Define your generation here. Generation What
جولة في أرشيف رئيس «الوطنية للصحافة»
 
 

في 11 أبريل الجاري، أصدر رئيس الجمهورية  قرارًا بتعيين الكاتب الصحفي كرم جبر رئيسًا للهيئة الوطنية للصحافة، المنوط بها إدارة جميع المؤسسات الصحفية المملوكة للدولة، وذلك بعد ست سنوات من استقالة جبر من منصبه كرئيس مجلس إدارة مؤسسة «روزاليوسف»، المملوكة للدولة، في مارس 2011 عقب احتجاجات من العاملين في المؤسسة ضده باعتباره أحد المقربين من نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك.

إلا أن جولة سريعة في الأرشيف الصحفي لرئيس «الوطنية للصحافة» على مدار السنوات القليلة الماضية، تكشف بعضًا من التحولات في المواقف التي قد تشير إلى الحال التي ستكون عليها علاقة الصحف القومية بالنظام الحاكم ومؤسساته.

مبارك ومرسي والسيسي

في ديسمبر 2010، وقبل ما يزيد على أربعة أشهر من الإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك، كتب جبر مقالًا رصد فيه «أجواء من المتعة والسعادة والأحاديث المتفائلة التي غلب عليها المرح والدعابة» غلفت لقاء المثقفين بالرئيس، الذي كان «في قمة نشوته وحضوره»، وأثلج الصدور «بحديثه الرائع حول المواطنة والمساواة التامة بين جميع أبناء المجتمع».

كان جبر في مقاله فرحًا باللقاء ودلالاته المعبرة عن «الأصالة المصرية حين تحتضن الدولة مثقفيها، لإيمانها بأنهم هم ذراعها القوية التي تصنع المستحيل، قوة ناعمة تفوق في تأثيرها أي قوة أخرى»، كما كان مطمئنا أنه «عندما تشتد الحروب الدعائية ضد مصر، يمنح الله هذا الوطن شخصية مصرية مرموقة تصنع التاريخ، وتعيد حيوية قوتها الناعمة».

امتد إعجاب جبر بمبارك إلى كامل أسرة الرئيس، «تلك العائلة المصرية الأصيلة، التي أفنت عمرها في خدمة الناس، فتوحدت معهم قلوب ملايين المصريين»، كما يصفها في مقال كتبه في 10 ديسمبر 2010 بمناسبة احتفال مؤسسة محمد علاء مبارك، بتوزيع جوائز مسابقة حفظ القرآن، كان من ضمن ما قاله فيه: «شعرت وأنا أشاهد علاء مبارك في التليفزيون بأن روعة الإيمان تملأ روحه وملامحه، فأصبح لسانه ينطق كلامًا يفيض أحاسيس رقيقة وعذبة وهادئة».

بعدها بأيام، اختار الكاتب الصحفي في مقال له، جمال، النجل الأصغر لمبارك، «نجمًا لعام 2010»، وذكر أسباب اختياره واضحة، فـ «هو قائد عملية إحياء الأمل في الحزب الوطني»، وسر نجاحه هو «التواضع الشديد، والتفاعل العاقل مع دوامات هائلة من الصعاب والتحديات وأيضاً الهجوم والتشكيك، لم يزده إلا صبراً وإصراراً»، لهذا وغيره «التفت حوله الأجيال الشابة لأنه واحد منهم»، ودائما ما كان يكرر على مسامع هذه الأجيال: «لن نيأس ولن يعرف الإحباط طريقه إلينا»، ما ولّد «شعور بالثقة والطمأنينة بأن المستقبل يحمل البشرى».

بعد أيام من مقال جبر جاء المستقبل «يحمل البشرى»، فاندلعت ثورة 25 يناير، وحُل الحزب الوطني، وسقط مبارك عن كرسي السلطة، ودخل مع علاء وجمال السجن بتهم كثيرة، فأصبح للكاتب الصحفي رأي آخر فيهم.

في مقال له في أكتوبر 2012، وقبل إشادته بإعلان الرئيس السابق، محمد مرسي «الحرب المقدسة على الفساد»، ودعوته إلى عدم الخوض في «سجالات صاخبة حول النسب التي حققها في برنامجه ولم يحققها، فمن العدل والإنصاف أن نقول إن المشاكل المزمنة والمتراكمة لا يمكن حلها في مائة يوم أو حتى مائة شهر»، رأى جبر أن نظام مبارك انهار «لأنه أراد أن يوقف عجلة الزمن ليظل رئيسا مدى الحياة، وربما بعد الموت بالتوريث»، أصبح الكاتب يرى أن الشخصية المرموقة التي منحها الله لهذا الوطن لتصنع التاريخ «فشل في تأمين مستقبل البلاد وتهيئتها للانتقال السلمي للسلطة … فالبلد ضاع من مبارك وانقلب عليه المجلس العسكري، ولم يحمه طنطاوي ولا عنان، بل سمحا للمتظاهرين أن يكتبوا على المصفحات منذ الأيام الأولى للثورة “يسقط مبارك”، وكانت هذه هي نهاية مبارك ونظام حكمه». وبناءً عليه استنتج جبر الدرس الأهم: «العسكر لا يصلحون لحكم البلاد»، وأن تجارب الستين عامًا الأخيرة أثبتت أن «عسكرة السياسة تأتي بالخراب على البلد».

لم يكد عام يمر على هذا الاستنتاج، وبعد شهور قليلة من إسقاط الجيش لمرسي، حتى اكتشف جبر أن مصر لا يصلح لها سوى حاكم من العسكر، فكتب في نوفمبر 2013 «دون لف أو دوران لا يصلح رئيساً لمصر في السنوات القادمة سوى الفريق عبدالفتاح السيسي»، ثم عاد يبشرنا بالمستقبل الذي يمثل «السيسي والجيش والشعب» بوابة العبور إليه، لأن «الجيش يعيش في جسد الوطن كالضمير، لا ينحرف عن مهمته المقدسة في الذود عن الأرض وحماية الشعب.. والشعب يتطلع للأمل والمستقبل والحياة، ويريد أن يحيا بكرامة وعزة وبحبوحة العيش.. ومصر لا تنتعش ولا تعلو قامتها وهامتها إلا إذا حكمها رئيس قوي، يحبه الناس ويقفون في ظهره».

السيسي، أحد أبناء «الدولة العميقة»، التي أسماها جبر في أحد مقالاته «الدولة العبيطة» التي استطاع مرسي القضاء عليها «بسهولة شديدة»، شامتًا في «العواجيز» حسين طنطاوي، رئيس المجلس العسكري السابق، وسامي عنان، وزير الدفاع الأسبق، بعد إقالتهما: «من أعمالكم سُلط عليكم»، في إشارة لدورهما في تنحية مبارك. السيسي نفسه، من وجهة نظر جبر، هو من أعاد مكانة مصر بعد إسقاط مرسي.

الثورة والشرطة

في أكتوبر 2010 شكر جبر رجال الأمن على «ضبط النفس» مع المشجعين المشاغبين لفريق الترجي التونسي. «كان بمقدور رجال الأمن المتواجدين في استاد القاهرة في مباراة الأهلي والترجي، أن يكسروا عظام المشجعين السفلة، وأن يضربوهم علقة ساخنة، وأن يردوا لهم الصاع صاعين وعشرة. كان بمقدورهم أن يجعلوهم عبرة لغيرهم، وأن ينزلوا علي رؤوسهم وأجسادهم بالهراوات الثقيلة، وأن يصيبوا عيونهم بالغازات المسيلة للدموع، وأن يجعلوهم يجلسون القرفصاء مثل أسرى الحروب»، مستخلصًا أن «الأعباء الكبيرة التي يحملها رجال الأمن فوق أكتفاهم في صبر وصمت» يلقي عليها «جنرالات الفضائيات» التراب.

لكن في مايو 2011، عاد جبر ليصب جام غضبه على جهاز الشرطة باعتباره «أهم أسباب انفجار الغضب واندلاع ثورة 25 يناير»، معتبرًا أن الثورة وضعت تجاوزات الشرطة وانتهاكاتها في «مزبلة التاريخ، ولم يعد مقبولًا ولا مسموحًا أن يصفع أي شرطي طالبًا على وجهه، ويقول له “تحقيق شخصيتك ياروح أمك”.. أو أن يعتدي ضابط مباحث على وكيل نيابة بالضرب والشتائم، أثناء قيامه بأداء عمله في التفتيش على غرف الحجز والتنكيل والتعذيب».

وفي الذكرى الخامسة للثورة التي «وضعت تجاوزت الشرطة وانتهاكاتها في مزبلة التاريخ»، وجد جبر أن 25 يناير أسفرت عن صعود من «ليس لهم قضية يدافعون عنها، إلا سرقة وطن من أهله، وإقامة مستعمرات دينية ترفرف فوقها أعلام سوداء ويحكمها الجلاد والسيف»، هؤلاء هم قتلة رجال الشرطة، الذين هم «رجال بمعنى الكلمة لا يهابون الموت دفاعًا عن تراب الوطن، ضد مؤامرات الفوضى والتقسيم وبحور الدماء».

في الذكرى السادسة لأحداث اقتحام مقرات جهاز أمن الدولة (الأمن الوطني حاليًا) تذكر جبر الثورة مرة أخرى في علاقتها بأجهزة الأمن: «أيام سوداء استهدفت تصفية جهاز أمن الدولة والانتقام من رجاله … كانت لفتة رائعة أن يذهب إليهم الرئيس (السيسي) في نفس يوم اقتحام المقر، تجديدًا للثقة وتفويضًا لاستكمال المهام».

حرية الصحافة والإعلام

في ديسمبر 2010 طالب جبر بـ «تنقية الأجواء الإعلامية والصحفية بتفعيل المؤسسات المسئولة عن المحاسبة والمتابعة مثل نقابة الصحفيين والمجلس الأعلي للصحافة ولجان المتابعة بوزارة الإعلام»، وذلك خلال انتقاده جريدة الدستور بسبب تقرير نشرته يهاجم أحمد عز، أمين التنظيم في الحزب الوطني المنحل، سائلًا عليّ الدين هلال، الأمين العام للحزب وقتها: «أين هي صحافة الحزب الوطني التي تستطيع أن تكون ذراعًا طويلة، تتصدى للهجوم الظالم الذي يتعرض له، مع الاعتراف الكامل بجهودك الخارقة في الإعلام التليفزيوني؟».

بعد وصول الإخوان للسلطة، رأى جبر أن حرية الصحافة عادت إلى «ما قبل المربع صفر»، وأنها تعيش «أيام أسود من الليل البهيم» بعد أن «تعشمنا خيرًا في العهد الجديد وأن أبواب الحرية والديمقراطية ستُفتح على مصاريعها لاستقبال نسمات الفجر المنعشة»، فكتب في أغسطس 2012 متخوفًا من عودة «ترسانة القوانين العتيقة المعادية للحرية والديمقراطية، ومازالت رابضة فى “أضابير” التشريعات المصرية منذ أيام العثمانيين، قوانين عفنة كانت فلسفتها الولاء للسلاطين والأمراء والحاشية، وإلا فـ”العصا لمن عصى”، و”مقرعية يا مقرعة”، واحتفظت بها الأنظمة السابقة لتخرجها من جرابها عند اللزوم للضرب والمقرعة».

دفعه تخوفه أيضًا في ذلك الوقت إلى الدفاع عن الإعلامي باسم يوسف، صاحب برنامج «البرنامج» المتوقف، ضد هجمات «المشايخ»، ورأى جبر في مقال له في ديسمبر 2012 أن «الهجوم الضارى على باسم يوسف ليس بسبب سخريته أو تعليقاته اللاذعة، وإنما للألفاظ والتعبيرات التى اختارها من أفواه الشيوخ أنفسهم، وانتقاها ووضعها جنب بعضها، فكانت أقوى من أي سخرية وأفظع من أي تعليقات».

ظل باسم يوسف يقدم نقده الساخر بنفس الطريقة بعد الإطاحة بمرسي، لكن رأي جبر فيه تغير، فأصبح «أبيض وسطحي وغير مسيس ويقلد أسلوب أراجوزات الموالد الشعبية» ويلعب «لعبة تآمرية قديمة ومكشوفة “إذا أردت أن تدمر خصمك ضحك الناس عليه”». أصبح باسم يوسف «يلبد لخصومه في الدرا» لأنه «ليس من قبيل المصادفة أنه لا يستهدف في برنامجه سوى الشخصيات المؤيدة لـ30 يونيو، مثل مرتضى منصور ومصطفى بكري وأحمد موسى ولميس الحديدي وغيرهم»، ثم قالها جبر بوضوح قاطع: «فرحنا بباسم يوسم عندما كان كرباجا على الإخوان، وسخر منهم وفضح أكاذيبهم، ولا أنسى قفشاته المدمرة وأشهرها “جبنة نستو يا معفنين”، و”جاز وكحول دونت ميكس”.. ولكن غضبنا منه عندما بدأ يتطاول على الرئيس والجيش».

اعلان
 
 
محمد يحيى