Define your generation here. Generation What

عمّال خلف القضبان: قوى مهدرة وفرص للإصلاح

العامل وفقًا لقانون العمل المصري هو «كل شخص طبيعي يعمل لقاء أجر لدى صاحب عمل وتحت إدارته وإشرافه» وصاحب العمل هو «كل شخص طبيعي أو اعتباري يستخدم عاملًا لقاء أجر»، أما الأجر فهو «كل ما يحصل عليه العامل لقاء عمله، ثابتًا كان أو متغيرًا، نقدًا أو عينًا».

ووفقًا للتعريفات السابقة والواردة بقانون العمل المصري، نستطيع القول إن كافة السجناء الذين يعملون بالسجون المصرية «عمال»، فهم أشخاص طبيعيون يعملون مقابل أجر مادي أو عيني، تحت إدارة وإشراف وزارة الداخلية ومصلحة السجون «صاحب العمل»، وبالتالي ينبغي أن تُطبَّق عليهم أحكام قانون العمل المصري في ما نظّمه من الأجور والأجازات وواجبات العمال ومسؤولياتهم والتوجيه والتدريب المهني وتوفير وسائل السلامة والصحة المهنية.

وكما أن العمل حق وواجب على كل فرد في المجتمع، فأهمية العمل داخل السجون تتضاعف لكونه من أهم وسائل وأساليب المعاملة العقابية الحديثة التي تهدف إلى إعادة تأهيل السجناء اجتماعيًا، فمع تطور الفكر الإنساني لم يعد العمل بالسجون يُفرض على السجناء كعقوبة بغرض الإيلام، وقد اتخذ المشرّع المصري هذا الموقف جزئيًا بإلغائه لعقوبة الأشغال الشاقة عام 2003، إلا أن الدولة المصرية، ممثلة في وزارة الداخلية ومصلحة السجون، لم تتخذ خطوات جادة لتحقيق الشروط الواجب توافرها في العمل داخل السجون كي يحقق الهدف المرجو منه، بإعادة تأهيل السجناء اجتماعيًا، فبالنظر لوضع العمل بالسجون المصرية نجد أن القوانين واللوائح والقرارات المنظّمة للعمل داخلها لا تساعد على تحقق شروط العمل المنتج المؤدي لإعادة تأهيل السجناء اجتماعيًا، حيث بها العديد من المشاكل التي تحتاج لتدخل تشريعي بتعديلات لنصوص القوانين واللوائح القرارات الوزارية المنظمة للعمل داخل السجون المصرية.

لابد من النص على إجراء فحوص نفسية وبدنية للسجناء، لتحديد ما إذا كان التشغيل مناسبًا لهم من عدمه، ولتحديد نوع العمل المناسب لكل سجين، ومساعدته على اختيار المهنة أو المسار المهني الأكثر ملائمة لقدراته واستعداده وميوله، في ضوء دراسات مستمرة لسوق العمل والمهن المطلوبة في الوسط الحر ومقوماتها، والعمل على أن تتوافر بأماكن العمل بالسجون الوسائل التي من شأنها تمكين السجين من اكتساب وتنمية المعارف والمهارات والقدرات اللازمة لإعداده للعمل المناسب، مع الحرص على أن تتشابه وسيلة أداء العمل داخل المؤسسة العقابية مع تلك الموجودة في الوسط الحر.

يجب النص صراحة علي تطبيق قانون العمل المصري علي المحكوم عليهم ممن يعملون بالسجون، ولابد من وضع نصوص تُلزم إدارات السجون بتوفير وسائل السلامة والصحة المهنية لهم، أسوة بتلك الموجودة خارج السجون

وذلك لأنه من الضروري أن يكون للعمل طابع مفيد ومنتج، كون العمل المنتج وحده هو الذي يدفع المحكوم عليه إلى إتقانه داخل السجن، حرصًا على ممارسته بعد الإفراج عنه، كما أنه يرفع معنويات المحكوم عليه، حيث يُشعره بقدراته وبقيمته الاجتماعية، ومن ثم يساعده على الاندماج في المجتمع، أما العمل غير المنتج فيضر بالمحكوم عليه، بل وغالبًا ما يكون سببًا للتمرد والإخلال بالنظام داخل المؤسسة العقابية.

كما يجب النص صراحة علي تطبيق قانون العمل المصري علي المحكوم عليهم ممن يعملون بالسجون. ولابد من وضع نصوص تُلزم إدارات السجون بتوفير وسائل السلامة والصحة المهنية لهم، أسوة بتلك الموجودة خارج السجون، مع الحرص على تفعيلها بشكل جاد، مما سيساعد على أن يكون العمل داخل السجون مماثلًا للعمل الحر، من حيث نوعه ووسيلته والظروف التي يؤدَى فيها، حتى يتسنى للسجين الالتحاق به بعد الإفراج عنه.

ويجب النص على عدم جواز حرمان السجين العامل من أجره، وتعديل نص اللائحة، وبمفاده لا يقبض السجين أجرًا عن الأيام التي يقل فيها إنتاجه عن معدل الإنتاج المقرر، نظرًا لعدم وجود معدل إنتاج مقرر ومعروف يُقاس عليه، وبالتالي تستطيع إدارة السجن حرمان السجين من أجره بالكامل، والتعلل بأن إنتاجه لم يصل إلى المعدل المقرر، ولن يستطيع السجين العامل التظلم أو الطعن على قرار حرمانه من أجره، إذ لا توجد آلية لتنفيذ مثل هذا الإجراء.

كما يجب أن يُرفع الأجر الذي يستحقه المحكوم عليه، مقابل ذلك المحدد بسبعة جنيهات عن اليوم الواحد، وهو ما يقل كثيرًا عن الحد الأدنى للأجور المحدد بألف ومئتين جنيهًا شهريًا، إذ لابد أن يطبَّق على السجناء العمال الحد الأدنى للأجور، فيتقاضى السجين مقابلًا عادلًا لعمله، مما يساعد على إعادة تأهله اجتماعيًا، كما أن تقاضي المحكوم عليه أجرًا عادلًا سيشجعه على الإقبال على العمل والحرص على إتقانه، ويساعده أثناء عمله بالمؤسسة العقابية وبعد الإفراج عنه.

ومن الناحية العملية، ووفقًا لما هو منشورعلى موقع مصلحة السجون عن العمل بالسجون المصرية، نجد إنتاجية العمل بالسجون المصرية ضئيلة للغاية، بالمقارنة بأعداد السجون والسجناء بالجمهورية، فمجالات العمل بالسجون المصرية وفقًا لهذا الموقع هي ثلاثة فقط؛ الإنتاج الصناعي والحيواني والزراعي. وفي حين أن مصر بها 47 سجنًا عموميًا ومئات السجون المركزية وأماكن الاحتجاز الأخرى، نجد أن كل مصانعها التابعة لمصلحة السجون في مجال الإنتاج الصناعي ستة فقط، وفي مجال الإنتاج الحيواني كل ما يوجد هو عدد من المحطات لتربية وتسمين الماشية والأغنام بطاقة استيعابية بلغت 1500 رأس ماشية و1500 رأس غنم، بالإضافة إلى محطات لتربية الدواجن بطاقة استيعابية بلغت 35000 دجاجة في الدورة الواحدة، أما بخصوص مجال الإنتاج الزراعي بالسجون فيخبرنا موقع مصلحة السجون أنه لا يوجد سوى 735 فدانًا مزروعًا فعليًا.

وأبلغ دليل على قلة إنتاجية السجون المصرية وعلى احتياج منظومة العمل بالسجون لإعادة النظر والإصلاح الشامل أن عدد المعارض المخصصة لبيع كافة منتجات السجون المصرية تبلغ خمسة معارض فقط على مستوى الجمهورية.

وأخيرًا، إذا أرادت الدولة المصرية أن تؤدي السجون المصرية وظيفتها الرئيسية، أي إعادة تأهيل السجناء اجتماعيًا وجعلهم مفيدين للمجتمع بعد خروجهم من السجن، بالإضافة إلى الاستفادة من القوى البشرية الهائلة المتواجدة بالسجون، فلابد من إعادة النظر في منظومة العمل داخل السجون المصرية والتعامل مع السجناء العاملين بالسجون كعمال، لهم ما للعمال في الوسط الحر من حقوق وعليهم ما عليهم من واجبات.

اعلان