Define your generation here. Generation What

عن الأيام المظلمة: محاولات النجاة.. محاولات تدمير الذات

يسهل على من يتتبع صفحاتنا على فيسبوك معرفة كيف أصبحت دورة حياتنا اليومية؛ يبدأ اليوم عادة بحكايات الأصدقاء عما كابدوه خلال نومهم من فظائع وكوابيس، تكون، في العادة، أحلامًا بالسجن، أو بمطاردات من الشرطة أو الجيش، بمشاهد من الاغتصابات الجماعية، أو بصديق أو حبيب مختف أو خلف القضبان، إلى جانب شكاوى من انعدام الحافز وقلة الهمة أو صعوبة مغادرة الفراش.

بامتداد ساعات النهار تبدأ التدوينات عن نوبات الهلع أو الغضب أو القلق الشديد التي تصيب كثيرًا منا في أماكن عملهم أو في الشارع، وهم ينتقلون من مكان إلى آخر.

وفي المساء، بالطبع، تبدأ شكاوى الأرق وقلة النوم والفزع الليلي، ثم يطل نهار آخر، وهكذا. يكتب الأصدقاء تدويناتهم مازحين أو جادين أو بين بين.

يؤطر كل ذلك شعورٌ حاكمٌ بالذنب، خاصة بيننا، نحن من لم نُسجن ولم نُمنع من السفر ولم نختف قسريًا ولم يُقتل لنا عزيز، نشعر بذنب خفي ﻷننا نجونا، وإن كنا لا نعلم حقًا ماهية هذه النجاة!

علينا أن نتعلم كيف نحدق في الهاوية دون أن نجن، وفي تمسكنا اليائس بالأمل علينا أن نتذكر ألا نضلل أنفسنا

نقضي أيامنا بين مطالبات بالإفراج عن أب ليتمكن من دفن ابنه، أو عن ابن ليتمكن من دفن أبويه اللذين توفيا وهما خارجان من زيارته في السجن، نطالب بمنح عفو صحي لسجين شاب مصاب بمرض عضال، أو سجين مسن ليحصل على الرعاية الصحية اللازمة بشكل لا يذله في سنوات عمره الأخيرة، أو ليموت بين يدي أهله، أو بالسماح لطلبة مسجونين باستكمال دراستهم وخوض امتحاناتهم وهم بالسجن.

نطلق نداءات لا تنتهي، نطالب فيها بالإفراج عن أفراد كان كل ذنبهم أن حظهم العاثر وضعهم في المكان والوقت الخاطئين؛ صحفي كان يغطي اعتصامًا للإخوان المسلمين، أو رجل تدخل ليمنع الضرب عن فتيات وهو مار بالصدفة بجوار مظاهرة. نطلق هذه النداءات ولا نعلم لمن، تبدو نداءاتنا أحيانًا كصلوات إلكترونية موجهة إلى رب لا يسمع أو لا يهتم.

نشعر بذنب خفي ﻷننا نجونا، وإن كنا لا نعلم حقًا ماهية هذه النجاة

تُعجزنا قلة الحيلة وتسيطر علينا المرارة، فنتغوّل ضد بعضنا، وتتحول ذكرى أي فعالية ثورية أو حدث هام وقع في سنين الثورة لمصارعة ديوك دامية، يلوم فيها بعضُنا الآخرين على مرشح انتخبناه أو لم ننتخبه، حملة شاركنا فيها أو لم نشارك، بيان سياسي وقّعنا عليه أو لم نوقّع، إلخ.

تصل الاتهامات إلى حدود التجريح والتخوين، كأن مصير الثورة كان رهن تصرفنا في موقف واحد. يطغى الجنون على الموقف لدرجة تخيل لك أن ما نتخاصم بشأنه بهذه الحدة هو أمر حدث لتوه وليس موقفًا مرت عليه سنوات عديدة. هناك العديد من  القراءات الجادة والمراجعات الهامة بالطبع لما حدث خلال السنين الماضية، ومسؤوليتنا عنه، وما كان أكبر منا، لكن في المقابل هناك فيضًا من الرغبة في التعالي الأخلاقي والتطهر الثوري، كأننا في مسابقة لنيل وسام الثائر الذي لم يخطئ أبدًا أو الذي امتلك ناصية الحق طوال السنين الماضية. ينسى البعض أن ما مررنا به كان تجربة وحلمًا جماعيين، ومع الأسف لا يمكن لشخص أن ينتصر وحده في هذه المعركة.

نشغل أنفسنا بكل الطرق علَّنا ننسى أو نتناسى، يسافر منا من يسافر ويبقى من يبقى ويقترب البعض من البلاد ويبتعد عنها كحركة البندول البسيط، نقضي ساعات طويلة على فيسبوك أو نعطله كلية، نتابع الأخبار طول الوقت لنتأكد أننا لم نُهزم وحدنا أو ننفصل عنها تمامًا، نكتب أو نعجز عن الكتابة كلية.

فشل المشروع الجمعي جعل كثيرين منا يهتمون بأنشطة فردية، تمنحنا الشعور بأنه لا يزال باستطاعتنا التحكم في شيء ما. انخرط أغلبنا في أنشطة شتى؛ دروس في الطبخ، في الرقص أو اليوجا، تعلم آلات موسيقية جديدة، ساعات طوال في صالات الألعاب الرياضية، تعلم حرف يدوية، مشاهدة الأفلام، قراءة الروايات، الانشغال بالأطفال، الأكل المستمر، فقدان الشهية، محاولات الإقلاع عن التدخين، الاستهلاك غير المتوقف للكحول، محاولات الديتوكس، الأكل العضوي، النظام الغذائي النباتي. من الغريب أن محاولات النجاة  تبدو أحيانًا شديدة الشبه بمحاولات تدمير الذات.

التعايش مع ما حدث ليس يسيرًا، والتوجه إلى الأطباء النفسيين ليس سهلًا أيضًا، ليس فقط بسبب بقايا الوصم المتعلقة بالمرض النفسي، لكن لأن عبئًا لا يزال جاثمًا على نفوس الكثيرين يمنعهم من البحث عن طبيب، أو ﻷنهم لا يستطيعون تحمل تكلفة العلاج النفسي الطويل. البعض ذهب بضع مرات، ولا يزال يعتمد على المهدئات أو المنومات التي وُصفت له في بداية علاجه، وآخرون يعتمدون عليها دون الذهاب إلى طبيب، وهناك من لا يؤمنون بجدوى العلاج النفسي من الأساس.

يسافر منا من يسافر ويبقى من يبقى ويقترب البعض من البلاد ويبتعد عنها كحركة البندول البسيط

تطل قصصنا خجولة؛ تتردد في أحاديث جانبية أو في سهرات طويلة أو مقالات عارضة عمن حملوا الجثث بأيديهم ومن دخلوا المشارح وأحصوا عدد القتلى، من قضوا ليالي طويلة محبوسين مع آخرين في غرف ضيقة ومظلمة في انتظار موعد الزيارة القادمة، من تعرضوا للضرب والسحل، عن الناجيات من الاعتداءات الجماعية، عمن اضطروا لإبلاغ أهل أصدقائهم بوفاة ابنهم، ومن لا يزالون محتفظين بتذاكر المباراة التي وقعت فيها المذبحة، ومن عليهم التوجه إلى قسم الشرطة كل مساء لإكمال عقوبة المراقبة بعد السجن.

في هذه الأحاديث الخجولة يتوارى ما لا نستطيع بعد الحديث عنه، نتجنب “رابعة” وما تلاها؛ لا  نزال نحاول فهم معنى أن تصيب الفاجعة غيرنا، ونخشى الاعتراف بفشلنا في أن نصبح شاهدًا عدلًا، نحجم عن الحديث عن أبعاد الكارثة المهولة، إذ لم نتعلم بعد كلمات لوصفها. تأملات مؤلمة علينا مواجهتها، إذا أردنا يومًا العودة إلى ذواتنا التي انسلخت عنا في صيف المذبحة. إرث ثقيل ذلك الذي نحمله، ويبدو أنه ليس من السهل الاحتفاظ بالعقل في مثل هذه الأيام، علينا أن نتعلم كيف نحدق في الهاوية دون أن نجن، وفي تمسكنا اليائس بالأمل علينا أن نتذكر ألا نضلل أنفسنا.

لا أحد يعلم حقًا جدوى محاولات الإنقاذ الفردية، لكن المؤكد أن مرجعية ذاكرتنا جماعية مهما بدا ألمنا فرديًا، ولا يعلم أحد إن كنا سنُمنح فرصة ثانية أم لا، فالمعطيات متغيرة باستمرار، لكن لعلنا إذا حكّمنا الرحمة بيننا ونظرنا إلى الوراء بروية وتقبلنا أخطاءنا أن نُخفف من وطأة السقوط.

________________

الصور المرفقة بالنص من أعمال الفنان الصيني يو مينجون

اعلان
 
 
داليا عبد الحميد