Define your generation here. Generation What

أنغام وسميرة سعيد: من هي «مطربة مصر الأولى»، ولماذا؟

يتصاعد نجم أنغام بوتيرة ثابتة بشكل لا يخفى على أحد؛ تتألق في حفلاتها، وفور انتهاء أي حفل لها تنتشر مقاطع من أغانيها الراقية العذبة. لا يمكن إنكار موهبتها وإنتاجها الذي تركز طوال سنوات حول طاقة المرأة العاطفية ومدى حنانها وحبها للرجل، أيًا كانت مشاعره تجاهها.

في حوار لها لـ«اليوم الجديد»، قالت أنغام إن المرأة في آخر ألبوم لها، «أحلام بريئة»، متواضعة ومضحية لدرجة كبيرة، ما دفعني لتأمل صورة المرأة بشكل عام في جميع ألبوماتها، المرأة الذليلة التي تعبر عن أشواقها قائلة «تأمر يا حب، أنا تحت أمرك، أعشق جنانك، سلطان زمانك»، أو «هتمناله الخير، إيه يعني يفوتني وينساني، زي ما جرحني دواني» أو «وليه دايمًا باعدّيله، وراضي القلب بقليله، ولما يجيني من تاني، يسامحه القلب في ثواني؟» أو «كلمة واحدة لو مجاملة مبقتش حتى بتقولها ليا، كل دا مع إني عاملة اللي عليّ وأكتر شوية»، تلك الأغنية التي داعبت جمهورها قبل غنائها على المسرح قائلة: «اللي كتبوها رجالة أوي».

بالطبع هم رجال بشدة، يثير إعجابهم ذلك النمط من الأنثى الخاضعة.

حتى الأغنية الرئيسية التي انطلقت بها أنغام، «في الركن البعيد الهادي»، كانت عن فتاة عاشقة يكاد العشق ينسيها الأيام، فتذهب لموعدها مع الحبيب في يوم خاطئ ظنًا أنه اليوم المتفق عليه، وفي النهاية تحادثه بالتليفون فيسخر منها، هو الرجل الواثق الذي لا يدلّهه الحب، مذكرًا إياها بأنها أخطأت اليوم.

حين أفكر في المرأة التي تقدمها أنغام، سواء في نظراتها والتفاتاتها وحركات أصابعها وتسريحة شعرها المستكينة، والمناسبة لامرأة عاشقة هادئة لا تنتظر شيئًا سوى رضا الحبيب أو عتقه لها، لا تفارقني صورة المطربة نجاة الصغيرة التي كانت ترّقص فساتينها حين يعود الحبيب، وكانت تغيّر رأيها وتسحب كل شكاواها قبل النهاية بدقائق قليلة. فتغني من كلمات نزار قباني: «حتى فساتيني التي أهملتها، فرحت به، رقصت على قدميه»، أو  تقطع، في كلمات نزار أيضًا، علاقتها مع الحبيب: «غدًا إذا جاء، أعطيه رسائله ونطعم النار أحلى ما كتبناه»، ولكنها تعود إليه ثانية قائلة: «ماذا أقول له إن جاء يسألني إن كنت أهواه؟ إني ألف أهواه».

«إلى جانب ميل المرء إلى تأكيد نفسه كشخص، هناك ميل إلى الهروب من حريته وتحويل نفسه إلى غرض أو متاع». سيمون دي بوفوار

حين بدأت أنغام الغناء بمنتصف الثمانينيات كانت الساحة تضم مطربات أخريات، مثل حنان وسيمون ومنى عبد الغني ونادية مصطفى وسميرة سعيد. تساقطن جميعًا، ما عدا سميرة التي استمر مشوارها موازيًا لمشوار أنغام، موازيًا بالمعنى الحرفي، حيث لا نقطة تلاق بين الصور التي حرصت كل منهما على تقديمها.

في بداية مشواريهما، بدأت كلتاهما تحت عباءة أم كلثوم، وتغنتا بأغانيها، هي التي كانت بمثابة رائدة نسوية في زمانها، حيث ساد صوتها الأجش القوي، صوت الخنثى الذي اختارته للتعبير عن ألام الحب وعذاباته، لتتجنب تلك الرومانسية المبالغ بها التي تلجأ لها المطربة الأنثى عادةً لتروج أعمالها.

في جماليات الصورة التي ترسّخ لها أنغام في جميع أركانها، هناك الصورة المثالية للمرأة المسلوبة المقولبة بقوالب اجتماعية جاهزة

صاحبت زمن أم كلثوم حركة نسوية مهمة، حيث تأسس أول حزب نسائي مصري، ودخلت المرأة البرلمان المصري لأول مرة، وكانت هي نفسها من أسست «نقابة المهن الموسيقية» في 1955 لتبقى على رأسها لعشر سنوات متتالية. يصعب فصل الثورة النسائية في مصر عن الثورة التي أشعلتها أم كلثوم في الغناء وإصرارها على أن تكون شريكة للرجل، لا تابعًا أو مفعولًا به، حتى أني أجد ما يبرر شائعة سحاقها بكونها، وكما تبرر سيمون دي بوفوار في كتابها «الجنس الآخر»، من القوة التي تمنعها من الاستسلام لرجل. كانت متحررة رغم ملابسها المحتشمة وأدائها الخشن، ولذلك جرى تصويرها كـ«امرأة مسترجلة تهوى النساء»

في جماليات الصورة التي ترسّخ لها أنغام في جميع أركانها، هناك الصورة المثالية للمرأة المسلوبة المقولبة بقوالب اجتماعية جاهزة، التضحية كـ «ظل» للرجل القوي، السيد السلطان، الذي لا يكترث ولا يلتفت إليها ولا يرحم حبها، صورة مصغرة للإله في عليته بينما هي الجارية التي ترقى بمشاعرها الآسرة لمستوى الملائكة، أو كما يقول بلزاك: «المرأة المتزوجة عبدة، ينبغي لنا أن نعرف كيف نرفعها على العرش»، أو بما يتوافق مع المقولة التراثية «كوني له أمة يكن لك عبدًا»، على أساس أن العبودية تجر وراءها مزيدًا من التتبع والشغف.

باستثناء أغان معدودة جدًا قدمتها أنغام، مثل «نص الدنيا»، وتقول فيها: «أنا مش كمالة عدد، أو صفر على الشمال»، أو أو «أنا وأنت»، وتقول فيها: «عندية وطبعي حامي، وكرامتي واحترامي، عندي بالدنيا ديا»، فإن مجمل أغانيها يكرّس لصورة المرأة المستكينة الراضية بحكم حبيبها، على غرار «يا دوب حاببني… ما انكرش انك بتعاملني أحسن معاملة، بعدين يا سيدي قصادنا عمر بحاله».

«لا تستطيع المرأة، حتى في الحلم، إزالة الذكورة، فالعلاقة التي تربطها بمضطهديها لا مثيل لها». سيمون دي بوفوار

بشكل عام، يمكننا تقسيم مشوار أنغام الفني لمرحلتين؛ مرحلة والدها الموسيقار والملحن محمد علي سليمان الذي انفصلت عنه من أجل الحب، ثم مرحلة ما بعد الانفصال، التي استهلتها بألبوم «وحدانية»، وتصبح فيه الضعيفة التي تمسح دموعها بطرف كمها، والحبيبة في أغنية «بافكر فيك» التي يرفض حبيبها قول «لا»، فترددها بعند في وجوده لكنها تسحبها حين تكون بمفردها، وتكون الخجولة في أغنية «بعتلي نظرة» التي تجلس وسط المجموعة، وينظر لها رجل غريب، فتشعر بأهميتها المستمدة من نظراته، حتى أنها تذهب إليه دون تردد فور أن ينادي عليها.

تلا «وحدانية» ألبوم «ليه سبتها»، الذي يمثل تكرارًا لنفس المفردات والصور، وتوالت الألبومات حتى الأخير «أحلام بريئة» التي تصف أنغام المرأة فيه بـ«المتواضعة والمضحية إلى درجة كبيرة».

سميرة سعيد.. مسار مواز

حين ننظر لمطربة توازت تجربتها مع تجربة أنغام، مثل سميرة سعيد، نجد الأخيرة تلعب دور المهاجمة، في اتجاه يعاكس ما سارت به أنغام. يمكن القول إن سميرة تناقض قول أفلاطون: «الأنثى هي الأنثى بسبب نقص في الصفات»، فنجدها تزعق في أغانيها مؤكدة إنها ليست ناقصة، مثلما في أغنية «إنسانة مسؤولة»: «أنا مش رسمة على الحيطة، مش حاجة في الأوضة عشان تقفل عليها».

بعد عدد من الأغاني التي قدمت فيها سميرة صورة المرأة المفعول بها مثلما في «قال جاني بعد يومين»، انتقلت سريعًا لصورة المرأة الفاعلة، التي تحدد مصير العلاقة وتقررها، ابتداء من «مش هتنازل عنك أبدًا مهما يكون»، فتصبح هنا مقاتلة تسعى للإبقاء على حبيبها، شريكة في العلاقة، تحميها وتصقلها وقد تنهيها ببساطة مثلما تقول في «بشتاقلك ساعات»: «إنما لو تنسى قلبي، هانسى حبك واللي فات».

نفس الشاعر.. صورتان مختلفتان

صحيح أن كلًا من أنغام وسميرة سعيد لم تكتبا كلمات أغانيهما، لكنهما كانتا من اختارتا الكلمات التي تعكس صورتهما، وحدث ذلك حتى حين تغنتا لشاعر واحد، مثل أمير طعيمة مثلًا.

تقول سميرة في أغنية كتبها طعيمة بعنوان «هو أنا جيت جنبك»: «زعلك كدا ما بيعجبنيش، من غير كلام تزعل في سكات… الحياة بالشكل دا حاجة مش معقولة، ارحم نفسك شوية». أو أغنية «ما خلاص»، وتقول فيها: «عايز إيه مني؟ ابعد بقى عني»، بينما تختار أنغام لنفس الشاعر أغنية مثل «بين البينين»، وتقول كلماتها: «بخاف من قلبك القاسي، أخاف يخدعني إحساسي، وأنا مش حمل جرح جديد»، أو أغنية «ساندة عليك»، وتقول فيها: «أنا تهت سنين قبلك… أنا كنت وحيدة وعايشة في غربة ومش بارتاح».

كما نجد هذا بشكل أوضح عندما غنيتا لشاعر آخر مثل بهاء الدين محمد. فالرجل الذي كتب لأنغام «أكتبلك تعهد»، والتي تقول «لو انت خايف لما تسيبني، هاقابل بعدك حد يصوني، أنا ممكن اكتبلك تعهد مني، اني هاعيش لوحدي باقي عمري» هو من كتب لسميرة سعيد كلمات أغنية مثل «أنا كدا»، والتي تقول: «حاول تفهمني وتعذرني، مابحبش صوتك يأمرني، ماتخوفنيش، ماتهددنيش»، هكذا ببساطة.

كما غنت كلتاهما من كلمات نادر عبد الله، ولكن بينما غنّت سميرة: «أنا كتير عليك، واحساسي بيك كان نعمة وضاعت من إيديك»، غنت أنغام من كلماته هو أيضًا أغنية «فاكراك، مجروحة وأنا مسمحاك».

وأخيرًا في طرحهما الأخير، تغنت سميرة من كلمات عصام حسني «أيوة اتغيرت»: «عشان كنت زمان عاشقاك… أرجع مارجعش دي حاجة ترجعلي أنا بقى وظروفي، من امتى عملت حساب زعلي أو همَّك خوفي»، بينما غنت أنغام لنفس الشاعر: «أنا لما بتحزن، ببقى هاموت من خوفي عليك، ازاي قلبي في بعدك دايما حاسس بيك، وفي يوم ما احتاجلك جنبي، تملي أنا مش بلقاك».

تناسب كلمات كل أغنية الصورة التي حرصت كل مغنية منهما على تقديمها وتغذيتها طوال سنوات. حتى بأغنيتها الأخيرة «فرح غايب»، تكمل أنغام السلسلة فتقول من كلمات أمير طعيمة «ليه كل ما تمشي في سكة يا قلبي يكون نهايتها طريق مسدود، والأيام على ورقة حلمك تختم ختم طلب مرفوض»، تلك الأغنية التي تبدو متماسة مع حياة كل من يسمعها، لكنها لا تقدم صورة مختلفة عن صورتها المفضلة في أغانيها.

من تظهر في الأوبرا؟

من اللافت اعتذار سميرة سعيد عن الغناء في الأوبرا لسنوات، وحتى حين قبلت كانت لها شروطها، ومنها أن تغني أغانيها الحديثة بجانب تلك الكلاسيكية، في حين تعد أنغام ضيفًا دائمًا على مهرجان الموسيقى العربية ببساطة وبدون شروط.

 لا يمكن لسميرة سعيد الوقوف غير المشروط على مسرح الأوبرا، بينما تجلس أمامها مستمعات يرتدين الفساتين الكلاسيكية الرقيقة ويثبتن شعرهن بمثبتات ليسكن ويناسب الجو العام، ويضعن مساحيق ناعمة تحدد شكل أعينهن ونظرتهن للحياة

ما تقدمه أنغام هو صوت خافت يناسب المرأة الحساسة الخجولة ذات الطبع الهادئ التي لن تثير تمردًا بوسعه إزعاج الرجل، كما أنها ساكنة، تقف أمام الميكروفون دون حراك، تعلو وتهبط بذراعيها مع النغمات الناعمة، وتكاد ملامحها تبكي وهي تستجدي عطفًا من هنا أو هناك، تسير على خطى ثابتة نحو موسيقى عربية كلاسيكية وكلمات راسخة في الوعي الجمعي العربي حول ماهية العلاقة الصحيحة بين الرجل والمرأة. تناسب أنغام دومًا تلك الحفلات تقليدية النزعة، دون اتفاقات أو شروط مسبقة، في مقابل سميرة سعيد التي لا يمكنها الوقوف غير المشروط على مسرح الأوبرا، بينما تجلس أمامها مستمعات يرتدين الفساتين الكلاسيكية الرقيقة ويثبتن شعرهن بمثبتات ليسكن ويناسب الجو العام، ويضعن مساحيق ناعمة تحدد شكل أعينهن ونظرتهن للحياة، لتقول مثلًا: «وآديني سبته ورغم اهو ماحصلش حاجة، والبعد عنه ما اختلفش في أي حاجة».

توصف أنغام عادةً بأنها «مطربة مصر الأولى»، لأنها تتوافق مع الصورة الذهنية العامة لعموم المصريين عن الغناء والفن ووضع المرأة. وفي الوقت التي تتراجع به الحركة النسوية بمصر، وتتعرض القائمات عليها للملاحقة القانونية بحجة التمويل الأجنبي والتآمر على البلد، كما تتعالى صيحات الالتزام بالشريعة وتمرير الزواج الثاني، لدرجة موافقة أول وزيرة استثمار بمصر على أن تكون زوجة ثانية، وتبدو لنا في الصورة المرفقة بالموضوع خجولة تضع عينيها بالأرض بينما يزوجها ولي من أسرتها، تقف أنغام على المسرح العريق مناسبة تمامًا للحدث، تواكب العصر وتغني «أكتبلك تعهد» ليصفق الجميع في انتشاء.

اعلان
 
 
أميمة صبحي