Define your generation here. Generation What

تعديلات قوانين الهيئات القضائية: إعادة ترسيم الدور السياسي للقضاء؟

فجّرت التعديلات المقترحة مؤخرًا على قوانين الهيئات القضائية والمُقدمة من وكيل اللجنة التشريعية والدستورية بمجلس النواب موجة من ردود الأفعال الغاضبة داخل الأوساط القضائية، وكذا من جانب بعض منظمات المجتمع المدني والقوى السياسية، بل وحتى من جانب بعض نواب تيار الأغلبية بمجلس النواب الذي يمثّله مُقترح التعديلات، باعتبارها «تغولًا» واضحًا على مؤسسة القضاء.

فالتعديلات التي اقترحها النائب أحمد الشريف تمنح رئيس الجمهورية السلطة المُطلقة في اختيار رؤساء  عدد من المؤسسات القضائية، حتى بدون الرجوع للمجالس العليا لهذه الهيئات، في انقلاب خطير وغير مسبوق على الأعراف القضائية المستندة لمبدأ «الأقدمية المُطلقة» في التعيينات القضائية، والذي كان يعتبر معيارًا عادلًا نظرًا لعدم نظره للخلفيات السياسية والاجتماعية للمرشحين لرئاسة المؤسسات القضائية، ما يسمح باستقرار هذه المؤسسات، في مقابل ما تطرحه التعديلات من منح رئيس الجمهورية سلطة اختيار رؤساء الهيئات القضائية، ما يفتح الباب أمام الارتكان إلى تحريات الأجهزة الرقابية والأمنية، وهو ما سيخلق بدوره حالة من التناحر على المناصب القضائية.

ورغم الرفض القاطع لمشروع القانون من جانب كافة المؤسسات القضائية المعنية بمشروع القانون، إلا أن توقيت طرح التعديلات وطريقة طرحها يشيران إلى أن الخلاف الحالي هو مقدمة لخلاف أوسع وأشمل مع عدد من مؤسسات القضاء، وهو ما يطرح جُملة من التساؤلات حول الدواعي الحقيقية لإصدار مشروع القانون في هذا التوقيت بالذات، فيما وراء ما يُشاع عن استهداف التعديلات لشخوص بعض القضاة لمنعهم من رئاسة بعض المؤسسات القضائية.

استغلت الجماعة القضائية انسداد معظم قنوات ممارسة السياسة في السنوات الأربع الماضية لطرح نفسها كطرف في المعادلة السياسية الحاكمة

كان من المثير فتح النقاش حول مشروع القانون الحالي بعد ثلاثة أشهر فقط من رفض المجلس الأعلى للقضاء لتعديلات مماثلة، كما أثارت طريقة تمرير المشروع بالجلسة العامة العديد من التساؤلات حول الهدف من وراء هذه التعديلات، التي تعمد رئيس مجلس النواب تمريرها داخل الجلسة العامة بالتصويت بأغلبية الحضور، ومنع بعض النواب المعارضين لها من إلقاء كلمتهم، في ظل تهديد بعض نواب تيار الأغلبية بالمجلس بتمرير التعديلات حتى بدون انتظار رأي المؤسسات القضائية، في مخالفة دستورية واضحة.

كذلك، فقد أثار توقيت طرح التعديلات علامات استفهام عديدة، من حيث مخالفته للأجندة التشريعية المُعلنة حول تعديل التشريعات المنظمة لإجراءات التقاضي أمام المحاكم الجنائية بغرض تحقيق «العدالة الناجزة»، والحديث عن إجراءات ميكنة المحاكم وتطوير نظم الإدارة بها، كما تغافل مشروع القانون عن مطالب الجماعة القضائية المتكررة منذ أزمة اعتصام نادي القضاة في 2006، والمتلخصة في نقل سلطة التفتيش القضائي لمجلس القضاء الأعلى وإعطاء المؤسسات القضائية حق إقرار موازناتها المستقلة.

فقد تزامن طرح التعديلات مع هجمة منظمة من جانب نواب تيار الأغلبية بمجلس النواب على مؤسسات القضاء الرافضة لمشروع القانون، في ظل تلميحات بأن الإبقاء على سن التقاعد الحالي سمح ببعض التعيينات «السياسية» لبعض القضاة الأكبر سنًا داخل المؤسسات القضائية، وهو ما دفع البعض للتهديد بتخفيض سن تقاعد القضاة حال رفض المؤسسات القضائية مشروع القانون الذي ستحال بموجبه، وحال إقراره، نسبة كبيرة من القضاة للتقاعد، رغم تعارض النص المقترح مع حكم سابق للمحكمة الدستورية، ورغم شكوى القضاة المستمرة من عدم تناسب أعداد القضايا المنظورة مع العدد الحالي للقضاة، بالإضافة لمخالفته التوجه الغالب في معظم النظم القضائية بالديمقراطيات العريقة لرفع سن تقاعد القضاة للاستفادة من خبرة القضاة في الفصل في المنازعات المختلفة.

وربما كان من الملفت في هذا السياق توقيت إحالة قاضيين من رموز «تيار الاستقلال» لمجلس التأديب والصلاحية للتحقيق معهما في ما يخص عملهما على إنجاز مشروع قانون لمكافحة التعذيب داخل السجون، بعد ثلاثة أيام فقط من طرح مشروع القانون، ورغم إحالة القضية لقاضي تحقيق منذ ثلاثة سنوات.

 حسمت أحكام قضائية شهيرة تشكيل السردية السياسية في عدد من أبرز قضايا الرأي العام، وهو التوجه الذي اتضح ضيق النظام من تمدده واتساع نطاقه

وفي ظل تصاعد الحديث داخل أروقة المجلس عن «توريث» المناصب القضائية، وعن عدم عدالة سن التقاعد الحالي لبعض القضاة، في ظل المزايا الإدارية والمالية التي يتمتع بها القضاة دون باقي مؤسسات الدولة، تشير كافة المؤشرات بأن ما جري في كواليس إعداد مشروع القانون هو واجهة لخلاف أوسع يتعلق بماهية الدور السياسي لعدد من مؤسسات القضاء في مصر بعد 30 يونيو 2013، حيث استغلت الجماعة القضائية انسداد معظم قنوات ممارسة السياسة في السنوات الأربع الماضية لطرح نفسها كطرف في المعادلة السياسية الحاكمة، لضمان الحفاظ على امتيازاتها المؤسسية والسياسية، وهو التوجه الذي بلور نفسه في تدخل نادي القضاة في تعيينات وزراء العدل، وكذا في الحفاظ على امتيازات القضاة المالية  من خلال عدم المساس بموازنة وزارة العدل، وكذا في ضمان تمثيل القضاء مؤسسيًا داخل عدد من الوزارات ومؤسسات الحكم السيادية.

ولكن القضاء، بحكم منطق تكوينه وطبيعته المحافظة، تمتع تاريخيًا بقدر من الاستقلالية النسبية النابعة من إدراك القضاة لمسؤوليتهم التاريخية في الدفاع عن بنى الدولة، وهو التوجه الذي تماشى مع سياسات النظام بعد 3 يوليو 2013، ولكن يبدو في السياق أن النظام الحالي واع بطبيعة المؤسسة القضائية غير المتجانسة في توجهاتها ومواقفها، وأن انتقال السجال والنقاش السياسي لساحات المحاكم بات واقعًا مزعجًا يستوجب المجابهة.

فتشكيل السردية السياسية في عدد من أبرز قضايا الرأي العام حسمته في واقع الأمر أحكام قضائية شهيرة، كما هو الحال في أحكام محاكم القضاء الإداري ببطلان قرارت التحفظ على أموال الأشخاص والكيانات المتهمة بالانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، أو قبول محكمة النقض الطعون المقدمة على عدد من الأحكام الشهيرة بسجن أو بإعدام عدد من المتهمين بارتكاب جرائم إرهاب، وهو التوجه الذي اتضح ضيق النظام من تمدده واتساع نطاقه، خاصة مع تصاعد الخلاف بين بعض مؤسسات القضاء وعدد من مؤسسات الدولة.

يبدو القضاة، على حدة مواقفهم الرافضة لمشروع القانون، معزولين إلى حد كبير في مواجهتهم الحالية مع النظام

كما اتضح هذا التوجه في التحفظ على إصدار مشروع قانون، كان مجلس النواب قد وافق عليه نهائيًا، لتعديل قانون مجلس الدولة بما يحظر وقف تنفيذ أحكام المحاكم الإدارية بدعوى رفع إشكالات التنفيذ، ما كان لينهي الجدل الدائر بين دوائر محاكم القضاء المستعجل مع مجلس الدولة حول تنفيذ حكمي محكمتي القضاء الإداري والإدارية العليا بوقف تنفيذ العمل باتفاقية تسليم جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية مثلًا.

ورغم ذلك، يبدو القضاة، على حدة مواقفهم الرافضة لمشروع القانون، معزولين إلى حد كبير في مواجهتهم الحالية مع النظام، فقد جرت في النهر مياه كثيرة، منذ التفاف القوى السياسية حول القضاة إبان اعتصامهم الشهير في مايو 2006، حيث تأثرت الصورة الذهنية لعدد من مؤسسات العدالة في مصر بالانحيازات السياسية للمؤسسة القضائية بعد يونيو 2013.

بين عدم تناسب ردود أفعال المؤسسات القضائية المعنية بمشروع القانون، وبين الهجمة الحالية على عدد من مؤسسات القضاء مثل «مجلس الدولة»، باعتباره أبرز جهة رافضة لمشروع القانون، تبدو خيارات الجماعة القضائية لعدم تمرير مشروع القانون محدودة، في ظل عدم استعداد القضاة للتصعيد واتخاذ خطوات أكثر حدة كإعلان تعليق العمل بالمحاكم، وهو ما يرجح سيناريو تمرير مشروع القانون على ما سيحمله من مخاطر حقيقية وجادة على مستقبل العدالة في مصر.

اعلان