوبات مفروضة عليه في مجلس الأمن، وهو ما نفته القاهرة.

وردت الخارجية المصرية على الاتهامات السودانية قائلة إن «الجانب السوداني استفسر من خلال القنوات الدبلوماسية عن صحة ما نما إلى علمه في هذا الشأن، وأن السفارة المصرية في الخرطوم أوضحت للأخوة السودانيين بما لا يدع مجالا للشك أن مصر -اتساقا مع نهجها الدائم- تتبنى المواقف الداعمة لمصلحة الشعب السوداني، سواء خلال مداولات مجلس الأمن أو لجان العقوبات المعنية التابعة له».

وفي الوقت الذي تستمر المناكفات بين البلدين محكومة برؤية مصرية بضرورة معالجة الأمر دون تجاذبات عنيفة وعلنية، ربما بسبب احتياج القاهرة لدعم الخرطوم في ملف سد النهضة الأثيوبي. تتخذ المواجهة منحنى صاعدًا، ليس واضحًا معه إن كان الهدوء الذي تعتمده القاهرة سيستمر أم لا.

اعلان
 
 
أسمهان سليمان