Define your generation here. Generation What
عادل السيوي «في حضرة الحيوان»: لا رموز هنا.. الرمز سجن
 
 

قبل أيام من افتتاح معرضه الجديد، استقبلني الفنان عادل السيوي في مرسمه بوسط البلد. لم يكن وحيدًا، وإنما استقبلني معه قط شيرازي ساحر، مثل قطعة نحتية من عصر القدماء بلون أسود فاحم تتخلله رتوش بيضاء، ويناديه السيوي بود «ميرو» (نسبة لقط الفنان الإسباني خوان ميرو). حين بدت عليّ علامات الخوف، علّق السيوي ساخرًا: «تأتين للكتابة عن معرض مخصص للحيوان وأنت تخافينه؟»

وفعلًا، فالمعرض الجديد للسيوي المقرر افتتاحه اليوم مخصص  كله لـ«الحيوان».

بدا هذا الاستقبال والانطباع الأولي أشبه ببوابة للدخول إلى عالم الفنان والوقوف على تصوره لمجموعة أعماله الجديدة، والتي تضم 280 عملًا بأحجام متباينة، ولا يشغله فيها الهم الجمالي الذي شغل فنانين واقعيين أو كلاسيكيين حاولوا تصوير براعتهم في رسم بورتريهات للحيوان، فعكفوا على تصوير الخيول مثلًا بأكبر قدر من الدقة.

لا ينشغل السيوي هنا بالهم الجمالي الذي شغل فنانين واقعيين حاولوا تصوير براعتهم في رسم بورتريهات للحيوان

بعد أن عوّدنا السيوي منذ التسعينات على عكوفه لسنوات ست أو سبع ليخرج لنا بلُقية جديدة، مثل مرحلة «الأماكن» مع بداياته في الثمانينيات، ثم مرحلة طويلة للـ«وجوه» ثم «نجوم» حياته، ثم «الحكايات»، ينتهي اليوم «في حضرة الحيوان»، وهو العنوان الذي اختاره لمعرضه الجديد.

نخشى الاقتراب من الحيوان، وكأننا نخشى أن ينفضح ما هو حيواني بداخلنا

في العلاقة المربكة بين الإنسان والحيوان، علاقة التجاور والتشابه والاشتباك والصراع والتواطؤ والخوف والتعالي والتربص، يغوص السيوي ساعيًا لفتح نوافذ جديدة لم نألفها، يغوص في اللاوعي ليطرح تساؤلاته: «نحن نخشى الاقتراب من الحيوان، وكأننا نخشى انفضاح سرنا، نحن ندرك أن هناك حيوانية كامنة داخلنا ولا نريد أن يكشف عنها كائن آخر، وعندما يقترب منا الحيوان ليشمنا أو يلامسنا نخاف ونبتعد، كما لو كنا خائفين من قدرته على كشف هذا الحيواني بداخلنا».

غلاف الكتاب المصاحب للمعرض

يطلعنا السيوي في معرضه الجديد على الحيوان كما يتراءى له؛ هذا الكائن المستقل المعبر عن المعنى في حد ذاته، أو الحيوان في علاقته بالإنسان، وفي علاقته بشخصيات فنية أثرت في حياته، مثل إبراهيم أصلان ومالكه الحزين، أو عبد الهادي الجزار بالحمامة المتطفلة على لوحاته، يقدم تحية فنية لمعزة بيكاسو، ويطرح شخصية تقع ما بين الحيوان والانسان يسميها «الرجل الجدي»، يرصد فيها فكرة «أنسنة الحيوان» والتعدي عليه وإفقاده طبيعته.

يُسكت الفنان كل الأصوات الجاهزة والمقولبة، ليعلو صوت التأمل والتفكر في «حضرة الحيوان».

الرجل الجدي

يحفل تاريخ الفن العالمي، مثله مثل تاريخ الأدب، بنماذج الحيوان، التي تكون عادة تعبيرًا عن الاستبداد والظلم. هل يأتي استخدام الحيوان في هذا السياق، أي كرمز نتجنب به الإدلاء بآرائنا كمثقفين؟

يأتي رد السيوي في شقين، يعرّف نفسه في البداية بوضوح بأنه ليس رجل سياسة. صحيح أن لديه اهتمامًا بالمجال العام ولكن ليس بالسياسة، لأنها، ببساطة كما يقول «غير موجودة في مصر». كما لا يحب الوقوف في خانة «المعارضة»، لأن المعارضة في نظره حالة مؤقتة تتغير إذا تغير دافعها، كما أن اليمين قد يصبح معارضًا تحت الحكم اليساري، وقد ترتدي المعارضة رداء فاشيًا أو نازيًا ضد السلطة الليبرالية. لا يريد السيوي سوى أن يكون «فنانًا»، ويعني هذا بالنسبة له أن يحتفظ بمسافة بينه وبين الناشط أو المعارض السياسي. النماذج في رأسه كثيرة؛ بيكاسو كتب في السياسة والأدب، لكن بصفته فنانًا، أنجلينا جولي ستظل كما هي الفنانة الشهيرة، يضفي فنُها قيمة على مواقفها في المجال العام وليس العكس: «وحتى حين شاركتُ في حركة ‘أدباء وفنانين من أجل التغيير’، ورفعنا صور أم كلثوم وصلاح جاهين في الميدان، كان هذا من موقعي كفنان ورغبة في إعلاء قيمة الفن»، يضيف.

الشق الثاني هو نظرته للرموز، لا يحب السيوي الرموز، لأنها، في رأيه، تحد من دلالات الأشياء وتسجنها في معنى واحد، فيصبح الحمار رمزًا للغباء والكلب للوفاء والحمامة للسلام، وتصبح حتى قبضة اليد رمزًا للمقاومة، كل هذا بينما عالمنا البصري مفتوح، ويتيح للعين أن تتجول فيه وتأوله كما يحلو لها. كما أنه، ورغم كل القيود القائمة، لا يعتقد أن المنع وصل في عصرنا هذا إلى أن يرتدي الفنان قناعًا أو يتخفى وراء الرمز: «أعتقد أنه عصر انتهى».

عالمنا البصري مفتوح، ويتيح للعين أن تتجول فيه وتأوله كما يحلو لها

أكثر من هذا، ففي الكتاب المصاحب للمعرض يؤكد السيوي أن موضوع الحيوان ساعده على «التخلص من عبء المعنى». يشرح هذا بالقول إنه حين يرسم لا يحاول البحث عن معنى، فاللوحة هي مجموع مشاعر وأحاسيس وأفكار لا يمكنها الانحصار في معنى يسجن العمل داخله، فالقط مثلًا هو هذا الحضور الغامض بسحره وقوته الداخلية في اللوحة، وليس رمزيته. ما أضافه الحيوان لرؤية السيوي، بحد تعريفه، هو أنه وسّع بالنسبة له موضوع الحياة نفسه. حين أعاد ترتيب ذهنه فيما يخص الحيوان ونظرته إليه، كما يقول، وجد أنه ليس مغرمًا به أو «مدافعًا عن حقوقه» مثلًا، وإنما يرى حضوره ملهمًا لتوسيع فكرة الحياة نفسها، وهذا في مقابل زعمنا بأن المجتمع هو المجتمع الإنساني حصرًا، وأن الحيوان ما هو إلا ملحق للإنسان يقف على نقيضه، «مثل عدو على استعداد لافتراسه».

ثلاث لحظات لاكتشاف الحيوان

كثيرًا ما يشير السيوي للشغف الذي يجعله «يتورط»، بحسب تعبيره، في طريق فني ما. وبخصوص الحيوان بشكل خاص، فلم يتخيل سابقًا أبدًا أن يكون هو موضوعه الفني، أما الآن، وحين يفتش بداخله، يجد ثلاث لحظات كاشفة لهذا التورط مع الحيوانات: «منذ طفولتي كانت الحيوانات لي دائما مصدرًا للدهشة، أحب القط على وجه الخصوص لأنه في نظري حيوان حقيقي، أما الكلب فلا يستهويني لأنه مثل ‘إنسان لم يكتمل’، وهو أول حيوان دجّنه الإنسان وسيطر عليه ليعاونه في مطاردة الفرائس».

إبراهيم أصلان لي عن الثورة: تخيل إن دا كان ممكن يحصل بعد ما أموت ولا اشوفش حاجة منه. دا كان يبقى مقلب كبير!

بعد مرحلة الطفولة، جاءت مرحلة طويلة من تعلم رسم الكائنات. بعد أن ترك الطب، أخذ السيوي يعلّم نفسه ويعكف على دراسات يستضيء فيها بتعاليم الفنان بول كليه الذي كان يؤكد على تلاميذه أهمية بنية العمل الفني، وكيف أن الطبيعة تعطينا أشكالًا لا نهائية من البنى، وأن علينا مراقبة الكائنات الحية والتعرف على تكوين وخصوصية كل منها وشخصيتها المستقلة: «منذ الثمانينيات انشغلت بهذه الدراسات عن الحشرات والجمال وعرضتها في مصر منذ زمن، ورسمت دراسات عديدة لفورم السمكة أثناء زيارتي لسوق السمك في أثينا. وبشكل تدريجي صرت أتوقف أمام رسم لديك أو لثور مثلًا وأجد رغبة داخلي في تحويله إلى لوحة».

لم تأت اللحظة المفجرة لهذه الطاقة الكامنة بداخله إلا في ثورة يناير 2011، حيث اكتشف أنه خرج عن طبيعته الفردانية وعن تشبثه بالقشرة الداخلية التي طالما حافظ عليها: «صار مركز الثقل بعيدًا عني، هناك على الشاشات العملاقة. وجدت نفسي مسحوبًا مثل غيري، ولم يعد من الممكن أن أتأمل المشهد من بعيد. كنت سعيدًا بقيام الثورة وبمعايشة الحدث وباكتشاف أننا لسنا دائمًا مفعولًا بنا. لا أنسى يوم أن خرجنا أنا وإبراهيم أصلان إلى الميدان، وقال لي حينها: تخيل إن دا كان ممكن يحصل بعد ما أموت ولا اشوفش حاجة منه. دا كان يبقى مقلب كبير!»

إبراهيم أصلان ومالكه الحزين

وكيف فجّرت الثورة هذه «البداية الجديدة» لديك ؟
«رغم هذا الشعور الذي غمرني لأول مرة بالمواطنة وبانتمائي الكامل لهذا المكان، إلا أني كفنان انتابتني هواجس ومخاوف عديدة تتعلق باستكمالي لمشواري الفني. هناك فنون مثل الجرافيتي والفوتوغرافيا والغناء والأداء الفني قد تتماشى كلها مع الحدث، أما الفن التشكيلي فله شأن مختلف».
«وبينما الثورة تشتعل ويحتل المصابون والموتى والدبابات مشاهد الصدارة، وحياة الانسان مهددة في كل لحظة، فاللوحة الفنية تتعامل مع الزمن بمنطق مغاير، ولا يمكن أن تكون ترجمة لحظية للأحداث. في هذه اللحظة بالتحديد طفت على السطح فكرة الحيوان، فكانت الخلاص الذي قد يفصلني عن المثير الخارجي المزلزل. قررت ساعتها أن أكون مع الثورة بجسمي وعقلي، بينما فني في منطقة أخرى؛ تطرح أسئلة حول كنه الحيوان وعلاقتنا به وإلى أي مدى يسكننا الحيوان ونشكل جزءًا أساسيًا منه، ورغم هذا نفصل أنفسنا عنه بكل الأشكال».

الحكايات تأسرني. الحكايات أفضل ما أنتجته البشرية

وجد السيوي نفسه يسجل في كراريسه أن الحيوان سيصبح حكايته للسنوات القادمة، واكتشف منذ هذه اللحظة حضور الحيوان الطاغي في «خيالنا الشرقي»، دون أن ندركه، مثلما في حكايات «ألف ليلة وليلة» التي تعج بالحيوانات المسحورة أو ببشر يُسخطون في هيئة حيوانات، بل اكتشف أيضًا أن معرضه الأخير، الذي أقيم في 2010، كانت تسكنه العديد من الحيوانات دون قصد منه.

الأدب عمومًا منطقة أصيلة لدى السيوي، فبالإضافة إلى ترجمته الأعمال الكاملة للشاعر الايطالي أونجاريتي، تغلب الحكايات على عوالمه؛ حمل معرضه الأخير عنوان «حكايات»، وتتبدى اللوحات فيه مثل قصص بصرية، كما تحمل سلسلة الـ«وجوه» التي رسمها أماكن ومسارات أصحابها. في كل هذا، يبدو الفن لديه كما لو كان يمر عبر منطقة القص الشعبي.

لا يختلف السيوي مع هذا. يعلق قائلًا: «الحكايات تأسرني، الحكاية هي أفضل ما أنتجته الإنسانية».

يشير بالخصوص إلى صيغة «يُحكى أن» الأثيرة لدى نقل الأفكار والخبرات والمشاعر. ولكن هل الميل للحكاية بالضرورة ميل أدبي؟ يستدرك ويأتي رده فوريًا: «أعتقد أن الحكاية البصرية تختلف عن الأدب، حين أرسم رجلًا يمشي وخلفه فرخة، فهنا حكاية بصرية لها اتجاهات كثيرة، حكاية مشعة تحمل احتمالات لا نهائية، وفي كل مرة عليك إعادة ترتيب الأشياء، فالعين ترى الجزء والكل في نفس اللحظة، وهذا ما يغيب عن الكتابة أو الحكي الأدبي».

العين ترى الجزء والكل في نفس اللحظة

يرى السيوي أن الحكاية الأدبية عبء على الرسم، فقد سعى الفنانون إلى تحرير الفن من ثقل الدلالة الأدبية أو الموقف السياسي أو الرسالة الأخلاقية، وقطعوا شوطًا في هذا، لأن ما يميز الصورة هو حرية العين في رؤيتها كما تريد: «الصورة مفتوحة على التأويل. الفنان يضع الأشياء متجاورة وعلى العين المتأملة أن تتفاعل وتكمل الصورة».

المشهد الفني اليوم منتعش للغاية، معارض فنية وقاعات جديدة وحركة صاخبة داخليًا وخارجيًا، يُرجع السيوي هذا إلى الفترة التي نعيشها بعد الثورة: «انتقلنا من حالة الترقب وانتظار حدوث التغيير إلى إيقاع الاستبداد الذي اعتدناه». الطاقة غير المحدودة التي بثتها داخلنا الآمال الكبيرة وتوزعت في المجال العام، حتى وإن تبعتها خيبات كبيرة أيضًا، لم تجد قنوات تكمل من خلالها المسار، فانكفأت على إبداعها، كل في مجاله؛ الكاتب والرسام وصاحب قاعة العرض. يحكي:

«أذكر حين شاركت مجموعة فنانين في مشروع فني مع أهالي ‘كوم غراب’ في 1996-1998 عدنا إلى مراسمنا الضيقة وقد ملأتنا طاقة غير محدودة جعلتنا ننتج بكثافة وبأحجام كبيرة، كما لو كان العالم قد اتسع أمامنا بهذه الطاقة الآسرة. هذه الطاقة الخفية تتجلى بوضوح في رغبة الفنانين اليوم في الحضور في المشهد، كما لو كان إقصاء المبدع من المساحة العامة قد ضاعف من رغبته في الظهور والتميز في مجاله».

__________________

يفتتح المعرض في السابعة مساء اليوم الخميس 27 أبريل في ثلاثة أماكن؛ قاعة «مشربية»، 8 ش شمبليون، وقاعة ملحقة لها في 15 ش محمود بسيوني، وفي مرسم الفنان بجانب مقهى «زهرة البستان» بباب اللوق.  

اعلان
 
 
دينا قابيل