Define your generation here. Generation What

«مشروع سيموم»..  الصحافة التي نحلم بها

في يوم من عام 2012، كان الصحفي الاستقصائي السويدي دانيل أوهمان يستقل قطارًا، حينما أتته مكالمة هاتفية من شخص مجهول  يطلب تحديد موعد لمناقشة بعض الوثائق، لم يتوقع أوهمان أن تكون هذه المكالمة بداية تحقيق استقصائي يهدد علاقات السويد الخارجية مع أحد أهم اللاعبين السياسيين في المنطقة العربية.

قبل هذه المكالمة، كانت كلمة «سيموم»التي تعادل اسم «السَموم»، هي مجرد اسم لرياح بالغة الحرارة تعصف بمنطقة الجزيرة العربية. لكنها بعد هذه المكالمة، أصبح لها معنى آخر في مسيرة أوهمان الصحفية. فبعد لقائه بهذا الشخص المجهول، تسلم الصحفي الاستقصائي الذي يعمل بالراديو السويدي مظروفًا يحوي وثائق هامة تثبت تورط وزارة الدفاع السويدية في صفقة سرية لبناء مصنع أسلحة في صحراء المملكة العربية السعودية، الدولة التي تقطع رؤوس معارضيها وتحبسهم وتنكل بهم، بحسب وصف أوهمان في التحقيق الاستقصائي الذي نشره في 2012. كان الإسم السري لهذه الصفقة في أروقة الوزارة ومستنداتها الرسمية «مشروع سيموم» أو «Project Simoom» كما ورد في الوثائق المسربة.

طبقًا للقوانين والقواعد المُنظِّمة لتصدير الأسلحة في السويد، يحظر على وزارة الدفاع السويدية الموافقة على عقد صفقات بيع أسلحة لدول متورطة في حروب أو نزاعات، كما يجب التأكد من أن هذه الأسلحة لن تستخدم لقمع الحقوق والحريات العامة في الدول التي يتم التصدير إليها. ما يعني في نظر المحقق الاستقصائي السويدي، أن السعودية هي آخر دولة من الممكن أن تساعدها السويد لبناء هذا المصنع السري.

إلا أن وكالة أبحاث الدفاع السويدية The Swedish Defence Research Agency FOI قامت بإنشاء شركة وهمية تحت اسم SSTI كي تعقد الصفقة مع الحكومة السعودية، كغطاء يحمي الحكومة السويدية من شبهة التورط المباشر في الصفقة. وطبقًا لهذا التقرير الذي نشره موقع الراديو السويدي مترجمًا للعربية، فإن الوثائق التي نشرها أوهمان بررت هذه التغطية بأن المشروع «يتخطى حدود ما هو ممكن للسلطة السويدية».

واجه أوهمان في تحقيقه المدير العام لمعهد أبحاث الدفاع السويدي «يان أولوف ليند» بالمستندات التي في حوزته، إلا أن إجابة ليند كانت قاطعة: «لا يوجد مشروع بهذا الاسم مع السعودية».

كانت حكومة «جوران بيرسون» المنتمية للحزب الديمقراطي الاجتماعي الحاكم في السويد قد قامت في 2006 بتوقيع مذكرة تفاهم مع السعودية لتصدير الأسلحة، وكانت هذه المذكرة معلومة متاحة للعامة حسبما قال أوهمان في تقريره، إلا أن تحويل هذه المذكرة لبدايات تعامل واقعي لم يحدث إلا في عام 2007 خلال ولاية حكومة فريدريك راينفلت المحافظة،التي بدأت في التخطيط لبناء هذا المصنع السري الذي لم يكتمل، بعدما عطل تحقيق أوهمان المضي قدمًا في إنشائه.

أثار تحقيق أوهمان ضجة شديدة، تقدم على إثرها وزير الدفاع السويدي ستين تولجفورس باستقالته. في حين حصل أوهمان على العديد من الجوائز الدولية في الصحافة، أضافها لرصيده الحافل من التحقيقات المشابهة.

تابعت قصة تحقيق «مشروع سيموم» وتطوراتها المتلاحقة بانبهار وحسد شديدين، يليقان بصحفية مصرية لم تتعد خبرتها المهنية السنتين، وقتها. وبمرور الوقت وتلاحق الأحداث، نسيت القصة برمتها وانشغلت فيما انشغل فيه باقي المصريين.

وفي مايو 2015، سافرت السويد من خلال برنامج ثقافي ضم مجموعة من الصحفيين والشباب العرب المنبهرين والحاسدين من أمثالي، وكان جزءًا من البرنامج يتضمن زيارة لراديو السويد. تذكرت وقتها «مشروع سيموم» بينما تخطو قدماي داخل المبنى، لتستقبلنا فتاة سويدية، قدمت نفسها لنا على أنها مديرة العلاقات العامة بالراديو. وفي غرفة أنيقة، قدمت لنا الفتاة عرضًا تقديميًا مختصرًا عن تاريخ الراديو: متى أُنشئ وما هي أقسامه، وطرق جمع الأخبار وما شابه.

اكتشفت أثناء العرض التقديمي، أن راديو السويد ليس مستقلاً، ولا هو ملكية خاصة. أسمته مديرة العلاقات العامة publicly-owned institution أو مؤسسة مملوكة للعامة، نراها نحن العرب: راديو رسمي مملوك للدولة. نعم، دانيل أوهمان نشر تحقيقًا استقصائيًا أطاح بوزير الدفاع، عبر أثير الراديو الذي نراه نحن راديو الدولة. لكن هناك، هذه المؤسسة تتلقى تراخيصها وتمويلها من أموال دافعي الضرائب السويديين من خلال البرلمان.

وبينما أجلس لأحاول استيعاب ما عجز عقلي الذي سيطرت عليه صورة مبنى ماسبيرو العتيق عن فهمه، قامت الفتاة بتقديم صحفي شاب ليحدثنا أكثر عن عمله داخل الراديو. نعم، كان هذا الشاب هو دانيال أوهمانشخصيًا! في النصف ساعة التي تحدث إلينا فيها أوهمان، عرفت أنا جوانبًا أخرى للقصة التي تابعتها بكل شغف، جوانبٌ قد لا تكون بنفس المثالية.

بمجرد أن حكى لنا أوهمان باختصار عن «مشروع سيموم»، سيطر على الحاضرين العرب تساؤلاً وحيدًا: «ما هي طبيعة المضايقات الأمنية التي تعرضت لها؟»، وكأننا كنا على يقين بأنه تعرض لمضايقات أمنية بالفعل. قال أوهمان أنه بالطبع واجه تهمًا بالكذب والتدليس من المسؤولين الحكوميين الذين فضحهم، ولكنها جميعا كانت «ردود فعل مفهومة ومتوقعة» على حد قوله.

أوضحنا له أننا لا نسأل عن المضايقات المعتادة، بل عن المضايقات الأمنية، ليأتي رده: «المضايقات العادية هي أقصى ما يمكن للساسة السويديين فعله، الساسة هنا غير مرتبطين بالعصابات الخاصة المسلحة».

ولكننا لم نكن نسأل عن العصابات الخاصة المسلحة، بل عن مضايقات الشرطة! وجاء الرد المذهول: «وما دخل الشرطة بهذه الأمور؟»

بدأت النيابة العامة السويدية تحقيقين رسميين حول ما نشره أوهمان، أولهما متعلق بوزارة الدفاع لمعرفة مدى تورط الحكومة في هذه القضية، وتحقيقًا آخر يخص تسريب وثائق تهدد الأمن القومي السويدي. توقعنا لسذاجتنا أن يطال التحقيق الأخير أوهمان بالتأكيد.

لكن أوهمان،كانت غاية مخاوفه هو أن يضطر للكشف عن المصادر التي سربت له الوثائق السرية، إلا أن التحقيق أُغلق، ولم يُستدع الصحفي للتحقيق إطلاقًا!

مع رحيل حكومة فريدريك راينفلت المحافظة في 2014، وتولي حكومة ستيفان لوفين الديمقراطية الاجتماعية، ساءت العلاقات السويدية السعودية أكثر، خاصة حينما وجهت وزيرة الخارجية السويدية مارجوت والستروم انتقادات لاذعة لملف حقوق الإنسان في السعودية، وخصت بالذكر جلد السلطات السعودية للمدون رائف بدوي. على إثر هذه الأزمة، ألغت الحكومة السويدية مذكرة التفاهم التي وقعتها مع السعودية.

كان هذا هو الجانب المشرق الذي حكاه لنا أوهمان، لكن للقصة جوانبها غير المشرقة أيضًا.

جاء رد الفعل السعودي على تعليقات والستروم وإلغاء مذكرة التفاهم سريعًا، إذ قررت الحكومة السعودية وقف إصدار تأشيرات الدخول للعديد من رجال الأعمال السويديين، وهددت بالتصعيد عبر إجراءات أخرى.

شن العديد من رجال الأعمال السويديين حملة ضغط كبيرة على الحكومة، وحاولوا استقطاب الرأي العام لصالح تهدئة الأوضاع مع السعودية، باعتبارها «الدولة المحورية في الشرق الأوسط»، ووجهة الكثير من الاستثمارات السويدية. يقول أوهمان إن الحملة أتت ثمارها سريعًا، خاصة مع استعداد الرأي العام السويدي للتهدئة حتى لا يتم الإضرار بالمصالح الإقتصادية للبلاد. في أكتوبر 2016، قام رئيس الوزراء السويدي بزيارة المملكة للتهدئة والتفكير في إعادة العلاقات.

شعرت ببعض الإحباط وأنا أرى أوهمان يستعرض آخر تطورات العلاقات السويديةالسعودية، وسألته، ألا تشعر بالإحباط؟ إلا أن إجابته بالنفي أذهلتني: «لا يهمني كثيرًا قرار الرأي العام السويدي بتغليب المصالح الاقتصادية على حقوق الإنسان. يهمني أنهم أخذوا هذا القرار بوعي كامل بالحقائق. يهمني أنهم الآن يعرفون أن حكومتهم تكذب عليهم، ولا تحمي حقوق الإنسان كما تدعي. وهذا هو دوري كصحفي: أن أحمي حق الناس في المعرفة والوصول للمعلومات. قراراتهم تخصهم ولا يجب أن يحبطني ذلك، فهذا حقهم».

بعد عودتي من السويد بأشهر قليلة، نشر الزميل حسام بهجت تحقيقًا عن أمر ما يتعلق بالجيش المصري، وعلى إثره، استدعته المخابرات الحربية وحققت معه واحتجزته ليومين. وقتها، رأيت الكثير من مؤيدي حبس بهجت يتحدثون عن عدم رغبتهم في معرفة ما كشفه، وكانوا يرون أن ما كتبه «لا يخصهم كثيرًا».

حينها، تذكرت كلمات أوهمان الأخيرة لي وفكرت في نقلها لهؤلاء. لكن لأني أعرف النتيجة، آثرت الصمت.

اعلان
 
 
مي شمس الدين