Define your generation here. Generation What
فيلمان مصريان جديدان يسائلان المشهد الفني المستقل في مصر
عن «صيف تجريبي» و«واحد زائد واحد تصنع كيكة فرعون بالشوكولاتة»
 
 
 

جرت العادة أن تكون لمعظم الأفلام من مصر والمنطقة التي تختارها المهرجانات الدولية مواضيع سياسية صريحة، بل لعله من الإنصاف القول إنه إذا لم يكن الفيلم عن الحرب أو الثورة أو حقوق المرأة فستكون فرصه أقل في أن ينتقيه مبرمجو المهرجانات. ويعد مهرجان برلين السينمائي الدولي السنوي، الملقب بـ«البرلينالي»، إلى حد كبير الأكثر تسيسًا بين المهرجانات السينمائية الدولية الكبرى.

وكما هو متوقع، فمعظم الأفلام العربية في برلينالي فبراير الماضي كانت سياسية النزعة، وحصل العديد منها على جوائز في بلادها. وكانت مفاجأة سارة أن نجد أن الفيلمين المصريين هناك لهذا العام، واللذين عُرضا في قسم «المنتدى الموسع» الأكثر تجريبيبة، لم يكونا كذلك. بل إنهما في الحقيقة لم يتوجها إلى مواضيع اجتماعية أكبر، فقد اهتم كل منهما بالتأمل في جانب فرعي معين من مشهد الفن المصري المستقل.

فيلم محمود لطفي الأول «صيف تجريبي» هو تحية لصنّاع الأفلام المصريين العاملين خارج قيود إنتاج الدولة وقواعد الصناعة، بينما فيلم مروان عمارة وإسلام كمال «واحد زائد واحد تصنع كيكة فرعون بالشوكولاتة» يعالج بطريقة انتقادية ورشة إنتاج موسيقي مشترك، في محاولة لتقصِّي التوترات في التعاونات الموسيقية بين ثقافات متعددة، والتي تأتي بمبادرة من الممول.

بالنسبة لي كان من الرائع أن أجد وجوهًا قاهرية مألوفة على شاشات البرلينالي. إذ يقدم «صيف تجريبي» وجوهًا عديدة من المشهد السينمائي المستقل، مثل الممثلين زينب مجدي وعمرو الوشاحي، بينما نجد في «واحد زائد واحد» الموسيقي إسلام شيبسي والصحفية الموسيقية مها النبوي والمنتج محمود رفعت. كلا الفيلمين تجريبي، وكلاهما يطمس الخط الفاصل بين الخيال والواقع، لكنهما أيضا يهتمان بالجمهور، فهما لا يتركاننا نتساءل ماذا يحدث بحق الجحيم كما لا يتركاننا غير متأكدين بخصوص ماذا سنخرج به منهما.

زينب مجدي في صيف مستقل

في فيلم «صيف تجريبي» تستقبلنا لقطات كاميرا محمولة باليد لبوستر يحمل وجه شابة، ونص يقول: «صيف تجريبي – النسخة الأصلية» ملصقًا على نواصي شوارع وسط البلد في القاهرة. ثم ينتقل الفيلم إلى البيوت المؤقتة وأماكن العمل غير الثابتة التي يقيم بها الفنانون المستقلون.

بادئًا بإحساس وثائقي، يتتبع الفيلم محمود وزينب أثناء محاولتهما العثور على النسخة الأصلية لفيلم بنفس العنوان «صيف تجريبي» من إنتاج الثمانينات، ويُفترض أنه أول إنتاج مصري مستقل وجرى توزيعه في المقاهي والبيوت. ومن الواضح أن تلك النسخة دمّرتها «جمعية الفيلم» المخادعة، في إشارة ربما للكيانات السينمائية العديدة التابعة للدولة، والتي هي غالبًا على خلاف مع صناع الأفلام العاملين خارج نظمهم في السيطرة.

يجد محمود وزينب صناع أفلام آخرين يبحثون عن النسخة الأصلية، أو عمن قام بالفعل بإعادة صنع الفيلم. وعبر صور برمجيات المونتاج التي يقوم بها صانعو الأفلام وإشارات أخرى، ينتقل الفيلم من قصة إلى أخرى تالية، مقدمًا لنا طبقات من أفلام أخرى «وثائقية» وإعادة صنع لفيلم «صيف تجريبي». يشارك أشخاص حقيقيون عديدون من المشهد الفني المستقل المحلي في مطاردة شبح الفيلم، وتعثر كل مجموعة من صانعي الأفلام على قطعة من قطع البازل. وطوال ذلك الوقت يناقشون وضعهم في السينما بشكل عام.

«ماحدش عارف إيه اللي بنعمله، ماحدش عارف أفلامنا، إحنا بس اللي نعرف أفلام بعض»، هكذا يقول محمود عيسى، وهو منتج في الحياة الحقيقية وأحد شخصيات الفيلم، عند نقطة ما. وبالفعل، لا تحظى الكثير من الأفلام القصيرة والروائية والوثائقية ذات الإنتاج المستقل بأي عرض عام، وتبقى مدفونة في ذاكرة أجهزة صناعها بعد انتهاء  فعاليات المهرجانات التي تعرضها.

هناك طبقة أخرى من الفيلم مكونة من أجزاء من «فيلم وثائقي» يدور حول موقع سوق باب اللوق المهجور، وهو الفيلم الذي عمل محمود على ترميمه. يخبرنا أحد صنّاع الأفلام أن هذا المكان كان هو «قلعة السينما» التي كانت تأوي مكاتب المنتجين والموزعين أثناء العصر الذهبي للسينما المصرية، مثل آسيا داغر ويوسف وهبي وتوجو مزراحي، قبل أن تُغلق وتنتقل كل الأنشطة السينمائية إلى «جمعية الفيلم». هذا «التاريخ الزائف» الذكي يعلق على تأميم صناعة السينما في عهد جمال عبد الناصر، ما أدى لتدهورها.

الفيلم مُحيِّر، وهو بالقطع أفضل من مجموع أجزائه. ففي الوقت الذي لا تبدو فيه كل طبقة منه قوية في حد ذاتها – مع التمثيل السيء والحوار غير المقنع بشكل عام – إلا أن «صيف تجريبي» ككل هو تناولٌ قوي لتحديات السينما المستقلة. وهو يستحضر حس الجماعة القوي الذي يساعد في إخراج مشاريع كل صناع الأفلام إلى الضوء، كما هو الحال مع ذلك الفيلم نفسه، كما يقول مخرجه.

نظل طوال الفيلم غير متأكدين بالفعل مما هو حقيقي وما هو تمثيل. هل هو فيلم وثائقي أم أن كل من فيه يمثلون؟ هل كان الفيلم الأصلي الذي استند إليه موجودًا؟ هل يُعاد تمثيل القصة؟ وفي الوقت الذي لا نعرف فيه الإجابة يقينًا أبدًا، نحصل على جولة إرشادية بين حيوات صانعي الأفلام المستقلين المتخيلة قليلًا، وبهذا المعنى يردد «صيف تجريبي» أصداء الواقع إلى حد بعيد.

يختبر فيلم «واحد زائد واحد تصنع كيكة فرعون بالشوكولاتة» كذلك تصوراتنا عن الحقيقي والزائف. وهو كذلك لديه بنية فيلم وثائقي، لكن كادره الأول يقول إنه «فيما عدا الأرقام الموسيقية، فإن الأحداث المصورة في هذا الفيلم خيالية. » لذلك فإننا طوال الفيلم نسأل أنفسنا: هل هذا حقيقي؟

كُلّف مروان عمارة (قص 2013، الزيارة 2016) وإسلام كمال (نسخة شعبية 2012، حياة 2014) من قِبل شركة  نوريينت ساوندز Norient Sounds  ومقرها برن، بتوثيق النسخة القاهرية الحديثة من سلسلتها «واحد زائد واحد»، التي تجمع موسيقيين اثنين من ثقافة فرعية ومن خلفيات فنية وثقافية مختلفة، بإنتاج تراك موسيقي خلال أسبوع واحد. جمعت النسخة القاهرية بين عازف الأورج إسلام شيبسي والموسيقية التجريبية النيبالية – التبتية سويسرية المولد عائشة ديفي. صوّر عمارة وكمال الفيلم بأكمله على شرائط VHS خام قليلة الجودة بشكل مربع، لتعكس التصوير ذي الميزانية المنخفضة والمعتاد في مهرجانات الشوارع التي نشأ منها مشروع شيبسي الموسيقي، ويعرض المخرجان عبر ذلك التوترات بين الموسيقيين الاثنين طوال الأسبوع. «أعتقد أنه ليس مهتمًا في الحقيقة بالدمج الموسيقي Fusion. » هكذا تلخص عائشة المشكلة لمحمود رفعت، مترجم شيبسي ومدير أعماله. لم يستطع الاثنان الاتفاق حتى على نغمة أساسية ينطلقان منها، أو على كيفية إنتاج تراك واحد سويًا. يبني عمارة وكمال قصتهما حول هذا الخلاف بين الاثنين، ومجادلاتهما وإحباطاتهما.

يسود عدم الارتياح أجواء الفيلم. فهو يُشعرنا وكأننا مجبرون على مشاهدة موسيقيين مجبرين بدورهم على التعاون مع بعضهما البعض. وينعكس هذا على مشروعات ثقافية كثيرة نراها في مصر، حيث يوضع فنانون أوروبيون ومصريون سويًا لصنع منتج اندماجي حيث «يلتقي الشرق بالغرب»، وهو الأمر الذي لا يحقق غالبًا غرضًا أبعد من التقارير المقدمة إلى الهيئات المانحة والسفارات.

يستفيد المخرجان من وجود مها النبوي في الاستديو كمحاورة. وبينما تجري محاوراتها من أجل كتابة مقال، فهي مثل المخرجين، كُلفّت من قِبل شركة نوريينت بالكتابة عن التعاون المنشود، نفهم سبب وجود كل هؤلاء الأشخاص في استديو 100Copies في وسط البلد، ولماذا نتتبعهم في الحفلات والجولات.

تسأل مها ممثل شركة نوريينت، توماس بورخالتر: «كيف تحدد التبادل الثقافي الناجح؟ هل يتعلق الأمر بالمُنتَج النهائي، أم بالطاقة بين الفنانين خلال عملية التبادل؟» فيرد بأنه يتعلق بالمُنتَج النهائي، وأن نجاح التبادل الثقافي معياره خروج الموسيقيون من مساحاتهم الآمنة لإنتاج شيء جديد سويًا.

الجانب الأكثر مرحًا في الفيلم هو النصوص التي تظهر على الشاشة، حيث نقرأ: «لا حاجة لذلك»، «ليس للحديث الحميم مكان على الملأ»، و«هذا ليس عرضًا لتليفزيون الواقع». تخبرنا تنويهات الفيلم أن هذه الجمل هي تعليقات مدير أعمال عائشة على نسخة أولى للفيلم، لكن نتيجة الزعم الأول عن خيالية الأحداث، فلا نكون متيقنين من هذا، أو ما إذا كان صانعا الفيلم قد أضافا التعليقات ليؤكدا على طبيعة الأفلام الوثائقية المنفذة بتكليف، والتي غالبًا ما ينتهي بها الأمر لأن تكون منتجات علاقات عامة.

يستخدم عمارة وإسلام تلك التوترات وعدم الارتياح أمام الكاميرا، وبعيدًا عنها، لطرح أسئلة عما تعنيه التعاونات بالفعل في مجال الثقافة. هل يمكن أن يوجد تعاون حقيقي في الوقت الذي يكون هناك فيه عدم توازن معقد في القوة على نحو واضح؟

من المناسب أن ينظر الفيلمان المصريان في برلينالي هذا العام إلى المشهد الفني المستقل. بالنظر إلى هجمات العام الماضي على المساحات الفنية وحرية التعبير، والقيود المستمرة على الموسيقيين وصانعي الأفلام من نقاباتهم المختصة، والوجود المزعزع المعتمد على الدعم المالي الأوروبي والأمريكي، والظهور من خلالهما (مثلما هو الأمر عبر البرلينالي ذات نفسه)، فربما يكون الوقت قد حان الآن لأبناء المجتمع الفني للنظر إلى آلياتهم الداخلية وللتساؤل عن كيف يمكنهم الاستمرار والإنتاج وأن يكونوا جزءًا من الحوار الاجتماعي الأكبر. إن عنصر النقد الذاتي، خاصة في فيلم «واحد زائد واحد تصنع كيكة فرعون بالشوكولاتة» شديد الأهمية. آمل أن يتمكن هذا الفيلمان من أن يكونا إشارة بدء حوار لطالما ناضل كي يخرج إلى السطح.

ترجمة: عبد الرحيم يوسف  

__________________

يُعرض «واحد زائد واحد تصنع كيكة فرعون بالشوكولاتة» في سينما زاوية بالقاهرة يوم الأربعاء القادم، وفي سينما زاوية بالإسكندرية يوم الجمعة القادم

اعلان
 
 
روان الشيمي