Define your generation here. Generation What
قانون الاستثمار: ولادة برلمانية متعسرة وخلافات حكومية مؤجلة
 
 

وافق مجلس النواب أمس اﻷحد على مشروع قانون الاستثمار الجديد، المقدم من الحكومة، ليتبقى تصديق رئيس الجمهورية عليه وإصداره ليصبح ساريًا، غير أن عملية تمرير القانون في البرلمان شهدت حالة من الشد والجذب بين أطراف عدة، وهي الحالة التي لم تنته بالموافقة على القانون، بل تم تأجيل بعض تفاصيلها إلى وقت لاحق، ليظل معها عدد من اﻷسئلة قائمًا حول التغيير الذي سيحمله القانون لبيئة الاستثمار.

كانت رئيس مجلس النواب، علي عبد العال قد أحال مشروع القانون إلى لجنة مشتركة من لجنة الشؤون الاقتصادية، ومكاتب لجان: الشؤون الدستورية والتشريعية، والخطة والموازنة، والصناعة، والإدارة المحلية، في فبراير الماضي، وهي اللجنة التي أدخلت تعديلات على المشروع بعد مناقشات مع ممثلي الوزارات والهيئات الحكومية المختلفة، قبل أن تعيد المشروع إلى رئيس المجلس في 30 أبريل الماضي، والذي عرضه على الجلسة العامة للبرلمان لتوافق عليه مبدئيًا مرتين، في جلستي 2 و4 مايو الجاري، قبل أن توافق عليه في صورته النهائية في جلسة اﻷمس؛ 7 مايو.

وما بين الموافقات المبدئية والموافقة النهائية، شهد المجلس انعقاد أكثر من اجتماع ما بين رئيس البرلمان وأعضاء اللجنة الاقتصادية، ورؤساء الهيئات البرلمانية، وممثلي وزارات المجموعة الاقتصادية، وهي الاجتماعات التي ساهمت في الوصول للصيغة النهائية للقانون التي وافق عليها البرلمان.

خلافات وتدخلات

في نسخته التي انتهت إليها اللجنة البرلمانية المشتركة، والتي سبق ووافقت عليها الجلسة العامة بصفة مبدئية مرتين، نص مشروع القانون، في المادة 9 من مواد الإصدار، على أن يصدر «الوزير المختص بشؤون الاستثمار» اللائحة التنفيذية للقانون، إلا أن وزير شؤون مجلس النواب، عمر مروان، تقدم بمقترح في جلسة اﻷمس، اﻷحد، بإعادة المداولة على تلك المادة بعد تعديلها ليصبح إصدار اللائحة التنفيذية بقرار من «رئيس مجلس الوزراء بناءً على عرض الوزير المختص، وبعد موافقة مجلس الوزراء»، وهو المقترح الذي تمت الموافقة عليه في النهاية، ليصدر به القانون.

ولم يكن مقترح مروان خلال جلسة التصويت اﻷخيرة هو التعديل اﻷول الذي تطلبه الحكومة.

فخلال جلسة الثاني من مايو، وبعد أن وافق البرلمان على مواد القانون، طلب وزير شؤون مجلس النواب إعادة أربع مواد في القانون للجنة الاقتصادية لتعيد دراستها، وهو الطلب الذي وافق عليه عبد العال، معلنًا موافقة البرلمان مبدئيًا على القانون باستثناء المواد اﻷربعة: 11، والخاصة بالإعفاءات والحوافز الضريبية، و12، والمتعلقة بالشركات التي تستحق إقرار حوافز خاصة لها، ومادتي المناطق الحرة الخاصة 31، و42.

في اليوم التالي، اﻷربعاء، عقدت اللجنة الاقتصادية اجتماعًا بحضور وزراء: المالية، والصناعة، والاتصالات، وشؤون البرلمان، والذين اختلفوا مع أعضاء اللجنة، وأبدوا إصرارًا على عدم نقل ولايتهم على التراخيص والموافقات للهيئة العامة للاستثمار.

كان مشروع القانون المقدم من الحكومة، والذي وافق عليه مجلس الوزراء في 29 سبتمبر الماضي، قد نص في إحدى مواده على أن تنشأ بالهيئة العامة للاستثمار وحدة إدارية تسمى «النافذة الاستثمارية» «تختص بتلقي طلبات المستثمرين وعرضها على الجهات صاحبة الولاية بشأن التصرف في العقارات، والجهات المختصة بإصدار الموافقات والتصاريح والتراخيص بأنواعها … للبت فيها»، وهي المادة التي استبدلتها اللجنة المشتركة في البرلمان بمادة أخرى تقضي بإنشاء وحدة باسم «مركز خدمات المستثمرين»، تتولى، من ضمن مهامها، «تلقي طلبات المستثمرين لإصدار الموافقات والتصاريح … والبت فيها… ويضم المركز ممثلين عن الجهات المختصة بحسب القوانين المنظمة، ويخضع ممثلو تلك الجهات لإشراف الهيئة خلال فترة تواجدهم بمركز خدمات المستثمرين ويلتزمون بالقواعد والضوابط التي يضعها مجلس إدارة الهيئة لتنظيم عمل المركز».

بالعودة لاجتماع اﻷربعاء، لم تسفر مناقشات أعضاء اللجنة الاقتصادية مع ممثلي الحكومة عن شيء، ما ترتب عليه فض الاجتماع، ليحضر رئيس الوزراء شريف إسماعيل عصر اليوم نفسه إلى مكتب رئيس البرلمان، ويعقدا اجتماعًا مغلقًا بحضور رئيس اللجنة الاقتصادية عمرو غلاب، ورئيس ائتلاف دعم مصر محمد السويدي، وهو الاجتماع الذي انتهى إلى تأجيل التصويت النهائي على القانون لحين السيطرة على الخلاف بين الوزراء على صلاحيات كل منهم، وفي جلسة الخميس، أبدى كلًا من السويدي وغلاب اعتراضات على مطالب الحكومة بتعديل مواد القانون، قبل أن يعلن رئيس البرلمان عن تأجيل التصويت النهائي على القانون لجلسة اﻷحد 7 مايو.

بحلول اﻷحد، وقبل جلسة التصويت على القانون، عقد رئيس البرلمان اجتماعًا حضره وزيرا المالية والشؤون القانونية، إلى جانب رؤساء الهيئات البرلمانية، تضمن عرض مطلب رئيس الوزراء بتعديل الصيغة النهائية للقانون، قبل أن تبدأ الجلسة بالفعل، وسط هدوء ملحوظ أثناء عرض القانون على النواب، ودون أن يعترض السويدي أو غلاب، ليوافق المجلس بأغلبية ثلثي الأعضاء، وقوفًا، على مشروع القانون.

عقب التصويت على القانون، قال رئيس البرلمان: «الحكومة أخذت كل ما تريد، وننتظر الاستثمارات وسنحاسب الحكومة»، وهو ما اعتبره النائب محمد فؤاد: «كسرًا لإرادة البرلمان ونسفًا لمواد القانون»، موضحا لـ «مدى مصر» أن الاستجابة لطلب الحكومة وتعديل القانون بمنح رئيس الوزراء سلطة إصدار اللائحة المفسرة لمواد القانون، بعد تصويت النواب عليه، يعد تحايلًا على إرادة نواب البرلمان، فضلًا عن تأكيده على استمرار الخلافات والصراعات عند تطبيق مواد القانون، خاصة وأن رئيس الوزراء لم يستطع الوصول إلى صيغة توافق حول مواد القانون خلال مرحلة إعداده، ومن ثم، بحسب فؤاد، لا يوجد دليل على تمكنه من حسم هذا الخلاف وقت إعداد اللائحة.

كان رئيس الوزراء قد أكد في تصريحات صحفية أنه لا توجد خلافات داخل الحكومة في ما يتعلق بقانون الاستثمار، وأن هناك وجهات نظر تم تبادلها، لافتا إلى أن قانون الاستثمار عرض على اجتماع الحكومة وتمت الموافقة عليه ثم أرسل لمجلس الدولة ثم تم إرساله البرلمان وناقشته اللجنة الاقتصادية وتم إحداث تعديلات في 65%‏ من مواد الإصدار، وتم تغيير و75%‏ من مواد القانون إجمالا، وهو ما دفع الحكومة للمطالبة بإعادة المداولة في ما يتعلق ببعض المواد خاصة المادة التاسعة. فيما قدم رئيس الوزراء الشكر لرئيس مجلس النواب وأعضاء المجلس ولأعضاء اللجنة الاقتصادية لاستجابتهم وإصدارهم للقانون.

من جانبه، اعتبر عضو اللجنة الاقتصادية بالبرلمان، محمد بدراوي، أن إقرار البرلمان للقانون دون حسم خلافات الوزراء حول اختصاصاتهم يحكم عليه بالفشل قبل تطبيقه، ويعلن «تطفيش» ما تبقى من مستثمرين في مصر.

وأضاف قائلًا لـ «مدى مصر»: «الحكومة قدمت قانون الاستثمار للبرلمان لتثبت للجميع أنها أسوأ حكومة شهدتها مصر منذ 40 عاما»، وبحسب ما قال، كشف القانون عن حالة التنافر وعدم التنسيق والخلاف إلى حد «العراك» بين وزراء المجموعة الاقتصادية،

وقال بدراوي إنه بعد إقرار البرلمان للقانون، سيكون على المستثمر أن يفكر ألف مرة قبل أن ينوي الدخول كطرف في خلاف الوزراء مع بعضهم على الصلاحيات، محددا جوهر النزاع حول القانون في المادة رقم 20، المتعلقة بولاية الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة على استصدار كافة التراخيص والموافقات والتصاريح المتعلقة بالاستثمار.

مصير القانون الحالي

في الجلسة السابقة على الإقرار النهائي انتقد الدكتور علي عبد العال القانون، وقال: «لو خرج القانون سيكون مصيره مثل مصير القانون الحالي»، وهو ما اتفق معه الدكتور سلامة فارس، المستشار القانوني الأسبق للهيئة العامة للاستثمار، موضحا لـ «مدى مصر» أن كواليس إصدار القانون الجديد لا تختلف عن كواليس إصدار قانون الاستثمار الذي صدر من أجل المؤتمر الاقتصادي.

كان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد أصدر قانون الاستثمار الحالي في 12 مارس 2015، قبل 24 ساعة من مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري الذي احتضنته مدينة شرم الشيخ.

واعتبر فارس أن مسودة القانون الحالي التي وافقت عليه الحكومة كانت مليئة بالأخطاء والتناقضات، مضيفًا أنه رغم تعديل اللجنة الاقتصادية 75% من مواده، إلا أن القانون ما زال به تناقضات.

واستكمل: “على الجميع الانتظار إلى ما بعد تصديق الرئيس على القانون ونشره في الجريدة الرسمية ليقفوا على الصياغة النهائية التي صدر بها القانون، خاصة وأن الوزراء أثاروا هجومًا على المادة الخاصة باللائحة، لتتصدر المشهد، في حين لم يتضح موقف البرلمان مثلًا من المادة الخاصة بالمشروعات التي ستعفى من الموافقات والتراخيص، لتحصل على موافقة واحدة من رئيس الوزراء بكل الأنشطة”،

كانت اللجنة الاقتصادية قد حذفت المادة الخاصة باستثناء مشروعات بعينها من إجراءات إصدار التراخيص، وصدور لها موافقة واحدة على كافة أنشطتها من رئيس الوزراء، معتبرة أن تلك المادة تتضمن تفرقة بين المستثمرين، لكونها تطلق يد رئيس الوزراء في استثناء شركات القطاع العام وقطاع الأعمال العام بل والقطاع الخاص من كافة التراخيص بدون معايير واضحة، إلا أن رئيس مجلس النواب طالب اللجنة، في جلسة الثلاثاء الماضي، بإعادة تلك المادة إلى للقانون، لتضمنها امتيازات خاصة للمشروعات الاستراتيجية والقومية.

كما أضاف فارس أن تبعية الموظفين الذين سيعملون في مراكز خدمات المستثمرين التي استحدثها القانون لم تتحدد، ومن ثم «فلا يمكن أن نعرف الفرق بين القانون الجديد للاستثمار والقانون الحالي، إلا بعد تصديق الرئيس السيسي عليه أولا ثم انتظار إصدار اللائحة التنفيذية للقانون».

في انتظار اللائحة التنفيذية

يلزم مشروع القانون الذي أقره البرلمان، رئيس الوزراء بإصدار اللائحة التنفيذية للقانون خلال 3 أشهر من إصداره، وقد أحال القانون للائحة وضع ضوابط والشروط الواجب توافرها في الأنشطة الاستثمارية، فضلًا عن ضوابط الحصول على كافة الإعفاءات والحوافز التي كفلها القانون للمستثمرين.

من جانبه، يري نبيل الجداوي، وكيل أول وزارة الاستثمار الأسبق والمستشار بالهيئة العامة للاستثمار، أن إعداد اللائحة التنفيذية للقانون أهم من مواد القانون نفسه، خاصة وأن اللائحة عليها أن تصل إلى حل لخلاف الوزراء حول انتزاع الهيئة العامة للاستثمار لصلاحيات هيئة التنمية الصناعية التابعة لوزير الصناعة، وهيئة التنمية السياحية التابعة لوزير السياحة وهيئة المجتمعات العمرانية، التابعة لوزير الإسكان، إضافة إلى الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية التابعة لوزير الزراعة، فيجب أن تتضمن اللائحة ترجمة عملية للمادة الخاصة بإنشاء الهيئة العامة للاستثمار لمراكز خدمات المستثمرين، وتوضح تبعية الموظفين التابعين للوزارات الأربعة، سواء لوزاراتهم أو للهيئة العامة للاستثمار.

كما لفت الجداوي إلى أن وزيرة الاستثمار هي من ستعد اللائحة التنفيذية، قبل أن تعرضها على على مجلس الوزراء مجتمعًا، وتوقع أن يتكرر وقتها خلاف الوزراء حول رغبتهم في الاحتفاظ بولايتهم على التراخيص والموافقات، مما يؤخر تطبيق مواد القانون.

كانت وزيرة الاستثمار قد قالت في تصريحات تليفزيونية، أمس الأحد، إنه جاري التنسيق مع جميع الوزراء المعنيين لضمان سرعة إصدار اللائحة التنفيذية، والتي قدرت لها أن تصدر خلال شهر من الآن.

اعلان