Define your generation here. Generation What

(تدوينة) الملك عاريًا: لقاء وحيد مع محمد منير

ذات يوم قابلت ملكًا، بألف ولام التعريف: محمد منير.

ما أتذكره من هذا اليوم غائم، كالطريق إلى بيته في جاردن سيتي، ولا ضوء فيه سوى جرأة المغامرة ووقاحة اليقين. سرت دون أن أفكر مرتين، فلو فعلت لما خضت الطريق. وبثبات أخبرت أمن العمارة: لديّ موعد مع الملك. وكانت كذبة.

طلب مني الأمن الانتظار للتأكد من أن لدي موعدًا بالفعل. وظننت أنها النهاية، فقد كانت الأرض تحت قدمي هشة.

لكني أفلتُّ بالكذبة وصعدت عندما جاء صوت مساعده، دون ارتباك ودون تلفت، ودون أن أصدق أن ذلك حدث. لا أعرف لم وافق، ربما شجاعة الخطوة، أو الفضول.

2

كان هذا عامي الثاني في القاهرة، قبل عشر سنوات من الآن، أعمل في صحيفة مهددة بالإغلاق، ودون غرفة نوم تخصني أو نقود أو عائلة أو أصدقاء. لكن أحلامي حينها كانت شديدة التحديد: أن أصير ملكًا. كنت أسير مستشعرًا ضراوة ذلك في قلبي؛ التاج في روحي، خُلقتُ به كنذر وهبة ونبوءة، منتصرًا أبديًا لا تهزه الخسارة، لأني وببساطة وتحديد أشد: «أنا». أما خطتي فكانت كالآتي، سأقتحم منزل الملك لأخبره: أنا ملك مؤجل، مملكتي ليست من هذا العالم، وسأمنحك شرف أن أكتب سيرتك الذاتية.

3

استقبلني شاب أسمر وشديد التهذيب. سألني: هل ترغب في شرب شيء حتى يأتي الملك؟ طلبت قهوة بتعفف الملوك، بينما كنت أرتجف في داخلي. ها أنا في قلعة الكينج، أجلس على أريكته، واحتسي قهوته؛ بشارة النصر، وعلامة النبوءة.

كان منزلًا واسعًا، أثاثه قائم على الأناقة واللطف. لا أتذكر التفاصيل جيدًا، فقد كنت مشغولًا بالتفكير في أن كل ملك تنقصه ملكة. أي فتاة عادية في تلك الفترة، بنصف ابتسامة ونصف قلب، كانت بالنسبة لي ملكة محتملة، وها أنا في بيت الكينج، كعلامة أني على حق. لقد خسرن مُلكي، لكنهن ربحن العالم.

4

لكن كيف يبدو الملك الذي عليّ أن أكونه؟

ربما بأن أنتج الكلام الحلو، كما فعل الكينج، الذي أمسك بوصفة الكلام الحلو، ووجد المعيار واختصر الطريق على أمثالي، حتى أن الكلام الحلو صار سهلًا جدًا بعده، حتى أننا لن ننتبه عندما يكف عن إنتاجه.

كأغلب من في سني، جربت أن أكتب أغنية لمنير، كواحد من الأحلام التي لا يختلف بشأنها اثنان، كلمات كالغربة، حل الضفاير، السما، النخل، البحر، القمر، الشمس حلوة دومًا، وقد وجدها منير قبل أي مطرب آخر.

لابد أن النخل كان غاضبًا من تجاهله طيلة قرون من الغناء، إلا بشكل مبتذل مثل «يا نخلتين في العلالي». ضع نخلة في قصيدة، وادعِ لي. كما أن القمر استعاد شيئًا من كرامته، بعد أن أصبح يخاطَب بوصفه نفسه، لا بوصفه تعبيرًا عن المحبوبة. كما أن الملك وضع الشاي في الأغنية ليضبط مزاج العالم.

لكن حذارِ، فثمة أفخاخ عالقة. إذا تأملت، فلا يمكنك أن تضع الذباب مثلًا في أغنية، فالملك لم يفعل، كما أن طنين الذباب يفسد الإيقاع، والذباب مقرف. في الحقيقة، يمكن إثبات أن الذباب غير موجود، لأنه لم يُدرج في أغاني منير.

هذا ما ذهبت به إلى الملك: لا ذباب في المملكة.

5

جاء الكينج، فوجئت بقصر قامته، في طولي تقريبًا، ظهره محني، نحيل الجسد، يعرج قليلًا. قمت منتفضًا، ثم تذكرت أن الرسالة يجب أن تكون واضحة: أنا ملك مثلك، صحيح بلا مملكة، لكن ما الفارق؟ ألم يكن صعلوكًا ذات يوم، يتشكك الجميع في قدراته؟ لذا عندما اقترب بخده، ظنًا أن تقبيله بركة ملكية يجود بها على شعبه، تخشبت بجسدي لأبدو واثقًا من نفسي، مكتفيًا بمد يدي بندية.

تراجع خطوة منزعجًا، وفي عينيه تلك النظرة المستنكرة والجارحة: من أنت؟

لو قيض لي لألقيت خطبة:

أنا الملك جئت، لأقيم العدل وأنصف شعوب القراء من الكتاب الذين نالوا الشهرة بغير حق، أعلق الرؤوس على أعواد المشانق وعلى أبواب البارات والمقاهي، أبيد مدن الخطائين منهم، كما أهلك الرب سدوم وعمورة، مؤمنًا بقوة الكلمة على المحو، محملًا بنار الضغينة المقدسة، حيث كل نجاح مشكوك في ذمته، وكل فشل يُعزى إلى آخرين.

ربما كان ليظن بتلك الخطبة أني قاتل مأجور. لكني كنت ملكًا، ولم أفلح تمامًا في إيضاح الأمور.

6

كنت ألعب فيفا 2007 في مقهى للإنترنت قتلًا للوقت، عندما لطمت رأسي فكرة امتلكت روحي، ظننها الإلهام وتأكيد الهبة: ماذا لو ألّفتُ كتابًا عن الملك؟ لا، هذا سهل. ماذا لو وصفتُ تاريخ مصر عبر ألبومات محمد منير؟

وثقت في تلك الفكرة ثقتي في النبوءة، وكنت أتوقع ردًا حماسيًا عندما ألقي عليه الفكرة القنبلة، ولم أكن أدرك أني أؤكد بهذا صورة عن الوطن سنُسرق بها جميعًا، حيث الوطن يأخذ ولا يعطي، ثابت لا يتزحزح، قاهر لا يقبل القسمة، متصلب ولا يثق إلا بصورته عن نفسه.
طلب مني الكينج الجلوس، وأن أكون مرتاحًا أكثر، محاولًا رويدًا رويدًا امتصاص غرابة الموقف، وظني أنه كان يخطط ببرود للتخلص من المتطفل الذي فاجأه. أخبرته بفكرتي القنبلة عن كتابة تاريخ مصر عبر أغانيه. لكن يا لدهشتي، لم تزلزله الفكرة، بل قال ببرود تام: لقد عُرضت عليّ الفكرة ذاتها، من كتّاب أشهر منك، وطلبتُ مقابلًا ماديًا كبيرًا، لمَ أعطيها لك مجانًا؟ قلت بنطاعة بالغة – لم أظنها كذلك حينها: لكني موهوب.. سأصنع شيئًا فارقًا.

لم يزده تأكيدي على موهبتي إلا امتعاضًا.. نفسنة ملوك!

شعرتُ بالحرج. قمت لأغادر غاضبًا. لكنه تمسك بي قائلًا: اجلس.. أنت تغضب بسرعة.

زاد ذلك من ثقتي بنفسي، وقررت التودد له بما أعرف، فذكرت كل الإكليشيهات التي أحفظها عنه، حتى أن محبتي بدأت أخيرًا في الفيض، بلا حرج من وضعي كملك مؤجل، ولم أنس أن أعيد التأكيد على أني سأصنع شيئًا مختلفًا وساحرًا لأني أنا، الكاتب الحقيقي. لم أكن أعي أن الكاتب الحقيقي كالمواطن الحقيقي؛ فكرة في رأس شخص تمرَّر قسرًا.

7

أخبرته أني أحبه لأنه قاوم، آمن، أيقن، ولم يضل، ولم يزلّ، وقبض على الجمر، وأحيا الموتى، وعبر الماء خطوًا، لهذا نجح. لكنه قال ببرود مماثل: نجحت لأني أقضي أغلب الوقت خارج مصر، في ألمانيا عند شقيقتي.

كان بإمكاني التفكير مليًا في الإجابة المفاجئة، لكني آثرت أن أؤكد لنفسي مجددًا على ألا ذباب في المملكة.

8

ما يزعجني حتى الآن، أني رفضت الشرب من نبيذ الملك الفاخر، الذي عرضه عليّ بديلًا عما يرُلّه من المبهجات الحلوة. أفكر أني لا أفوّت فرصة الآن لشرب النبيذ كلما أتيح، تعويضًا عن تفاهة الرفض حينها. لا أعلم ما الذي كنت أحاول إخباره برفضي: أن تلك الأشياء مثلّا تميز السيئين؟

كانت الأخلاق الهشة للطبقة الوسطى هي ما تسند شعوري بالملك.

9

قلت له: نحبك لأنك عكس المطربين، لم ترغب في بطولة فيلم تافه قصته ساذجة ومكررة عن صعود مطرب، وفضلت دائمًا الانحياز للسينما المهمة بأدوار أصغر.

لم يرد لي محبتي بالامتنان الذي توقعته، بل أجاب منزعجًا: «لم أختر هذا.. بل المنتجون هم من خافوا إسناد بطولة فيلم إلى مطرب أسمر.. وقريبًا ستراني بطلًا على الشاشة».

أسقطتُ الإجابة كأنها لم تكن، لا ذباب في المملكة يا ملك الزمان. لم يجل في بالي لحظة أنه لم يقل سوى الحقيقة. بعد عشر سنوات، سيقدم أسوأ مما قدمه المطربون السذج، في مسلسل «المغني».

كان الأمر يمثّل له جرحًا. لم يعتبرها بطولة، بل إهانة.

10

انفرجت الأمور قليلًا، ولسبب لا أذكره، بدأت الأمور تأخذ منحى جدًيا، فقام ليسمعني أغاني لم تُطلق بعد. طلب رأيي وكنت مبهورًا لأني سمعت الأغاني قبل الآخرين حتى أني لم أعرف ما أقوله. كنت أملك رأيًا: كل كلام الكينج حلو، فلتقل ما تشاء. وهذا لم يكن رأيًا على الإطلاق.

ثم انزلق كل شيء إلى نشوة الراحة والانبساط، قبل أن يباغتني بسؤاله: هل حضرت حفلة لي من قبل؟ قلت محرجًا: لا.. لم أفعل. والأسوأ أني حاولت الشرح، قلت كل ما تردده الطبقة الوسطى: جمهور منير لم يعد كما كان، والدليل أن حفلاته تعج بـ«مستمعين غير حقيقيين» يذهبون للتحشيش والتحرش والسكر. وحاولت أن أنزهه عن هذا، محدثًا إياه عن مستمع «محترم»، مثلي ومثل آلاف، مستمع لا وجود له.

كان وجهي يزداد احمرارًا مع كل كلمة أتفوه بها، كنت أدرك رويدًا رويدًا أني على خطأ، كأن العالم انتهى، ثم أجهز عليّ عندما قال: كيف تكتب عني إذا لم تكن تحضر حفلاتي؟ لن تعرفني حقًا إلا هناك، وسط الصخب وجمهور كهذا. وكيف تقول إنك تحبني وأنت لا تبذل الشقاء من أجلي؟

11

توقفت عن الكلام؛ الذباب على طرف اللسان مزعج وقاتل. كنت أفكر في انسحاب آمن، وكان الكينج، متجاوبًا مع إعلان في التليفزيون، يشرح أن مستقبل الأغنية في الكول تون. أومأت برأسي، وقلبي يفكر في الهروب من هنا.

لكن كأن الدراما كانت تطلب شيئًا أفضل، فجريدة البديل التي عرّفت نفسي بوصفي أحد كتابها الأساسين، كان خبر إغلاقها ينقل على الشاشة، ولم أعرفه إلا في بيت الكينج. التفت إليّ قائلًا بشفقة حقيقية: أليست هذه الجريدة التي تعمل بها؟ ضحكت حينها من قلبي حقًا. كنت أدرك شيئًا شديد القسوة؛ لقد انتهى عالمي كما أعرفه خارج قلعة الكينج.

استأذنت في الخروج، مستندًا إلى حجتي المثالية في زوال العالم. وصّلني بنفسه إلى الباب. وقبل أن يختفي إلى الأبد، أعطيته نسخة منشورة من كتاب لي كان ينشر مسلسلًا في الجريدة. قدمته يائسًا، وتركت إهداء لا أفهمه حتى الآن: إلى الطول واللون والحرية، وتركت رقم هاتفي. أكد أنه سيعاود الاتصال بي، لكنه لم يفعل، وكنت أعرف أنه لن يفعل.

بعد عشر سنوات من خروجي مهزومًا من هذا الباب إلى الأبد، أفكر أن منير كان يرغب في أن أراه عاريًا من أي خيال خاطئ، من أسطرته، كان يرغب أن أقول إن هناك ذبابًا في المملكة، لكني لم ألتقط ذلك، كنت عاريًا تمامًا حينها.

اعلان
 
 
أحمد الفخراني