تعديلات القوانين: تسريع التقاضي أم تغيير بيئته؟
 
 

استغرقت تعديلات أدخلها البرلمان على إجراءات التقاضي شهورًا طويلة قبل إقرار رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي لها بشكل نهائي قبل أيام. الهدف المُعلن هو تسريع إجراءات التقاضي لمواجهة اﻹرهاب، لكن بحسب مختصين لن تتمكن تلك التعديلات من تسريع عملية المحاكمة لكنها ستخلق تغييرًا جذريًا في عملية التقاضي ككل.

طالت التعديلات التي أقرها البرلمان أربعة قوانين هي: اﻹجراءات الجنائية، وحالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض، ومكافحة اﻹرهاب، وقوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين.

القوانين اﻷربع

في قانون اﻹجراءات الجنائية، أتاحت التعديلات الجديدة للمحكمة الاستغناء عن شهادة أحد الشهود (مع توضيح سبب هذا الاستغناء في حكمها). كما عدلت طريقة اعتبار الحكم حضوريًا أو غيابيًا؛ يشرح المحامي والباحث القانوني أحمد حسام، أن الحكم الغيابي تحدد، بحسب التعديل، في حالة عدم حضور المتهم أو وكيله أي جلسات محاكمة منذ بدايتها وحتى إصدار الحكم. إذا حضر المتهم -أو وكيله- أي جلسة من الجلسات يصدر الحكم حضوريًا.

وفيما يخص الطعن أمام محكمة النقض، فرقت التعديلات الجديدة بين نوعين من أسباب الطعن على اﻷحكام. وهو ما يوضّحه حسام بأنه إذا كان الطعن مبنيًا على أسباب موضوعية -مخالفة القانون أو الخطأ فى تطبيقه أو تأويله- لا يختلف عمل محكمة النقض عما كانت عليه: تعيد القضية إلى دائرة أخرى في نفس المحكمة التي أصدرت الحكم. لكن إذا كان الطعن مبنيًا على أسباب إجرائية، تتصدى محكمة النقض للنظر في موضوع القضية.

أحد اﻷمثلة على قبول الطعن بناء على أسباب إجرائية كان قبول محكمة النقض الطعن على حكم الإعدام الصادر ضد عادل حبّارة بتهمة ارتكاب مذبحة رفح الثانية في 2013، وإلغائها الحكم. يقول حسام إن محكمة النقض استندت في حكمها إلى خطأ إجرائي، حيث تخلف قاضيان ممن استمعوا إلى مرافعة المحامين عن حضور جلسة الحكم، وحل محلهما قاضيان آخران.

وغيرت التعديلات التي أدخلت على القانون 8 لسنة 2015، الخاص بقوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين، إجراءات طلب إدراج الأشخاص أو الكيانات على قائمة الإرهاب، وتسهيل الاشتراطات اللازمة لها.

بحسب التعديل الجديد، يلتزم النائب العام بتقديم إما تحقيقات أو مستندات أو تحريات أو معلومات لتأييد طلبه إضافة شخص أو كيان إلى قائمة اﻹرهاب، بعدما كان القانون يشترط تقديم «التحقيقات والمستندات» معًا.

كما طالت التعديلات قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015، بتنظيم عملية رد المحكمة وتحديد إطار زمني ﻹنهائها.

خطوة جديدة

تأتي التعديلات اﻷخيرة على القوانين اﻷربع في إطار خطوات مختلفة اتخذتها الدولة بهدف تسريع إجراءات التقاضي بعد اﻹطاحة بالرئيس اﻷسبق محمد مرسي في يوليو 2013، واتساع دائرة العنف التي شهدتها البلاد.

الخطوة اﻷولى جاءت في ديسمبر 2013 باستحداث دوائر تختص بنظر القضايا المتعلقة بجرائم الإرهاب، حرصًا على سرعة الفصل والإنجاز في قضايا الإرهاب.

لم يسهم تخصيص دوائر إرهاب في إنجاز القضايا كما هو مطلوب، بل وتسببت ممارسات مختلفة من المحاكم المتعددة في إلغاء محكمة النقض أحكامها. على سبيل المثال، ألغت محكمة النقض كل الأحكام التي صدرت ضد مرسي، باستثناء حكم وحيد، وذلك بعد أعوام استغرقتها محاكمته.

لهذا حاولت الدولة أخذ خطوتها الثانية، متمثلة في إجراء تعديلات مماثلة على قانون اﻹجراءات الجنائية. في فبراير 2015، وافقت الحكومة على مشروع قرار رئيس الجمهورية بتعديل المواد المتعلقة بسماع الشهود في قانون الإجراءات الجنائية. وبررت الحكومة التعديلات في مذكرة توضيحية أرفقتها بالمشروع عند تقديمه لقسم التشريع بمجلس الدولة بأن «الممارسة العملية أثبتت سوء نية بعض المتهمين أو المدافعين عنهم فى استغلال بعض الثغرات القانونية، ومنها ما جاء بنص المادتين 277، 289 من قانون الإجراءات الجنائية بشأن طلب سماع شهود أدلوا بأقوالهم بالتحقيقات، مستغلين أن القانون أوقف أمر سماع الشهود على قبول المتهم أو المدافع عنه، وفى هذه الحالة تقف المحكمة عاجزة عن الفصل فى الدعوى، رغم وضوح الواقعة أمامها تطبيقًا للقانون»، حسبما نشرت صحيفة اليوم السابع.

لكن اﻷسباب التي ساقتها الحكومة لم تقنع قسم التشريع بمجلس الدولة، والذي قرر رفض التعديلات التي اقترحتها الحكومة.

فيما ظل الحديث عن ضرورة وجود «عدالة ناجزة» يتجدد مع كل حادث تفجير أو اغتيال كبير.

في يوليو 2015، بعد اغتيال النائب العام السابق هشام بركات، قال السيسي أثناء الجنازة إن يد العدالة «مغلولة بالقوانين»، مؤكدًا «إحنا هنعدّل القوانين اللي تخلينا ننفذ القانون والعدالة في أسرع وقت ممكن».

قبل أن يعود الحديث نفسه للسطح مرة أخرى في ديسمبر الماضي، عقب حادث تفجير الكنيسة البطرسية. لتتشكل لجنة لتعديل قانون اﻹجراءات الجنائية، عقدت عددًا من ورش العمل انتهت بعقد مؤتمر أواخر فبراير الماضي دون أن يسفر ذلك عن أي تغييرات.

إلا أن شهر أبريل الماضي شهد مسارعة مجلس النواب بإدخال تعديلات على القوانين الأربع، في تحرك سريع عقب تفجير كنيستي طنطا واﻹسكندرية، وذلك رغم اعتراض مجلس القضاء اﻷعلى على تطبيق تلك التعديلات في الوقت الحالي.

هل تتحقق العدالة الناجزة؟

من جانبه، يشكك حسام في أن تسهم التعديلات الجديدة فعلًا في تحقيق «عدالة ناجزة»، واصفًا إياها بالتعديلات الـ «كارثية» التي تثقل كاهل العدالة، طالما لم يصاحبها تعديلات أخرى لتمكينها.

ويذكر على سبيل المثال تراكم الطعون أمام محكمة النقض في الوقت الحالي، متوقعًا أن تتسبب التعديلات الجديدة في إثقال كاهل المحكمة بعدد كبير من القضايا.

كما يرى أنه لا بد أولًا من زيادة عدد قضاة محكمة النقض وعدد دوائرها، وتعديل اشتراط انعقادها في مدينة القاهرة؛ لمواجهة صعوبة نقل المتهمين، فضلًا عن إعادة تهيئة قاعات المحكمة كي تتمكن من القيام بعملها.

يتفق مصطفى شعت، الباحث بوحدة أبحاث القانون والمجتمع بالجامعة الأمريكية، مع ما قاله حسام عن حاجة محاكم النقض لتعديلات لوجيستية للسماح لها بالعمل بالتعديلات الجديدة.

ويضيف شعت أن إصلاح منظومة العدالة وتسريعها يحتاج إلى إجراءات أخرى، «هناك حاجة لإصلاح منظومة الخبراء والتي تعاني من نقص الموارد»، مشيرًا إلى أنها أحد أسباب تأخير القضايا.

كما يقترح شعت إعادة النظر في دور النيابة العامة ككل، ووجوب فصل سلطتي التحقيق واﻹحالة للمحاكمة. وهنا، يضرب مثلًا بقضية خلية الماريوت، والتي قررت محكمة النقض قبول الطعن في الحكم الصادر فيها بسبب اعتماده على تحريات وشهادات، واصفًا إياه بالحكم المتعجل.

يقول شعت إن تحريك النيابة قضايا دون أدلة كافية، تنتهي إلى أحكام تلغيها محكمة النقض لاحقًا، يشير إلى ضرورة فتح النقاش مرة أخرى حول فصل سلطتي التحقيق واﻹحالة لتوفير ضمانات أكبر، وإحالة القضايا للمحاكمة بعد اكتمال التحقيقات وتوافر اﻷدلة.

ويتفق كلًا من حسام وشعت على أن الخطوة اﻷكثر منطقية كانت استحداث درجة استئناف لمحاكم الجنايات لمنح درجة تقاضي إضافية، وتخفيف الضغط على محاكم النقض، خصوصًا مع اﻹلزام الدستوري بإنشائها (تنص المادة 96 من الدستور على أن ينظم القانون استئناف الأحكام الصادرة فى الجنايات).

فيما يعتبر شعت أن تعديلات القوانين اﻷربع بهذا الشكل وبهذه الطريقة، لا يمكن فصلها عن التغييرات في طريقة اختيار رؤساء الهيئات القضائية. بالنسبة إليه، فإن هدف السلطة التنفيذية من هذه التحركات هو تغيير بيئة التقاضي ككل وليس مكافحة اﻹرهاب.

اعلان