Define your generation here. Generation What

معاش المدني ومعاش العسكري.. لا يستويان (2)

«اللي ما عندهوش دخل غير معاشه ياكل هوا. الأسعار زادت 100% و150% والمعاش زي ما هو، يا دوب الواحد يدفع منه فلوس الميه والكهرباء والغاز».

هكذا قال عبد الرؤوف الذي خرج على المعاش عام 2015، بعد 37 سنة من الخدمة على درجة كبير أخصائيين ومدير إدارة بالقوى العاملة، ويبلغ إجمالي معاشه الآن 1150 جنيه، بعدما كان إجمالي أجره يزيد عن ثلاثة ألاف جنيه.

أضاف عبد الرؤوف أن إجمالي المبلغ المتجمد الذي صرفه كمكافأة (شهر عن كل سنة خدمة) بالإضافة لـ 15% عن أجر السنة الزائدة عن الحد الأقصى للسنوات المطلوبة للمعاش الكامل، هو 29 ألف جنيهًا فقط، بينما الحد الأقصى لاستحقاق المعاش الكامل للمدنيين هو 36 سنة.

بالمثل قال زكريا إن معاشه بعد 39 سنة خدمة هو 1300 جنيهًا، بعدما كان أجره 3500، وإن إجمالي ما صرفه من التأمينات، كمكافأة وبدل عن ثلاث سنوات زائدة هو 28 ألف جنيه، وأضاف: «المعاش مابيكفيش حاجة، وأنا عندي الضغط والسكر والقولون، ودوا التأمين الصحي مافيهوش المادة الفعالة، علشان كده بشتري دوا السكر من برا، لإن السكر ما بيرحمش، وآدي احنا بنقضيها بالطول أو بالعرض. »

رغم أن المدنيين يدفعون أكثر مما يدفع العسكريون كاحتياطي معاش، إلا أن طريقة حساب المعاشات لكل منهما تجعلهم يتقاضون أقل من خُمس ما يتقاضاه العسكريون

كما ذكر عصام معوض، العامل في شركة تيتان بالإسكندرية والذي أجبر على المعاش المبكر هو وزملاؤه بعد خصخصة الشركة في عام 2000، أن معاشه وقتها، وبعد 24 سنة خدمة دفع خلالها اشتراك التأمينات، كان ستين جنيهًا فقط، وأنه زاد الآن ليصبح ألف جنيه، وتساءل كيف يمكنه العيش به، ومعالجة أولاده من الأمراض التي تتسببت فيها الشركة، بتلويثها لمنطقة وادي القمر التي يسكن فيها؟

إذن، وكما يتبين من الحالتين الأوليين، فلا تمثل المعاشات سوى ثلث ما كان المنتفع المدني يتقاضاه كأجر، ولا يرجع هذا فيما يبدو إلا لطريقة حساب قيمتها عند الخروج للتقاعد، والأكثر إجحافًا أيضًا هو كيفية حساب المعاش المبكر، حتى لو أجبر المدني عليه كما حدث في كل الشركات المخصخَصة، أو لو فُصل العامل في القطاع الخاص وهو في سن الأربعين، ولم يتمكن من إيجاد عمل منتظم آخر يستطيع من خلاله الاستمرار في دفع التأمينات لسن التقاعد.

***

كنا رأينا في الجزء الأول من هذا المقال كيف جرى فك ارتباط معاشات العاملين بالقوات المسلحة في حدها الأقصى عن نظيرتها لدى المدنيين في عام 2014، ما أطلق العنان لزيادات معاشات العسكريين دون المدنيين، لتتسع الفجوة بينهما حاليًا ومستقبلًا، كما عرضنا إحدى المشاكل الأساسية التي تتسبب في تواضع معاشات المدنيين، وهي ضآلة الحد الأدنى لاشتراك الأجر الأساسي.

ونعرض هنا، ومن خلال القوانين، كيفية حساب المعاش لكل من المدنيين والعسكريين، بعد أن نعرض مقدار ما يدفع كل منهما كنسبة من أجره للمعاشات.

كم يُقتطع من الأجر للمعاش؟

عرّفت المادة الخامسة من قانون 79 لسنة 1975 وتعديلاته، والموجه للمدنيين، الأجر الذي تُقتطع منه نسبة المعاش بوصفه «كل ما يحصل عليه العامل لقاء عمله»، ثم انقسم للأجر الأساسي والمتغير، وذلك لاحتساب كل منهما بشكل مختلف عن الآخر لدى حساب قيمة المعاش.

وجرى تعريف الأجر الأساسي للعاملين المُطبّق عليهم قانون الخدمة المدنية بأنه «الأجر الأساسي في 30-6- 2015»، وهي بداية السنة المالية التالية لتطبيق قانون الخدمة المدنية. أما للعاملين بالقطاع الخاص فهو الأجر الأساسي المنصوص عليه في العقد، بالإضافة للعلاوات الخاصة المضمومة إليه. وعُرّف الأجر المتغير بـ«كل ما يتقاضاه العامل بخلاف ذلك من أجر إضافي وأرباح وبدلات، والتعويض عن الجهود الإضافية وعلاوة غلاء المعيشة»، وتدخل ضمن حساب الأجر المتغير أيضًا العلاوات غير المضمومة، وكذلك تلك الزائدة عن الحد الأقصى للأجر الأساسي.

يبلغ إجمالي ما يُدفع عن كل عامل لهيئة التأمينات 40% من الأجر بالنسبة للعاملين بالقطاع الخاص، و36% بالنسبة للعاملين في الحكومة، و37% للعاملين بالقطاع العام والوحدات الاقتصادية التابعة لها.

تبلغ النسبة التي يدفعها المنتفع نفسه 14% من أجره، بينما تدفع الحكومة، بصفتها صاحب العمل، 22% على الأجر، بالنسبة للعاملين بالجهاز الإداري للدولة والهيئات والمؤسسات العامة، و23% بالنسبة للعاملين بالقطاع العام والوحدات الاقتصادية، بالإضافة إلى التزام الخزانة العامة لصندوق المعاشات بنسبة 1% من الأجور الشهرية لكل من المؤمَّن عليهم. ويدفع أصحاب الأعمال في القطاع الخاص 26% من أجور عمالهم لهيئة التأمينات والمعاشات.

كل هذه النسب، سواء ما يدفعها العامل أو صاحب العمل، تُحتسب على إجمالي الأجر، فيما عدا نسبة الـ 5% الخاصة بمكافأة نهاية الخدمة والتي تدفع على الأجر الأساسي.

أما قانون 90 لسنة 1975، والموجه للعسكريين، وعلى خلاف نظيره 79 الخاص بالمدنيين، فلم يذكر أي نسب يدفعها صاحب العمل لتمويل صندوق المعاشات الخاص بهم، بخلاف 13% يدفعها المنتفعون العسكريون من إجمالي أجورهم.

ويشمل ما يخصم من الأجر المتغير بدل طبيعة العمل وما زاد عن الأجر الأساسي، وبدل الجهود الإضافية لعناصر فئة المنطقة العسكرية، علاوات أركان حرب التخصصية والوظيفية والتشكيل والعلمية للتدريس حسب الأحوال، العلاوات الخاصة التي منحت ولم تضم للأجر الأساسي بدون حد أقصى منذ وقت إضافتها، وذلك طبقًا لمادة 3 من قانون 73 لسنة 2013، ومادة 2 فقرة أولى من قانون 196 لسنة 2014 والمعدل بقانون 51 لسنة 1984، وقرار رئيس جمهورية 335 لسنة 2015.

كيف يُحسب المعاش؟

طبقًا لمادة 19 من قانون 79 لسنة 1975 وتعديلاته، والمعدلة بالقانون 120 لسنة 2014، يُسوّى معاش الأجر الأساسي للمدنيين بحسب متوسط الأجور التي دُفعت على أساسها الاشتراكات خلال السنتين الأخيرتين من مدة الاشتراك في التأمين، أو مدة الاشتراك في التأمين إذا قلت عن ذلك. على ألا تتجاوز الأجور، التي يُحدَّد المتوسط على أساسها، 150% من أجر الاشتراك في بداية الخمس سنوات الأخيرة من مدة الاشتراك.

وكان المعاش الأساسي، قبل التعديل الذي جرى في عام 2014، يُحسب للعاملين بالحكومة والقطاع العام والهيئات الاقتصادية على متوسط أجر السنتين الأخيرتين، وللعاملين بالقطاع الخاص على متوسط آخر خمس سنوات، ما دفع أصحاب المعاشات في القطاع الخاص لرفع قضية في المحكمة الدستورية بسبب هذا التمييز، وحُكم لصالحهم فيها. ولكن بدلًا من مساواة العاملين بالقطاع الخاص بالعاملين في الحكومة، أصبح يُحتسب للجميع من بداية أجر آخر خمس سنوات، وهو أدنى حتى مما كان يحسب للعاملين بالقطاع الخاص قبل القضية!

يدخل في حساب الراتب ما استحقه المنتفع العسكري من زيادة في راتبه حتى وإن لم يكن قد صُرف له

أما بالنسبة لمعاش الأجر المتغير، فيُسوَّى على أساس المتوسط الشهري للأجور التي أُديت على أساسها الاشتراكات طوال مدة الاشتراك عن هذا الأجر، بمراعاة زيادة المتوسط بواقع 3% عن كل سنة كاملة، شريطة ألا يزيد المتوسط عن الحد الأقصى لأجر الاشتراك المتغير.

وفق المادة 20 من قانون 79 وتعديلاته، وكان آخرها قانون 130 لسنة 2009، «يُسوَّى المعاش بواقع جزء واحد من خمسة وأربعين جزءًا من الأجر المنصوص عليه فى المادة السابقة عن كل سنة من سنوات مدة الاشتراك فى التأمين».

وفى جميع الأحوال يتعين ألا يزيد الحد الأقصى للمعاش عن 80% من الحد الأقصى لأجر الاشتراك فى تاريخ الاستحقاق.

أما بالنسبة لكيفية حساب المعاش المبكر، فيستخدم الجدول رقم 9 الملحق بقانون 79 تعبير «المُعامل الإكتواري»، وهو الرقم الذي يربط قيمة المعاش بسن المؤمَّن عليه، والعلاقة بين الرقم وسن المؤمن عليه عكسية، حيث يزيد الرقم كلما صغر سن المؤمن عليه.

في هذا الجدول، يبدأ المعامل الإكتواري من الرقم 90 في سن 38 سنة، وصولًا إلى 46 في سن 59، أي أن الأجر المنصوص عليه لمن يخرج في معاش مبكر في سن الـ38 يُقسم على 90، ولمن يخرج في سن الـ59 سنة، يُقسم على 46، وفق قانون 130 لسنة 2009، المعدّل لقانون 79 لسنة 1975.

أما وفق قانون 90 لسنة 1975 وتعديلاته، والموجه للعسكريين، فيبدأ المعاش بشكل عام بالنسبة للضباط من «ملازم أول» في سن 44، وصولًا لـ«المشير» في سن 65، وبالنسبة لضباط الصف والجنود ذوي الرواتب العالية يبدأ سن التقاعد لكل من «جندي» و«عريف» و«رقيب» في سن 52 وصولًا للـ«مساعدين» في سن 65.

يُصرف للعسكريين معاشٌ أساسي وآخر متغير، ومكافأةٌ قدرها شهر عن كل سنة من سنوات الخدمة، ويُسوَّى المعاش على أساس آخر راتب اقتُطع منه احتياطي المعاش. ويدخل في حساب الراتب ما استحقه المنتفع من زيادة في راتبه حتى وإن لم يكن قد صُرف له، بحسب مادة 16 قانون 90.

وتنص مادة 26 من القانون على أن تكون قيمة معاش من وصل لسن التقاعد، المنصوص عليه في مادة 12 و13 من القانون، أربعة أخماس أقصى رتبته ودرجته الأصلية أو أربعة أخماس آخر راتب له، أيهما أفضل.

وهو نفس ما ينطبق على من أحيل إلى التقاعد قبل بلوغه سن التقاعد بغير طلب منه، وبسبب غير الطرد أو الرفت أو الاستغناء عن الخدمة، بحسب مادة 27 من قانون 90. كما يصرف له تعويض تقاعدي يساوي الفرق بين معاشه وبين جملة راتبه الأصلي والإضافي، بالإضافة للتعويضات والبدلات الأصلية والإضافية الثابتة والمقررة لكافة الضباط من نفس الرتبة أو الدرجة الأصلية، ولا يتجاوز التعويض التقاعدي نصف قيمة معاشه، وذلك لمدة خمسة سنوات، أو لحين وصوله لسن تقاعد رتبته، أيهما أقل، بحسب المادة 21 من قانون 129 سنة 2009، المعدّل للقانون 90.

معظم من يخرجون للمعاش من العسكريين تُحسب معاشاتهم بنسبة أربعة أخماس ما كانوا يتقاضونه؛ لو كان العسكري يتقاضى عشرة آلاف جنيه أثناء خدمته، فسيكون معاشه ثمانية آلاف جنيه

وبجانب حالات الإصابة في الخدمة أو الاستشهاد باستحقاقاتها، وسنتناولها في المقال القادم، فلا يتبقى هنا سوى من يحال للتقاعد بناء على طلبه قبل وصوله لسن التقاعد المقرر بالقانون، وتنطبق عليه المادة 23 من قانون 90: «يسوى المعاش باعتباره جزءًا من 36 جزءًا من آخر راتب استحقه المنتفع، وذلك عن كل سنة من سنوات الخدمة المحسوبة في المعاش».

يتضح مما سبق أن معظم من يخرجون للمعاش من العسكريين تُحسب معاشاتهم بنسبة أربعة أخماس ما كانوا يتقاضونه، أي أنه لو كان العسكري يتقاضى عشرة آلاف جنيه أثناء خدمته، فسيكون معاشه ثمانية آلاف جنيه. هذا بينما يرتبط المدنيون بالحد الأقصى، الذي تخصم علي أساسه نسبة التأمينات، وهو 3230 جنيهًا، ومنها 1120 جنيه أجر أساسي، والباقي أجر متغير، طبقًا لما ذكره لـ«مدى مصر» طلال شكر، عضو اتحاد أصحاب المعاشات.

وبما أن الحد الأقصى للمعاش لن يزيد في كل الأحوال عن 80% من الحد الأقصى لأجر الاشتراك في تاريخ الاستحقاق، أي 3230 جنيهًا، فلن يزيد معاش المدني، حتى لو كان يتقاضي خمسين ألف جنيه أثناء العمل، عن 2584 جنيهًا.

مثال افتراضي لمدني وعسكري خرجا لمعاش مبكر:

لتوضيح الفرق في كيفية حساب المعاش لكل من المدني والعسكري، حتى لو تساويا في الأجر، لنضرب مثلًا باثنين خرجا للمعاش الآن في سن 38، ولنفترض مجازًا أن الأجر الأساسي لكل منهما كان ألف جنيه، ولنفترض أن كلًا منهما التحق بالعمل في سن 18 سنة، وهو بداية سن العمل.

بالنسبة للعسكري الذي يخرج للخدمة بناء على طلبه في سن 38 سنة، تُقسّم الألف جنيه على 36، أي 27.8 جنيهًا تُضرب في عدد سنوات الخدمة لتعطينا قيمة المعاش المقرر له. وتكون لديه سنوات خدمة قدرها 30 سنة (20 سنة مدة خدمة فعلية، بالإضافة لنصف المدة الفعلية، المحسوب كمدة إضافية).

تُحسب قيمة معاش العسكري بواقع 27.8، مضروبة في 28.8، وهو الحد الأقصى لسنوات المعاش للعسكريين، فتصبح  800 جنيهًا، وتتضاعف هذه القيمة بمقدار تضاعف الآلاف في أجره.

أما بالنسبة للمدني، الذي خرج للمعاش في سن 38 سنة، فستكون لديه عشرون سنة خدمة فحسب.

وإذا افترضنا أن العلاوات المضمومة للأجر الأساسي في السنوات الخمس الماضية كانت 10% عن أربع سنوات، بالإضافة لعلاوة الـ 30%، والتي أُقرّت في عام 2008 وضُمّت في عام 2013، يكون أجر المدني في العام قبل الأخير حوالي 900 جنيهًا، وأجره في بداية الخمس سنوات أقل من 500 جنيهًا.

في هذا المثال تصبح قيمة معاش المدني هي حاصل ضرب 8.3 في 20، أي 166.6 جنيهًا فقط شهريًا، في مقابل 800 جنيهًا يتقاضاها نظيره العسكري

يُفترض في الأصل أن يُحسب معاش المدني على أساس متوسط أجر العامين الأخيرين، بما يعادل 1000+900 مقسومًا على اثنين، أي 950 جنيهًا، ولكن بالعودة للمادة 19، وبمفادها لا يتجاوز المعاش 150% من أجر المنتفع في بداية الخمس سنوات الأخيرة، وهو 500 جنيهًا، يصبح الناتج الآن 750 جنيهًا.

لذا يصبح المتوسط السنوي الذي سيحسب على أساسه معاش المدني 750 جنيهًا فقط، طبقًا لمادة 19. وتكون القيمة التي سنضربها في عدد السنوات هي: 750 مقسومة علي 90 (بحسب المعامل الإكتوراي في جدول 9)، أي بما يساوي 8.3 جنيهًا. وهكذا تصبح قيمة معاش المدني هي حاصل ضرب 8.3 في 20، أي 166.6 جنيهًا فقط شهريًا، في مقابل 800 جنيهًا يتقاضاها نظيره العسكري.

وهكذا، ورغم أن المدنيين يدفعون أكثر مما يدفع العسكريون كاحتياطي معاش، إلا أن طريقة حساب المعاشات لكل منهما تجعلهم يتقاضون أقل من خُمس  ما يتقاضاه العسكريون، سواء في حالات الخروج للمعاش في سن التقاعد، أو في حالة المعاش المبكر لكل منهما، بالإضافة للتعويض التقاعدي للعسكري، الذي يجعله يتقاضى نفس المبلغ الذي يتقاضاه زميله في الخدمة.

اعلان
 
 
فاطمة رمضان