Define your generation here. Generation What
«ارسم خريطتك» بين مارسيليا والإسكندرية: الحق في المدينة
 
 

«طول الوقت، كانت مصر وأخبارها بعيدة عنا ولا تهمنا، لكن من اليوم سنتابع أي حدث في مصر بخوف، فقد أصبح لدينا أصدقاء وإخوة هناك نخاف عليهم»، قالت صديقاتي الجديدات من مختلف أنحاء العالم، وهن يحاولن مواساتي ومواساة مصريين آخرين معي، عقب تفجيرات كنيستي طنطا والإسكندرية في أحد الشعانين.

قضينا أحد الشعانين في مقر إقامتنا بالقرب من السوق العربي بمدينة مارسيليا. كنا في حالة ذهول وصدمة، ونحن نتابع الأخبار القادمة من مصر، بينما التف حولنا شباب من دول مختلفة في العالم، لا تتجاوز معرفتهم بمصر سماع اسمها بصورة عابرة في نشرة الأخبار.

أول مرة أقضي أسبوع الآلام برا مصر

تعرفت على الأصدقاء الجدد في مدينة مارسيليا الفرنسية المطلة على البحر المتوسط، خلال مشاركتي في ورشة «ارسم خريطتك!»، أو  «Sketch’m Up!»  المموّلة من المفوضية الأوروبية من خلال برنامج «إيراسموس Erasmus»، والذي اعتمد على تعاون ثلاث منظمات شريكة من إسبانيا ومصر وفرنسا. اتخذت الورشة مقولة المهاتما غاندي «كن أنت التغيير الذي تريده في العالم» شعارًا لها، وجمعت 15 شابًا وفتاة من دول المتوسط وأمريكا اللاتينية في مدينة مارسيليا الساحلية.

شاركت في الورشة مؤسسة «بكرة سوا.. Bokra Sawa» الفرنسية للثقافة والتعليم، وهي الداعية للمشروع والمُضيفة في مارسيليا، ومن مصر شاركت «المدينة» للفنون المسرحية والرقمية، وشاركت من إسبانيا مؤسسة «JISER Reflexions Mediterrànies». في النهاية خرجنا بمجموعة مشاريع، تتراوح بين الفيلم القصير والاسكتشات المرسومة وتسجيلات الصوت، التي عُرضت في مارسيليا، ومن المقرر أن تُعرض في المركز الفرنسي بالإسكندرية من اليوم 30 أبريل وحتى 11 مايو، على أن يُفتتح المعرض يوم 2 مايو المقبل في الإسكندرية.

ارسم خريطتك!

«ارسم خريطتك» هي ورشة عمل تهدف إلى دمج الشباب في التبادل الثقافي عن طريق استخدام الفنون المختلفة كالرسم والتسجيل، كأداة لتحفيز الإبداع والتفكير النقدي.

يسعي المشاركون لخلق مجتمعاتهم الخاصة في المدن، خاصة متعددة الثقافات منها، فيبدأون في بناء مساحاتهم الخاصة، وتسعى الورشة لمساعدتهم في معرفة كيفية بناء تلك المساحة استنادًا على المواطنة وحقوقهم وواجباتهم التي تعطي إحساسًا بالمسؤولية تجاه بناء مجتمع مشترك.

خريطة المدينة كما رسمها المشاركون.. تصوير كارولين كامل

وعلى مدار أسبوعين خرجنا، نحن أعضاء الورشة، للسير والتجول في شوارع المدينة لاكتشاف روحها الخفية، حيث تتمتع مارسيليا بعدد كبير من رسومات «الجرافيتي» الاحترافية على جدران المباني وأبواب المحلات، وحتى داخل المحلات ذاتها، ومنها جداريات ضخمة تغطي مباني بأكملها.

جداريات في كل مكان.. تصوير كارولين كامل

يختار البعض منا الرسم فيحمل ورقًا وأقلامًا ويبدأ في رسم اسكتشات، ويحمل آخرون أجهزة تسجيل يلتقطون بها أصوات الشوارع الطبيعية، كأصوات الطيور والبشر والموسيقى المختلفة، بل ويسألون السياح وسكان المدينة عن انطباعاتهم عن المدينة وما تتركه في نفوسهم، وما يعلق في الذاكرة ويعيش معهم يكون هو التاريخ الذي يساهم في بناء المستقبل.

في نهاية الأسبوعين تختار كل مجموعة من المشاركين تنفيذ مشروعات خاصة، تدمج بين الرسم والتصوير والتسجيل والكتابة، بغرض عرض أكثر ما علق في نفوسنا من زيارتنا للمدينة، أو حتى ما نفتقده في بلادنا ووجدناه هناك، أو وجهة نظرنا لتطوير مارسيليا أو إجراء بعض التغييرات فيها لتصبح أجمل وأكثر تناغمًا، على أن تُعرض كل هذه المشاريع للاستفادة منها في تطوير المدينة.

مانفيستو الـ«هاهاها»

في عام 2013 تغيرت مدينة مارسيليا بشكل شامل، حيث أصبحت فيه عاصمة للثقافة الأوروبية، وشهد العام ذاته افتتاح «متحف الحضارة الأوروبية وحضارات منطقة البحر المتوسط..Musée des civilisations de l’Europe et de la Méditerranée»، ويقع بالقرب من الميناء القديم في قلب مارسيليا. يطل المتحف على البحر ويحظى بأهمية واسعة لاستضافته معارض من مختلف بلدان البحر المتوسط.

نال المتحف إعجابنا وإعجاب أصدقائنا من برشلونة وأمريكا اللاتينية، إلا أن إطلالته على البحر لم تحظ برضا بعضهم، حيث يمنع من وجهة نظرهم المواطنين من السباحة هناك. وكانت رؤيتهم لبعض الأطفال الذين يقفزون في البحر للسباحة، على مرأى من رواد المتحف المتعجبين، هي البذرة التي استلهم منها هؤلاء فكرة «مانفيستو الهاهاها».

الهاهاها على جدار المتحف

«مانفيستو الهاهاها» هو تظاهرة ساخرة، ويحق لأعضاء الورشة كلهم أن يشاركوا فيها، بلافتات يكتبون عليها ما يرغبون فيه، وتنطلق في رحلة سير من مقر إقامتنا بوسط المدينة مرورًا بالميناء القديم ووصولًا للمتحف، ويردد المشاركون فيها الأغاني أو يقلدون أصوات الطيور والحيوانات أو حتى يصدرون أصوات بلا معنى، بهدف الإعلان عن وجودهم وعن حقهم في التعبير عن آرائهم، حتى ولو كانت مجرد «هاهاها».

ينتهي خط سير التظاهرة بالمتحف والقفز للسباحة في البحر، تأكيدًا على حق المواطنين في السباحة على أي شاطئ، وصحيح أن انخفاض درجات الحرارة حال دون قفزنا، ولكن التظاهرة نجحت على الأقل في لفت أنظار الناس الذين استوقفونا للسؤال عن معنى اللافتات وهدفنا، وكان منهم من شجع الفكرة ومنهم من تجاهلنا، إلا أن قافلة من الأطفال شاركتنا المسيرة بالرقص والغناء معنا حتى المتحف.

من بين اللافتات رفعتُ أنا لافتة «حرية الرقص»، التي أثارت فضول ودهشة أصدقائنا، بعدما عرفوا أن الرقص في شوارع مصر غير متاح، وبهذا المعنى فقد وصفوا اللافتة بأنها «سياسية بشكل ما، لكنها في الواقع تعكس روح مانفيستو الهاهاها»، أي الدعوة للحق في الرقص بأمان وحرية في الشارع.

الرقص بحرية

استفزت التظاهرة ذكريات المشاركين المصريين حول قانون منع التظاهر. خاصة أن وجودنا في مارسيليا تزامن مع الاستعداد للانتخابات الرئاسية الفرنسية. كان أفراد الجيش والشرطة يتجولون كثيرًا في قلب المدينة، ولم يثر وجودهم قلقًا إلا لدينا، نحن المصريين، فقد استقبلوا مسيرتنا بالابتسام، ولم يحاولوا إيقاف أي منا، حتى لسؤاله عما يفعل في ظل أجواء سياسية مشحونة بسبب الانتخابات، فسار كل منا في طريقه.

مدينة الصوت والرائحة

كان التدوين وسيلتي الخاصة للمشاركة في مشروع  «ارسم خريطتك! »

كانت هذه فرصتي للحكي عن علاقتي بهذه المدينة، التي بدأت من زيارتي الأولى لها منذ أربعة سنوات، ووجدتها فيها مدينة شديدة الصخب ولا تشعرني بالأمان، غير أن الدعوة لاكتشاف روح المدينة في ورشة عمل تجمع جنسيات مختلفة، كانت كفيلة بإثارة فضولي لإعادة رؤيتها.

«مدينة الصوت والرائحة»، هذا باختصار هو أعمق وصف لمارسيليا بالنسبة لي.

تكتنف الروائح الزائر، مصطحبة إياه في كل خطوة؛ مزيج من اليود وعبق البحر وشواء السمك، يختلط بالصابون المارسيلي المحلي الذي تشتهر به المدينة، بالإضافة للمحلات الفاخرة الضخمة وأيضًا البسطات الخشبية وعربات اليد التي يدفعها الباعة الجائلون في الطرقات. تختلف الأسعار والأصناف، ولكن لا تختلف جودة الصابون، «فخر صناعة مارسيليا» كما يحب أبناؤها التباهي.

كما تفوح رائحة الخضرة من الزهور والشجر المختلف والأرض المبللة بالمطر، تزاحمها رائحة البن الطازجة المنبعثة من محلات القهوة التي تطحنه خصيصًا، بالإضافة إلى رائحة الحلوى الهشة المنتشرة على طول ممشى الميناء، وكلها روائح غنية تداعب الروح وتفتح الشهية لتناول الطعام والاسترخاء والمشي والوقوع في غرام تلك المدينة.

تفوح رائحة الخضرة من الزهور والشجر المختلف والأرض المبللة بالمطر.. تصوير كارولين كامل

أما الأصوات فأقرب ما تكون لجوقة موسيقية على موعد يومي، تغرد فيها الطيور المختلفة، مثل العصافير الصغيرة والحمام واليمام والغربان والنوارس، مع أصوات السفن الصغيرة المارة من الميناء، كل هذا على أنغام مطربين عابرين بثقافات مختلفة، يحملون آلات موسيقية متنوعة، من أفريقيا وأوروبا وروسيا وأمريكا اللاتينية.

ليس الجو وحده ما يجعل مارسيليا مدينة فرنسية مميزة، بل أيضًا كونها قطعة أرض تجمع شتى أشكال الطبيعة، فالبحر يحتضن المدينة دائريًا؛ وهناك الميناء القديم الذي ترسو فيه اليخوت وتتمايل بنعومة، ويمكن فيه للمسترخي أن يرى، فوق ربوة عالية، كنيسة «العذراء الحارسة.. Notre Dame de la Garde»، التي يذهب إليها طالبو الإنجاب، حيث يشاع أنها الكنيسة التي تستجاب طلباتهم فيها.

نسيم الرقص بالإسكندرية

ظلت الإسكندرية حاضرة طوال أيام الورشة، إما من خلال المشاركين السكندريين، أو لدى إجراء المقارنات بينها وبين مارسيليا، مع استحضار المشاركين الأجانب لفيلم «أجورا» للمخرج التشيلي الإسباني أليخاندرو آمينابار، ويتناول قصة حياة عالمة الفلك هيباتيا التي عاشت في الإسكندرية، وهي الصورة التي يعرفها المشاركون عن المدينة بوصفها منارة للعلم.

اندهش أصدقاؤنا لدى معرفتهم أن غالبية شواطئ الإسكندرية لم تعد مجانية، وإنما جرى احتكارها وأصبحت برسوم للدخول، بل وأن مساحة كبيرة من الكورنيش لم تعد في متناول المواطنين، لأنها إما تحولت لمقاه وفنادق، ولا تجوز السباحة أمامها، أو لأن هناك مباني جديدة أخرى قيد الإنشاء فيها، فلم يعد المواطن يملك من البحر سوى رائحته.

بحر مارسيليا.. تصوير كارولين كامل

لم يطل اندهاش الأصدقاء مما حدث للشواطئ، فقد استطرد أبناء أمريكا اللاتينية في سرد تاريخهم النضالي ضد الديكتاتورية التي مارست أعمال احتكار مشابهة.

«يمكننا المجيء للرقص في الشارع ورفع لافتات ضد احتكار البحر»، عرض صديقنا من كولومبيا مساعدتنا على إنقاذ شواطئ الإسكندرية بطرح فكرة مشابهة لـ«مانيفستو الهاهاها»، تهدف لتذكير الدولة بحقوقنا كمواطنين في التمتع بطبيعة بلادنا مجانًا، ولكننا ذكرناه بقانون التظاهر الذي يحول دون الخروج، ولو حتى في تظاهرات ساخرة.

الرقص حرية وحق

صحيح أن القانون المصري لا يمنع الرقص في الشارع، كما يمنع التظاهر، ولكن المجتمع هو من يتكفل بهذا المنع، لهذا فقد أعطت مبادرة «نسيم الرقص» التي دُشّنت منذ ستة أعوام بالإسكندرية، الأمل في خروج الفنانين للشارع لممارسة فنونهم من غناء ورقص، دون أن يتعرض لهم أحد، ومن المقرر أن تنطلق فعاليات نسيم الرقص 2017 في أول شهر مايو المقبل.

أسبوعان تبادلنا فيهما القصص المضحكة والمأساوية، طهونا طعامنا بأنفسنا، أكلنا طعامًا شعبيًا من كل بلدة، استمعنا للموسيقى والأغاني دون أن يفهم أي منا أحيانًا الكلمات المكتوبة بلغات مختلفة، ولكن الموسيقي والرقص لا يحتاجان للكلام.

«ارسم خريطتك» مبادرة تؤمن بالشباب وحسهم بالتغيير؛ الفن حرية وحق، الرقص حرية وحق، التظاهر حرية وحق. اختلفت طموحاتنا وأحلامنا، باختلاف طبيعة مجتمعاتنا، إلا أننا اتفقنا على أن الفن، بكل أشكاله، هو وسيلة الشعوب لمواجهة القبح والعنف والديكتاتورية والاحتكار، ومن خلاله يخلق البشر مساحات مختلفة للإبداع والتناغم، مساحات يُقبل فيها الجميع باختلافاتهم التي تثري الثقافة.

هذا ما جعل من مارسيليا مدينة قادرة على استيعاب الجميع، كما كانت الإسكندرية في وقت مضى.

اعلان
 
 
كارولين كامل