Define your generation here. Generation What
عائلة صبري.. فصل جديد في حكاية «الحبس الاحتياطي»
هل يستطيع مهندس الاتصالات، وعائلته، تجاوز معاناة عامين من الحبس الاحتياطي في سجن العقرب؟
 
 
 

أصدرت نيابة أمن الدولة العليا قرارًا، أمس الإثنين، بإخلاء سبيل مهندس الاتصالات صبري عبد الله، ورغم أن القرار لم يتم تنفيذه حتى الآن، إلا أنه كان بمثابة نهاية، ولو مؤقتة، لرحلة زادت على السنتين بأيام، عاش صبري خلالها تجربة الحبس الاحتياطي، فيما عاشت أسرته تجربة موازية تختلف تفاصيلها، وإن كانت مشابهة في طعم الظلم الذي استشعروه خلالها.

في 16 أبريل الجاري، أتم صبري عامه الثاني في الحبس الاحتياطي، ليقدم محاميه طلبًا لنيابة أمن الدولة، للإفراج عنه لانتهاء مدة الحبس الاحتياطي القصوى التي يتيحها القانون، فضلًا عن انتفاء مبررات الحبس الاحتياطي في حالته، وهو الطلب الذي صدر بعده القرار المتقدم، غير أن هذا الفصل من الحكاية لا يغني عن متابعة بدايتها.

المعاناة بالوراثة

«فتح الباب، كان فاكر إنه بتاع الدليفيري، لقينا قوة أمن وطني لابسين أسود وماسكين بنادق انتشروا في الشقة كلها. سألوا عن والده اللي ما كانش في البيت ساعتها»

في 29 مارس 2015، وبعد عودته من مباراة كرة قدم، كان صبري، عمره وقتها 26 عامًا، يجلس في منزل اﻷسرة منتظرًا وصول عامل توصيل الطعام الذي طلبه قبل دقائق، حين دق باب المنزل.

تتذكر والدته: «فتح الباب، كان فاكر إنه بتاع الدليفيري، لقينا قوة أمن وطني لابسين أسود وماسكين بنادق انتشروا في الشقة كلها. سألوا عن والده اللي ما كانش في البيت ساعتها».

تستكمل اﻷم رواية ما جرى، قائلة إن التخبط ساد لبعض الوقت أثناء محاولة أحد الضباط التأكد مما إذا كان صبري شخص يدعى محمد. ثم، وفي ثورة غضب بعدما لم يجد ما يبحث عنه، قرر الضابط القبض على صبري، وقال له: «انت جاي معايا»، قبل أن يسحبه خارج المنزل حافي القدمين.

في تفسيرها ﻷزمة صبري، ترى أسرته أنه ورث معاناة والده من القبض العشوائي، منذ كان في عمر ابنه، وذلك نتيجة توجهه السلفي.

يقول أفراد اﻷسرة أنه على الرغم من عدم ارتباط اﻷب بأي مجموعات سياسية أو دينية، إلا أنه تم حبسه في النصف الثاني من الثمانينيات، على خلفية تهم متعلقة بالإرهاب. وبحسب الأسرة، فعلى مدار 20 عامًا منذ تلك الواقعة، أصبح الأب ملاحقًا من أمن الدولة، وواجه مضايقاتهم التي لم تكن مدعومة بأي إجراء قضائي.

تقول والدة صبري: «بييجوا يخبطوا على الباب من غير ما نعمل أي حاجة»، قبل أن تستكمل رواية ما جرى يوم القبض على ابنها قائلة:«بدأت أزعق في الضابط وبعدين جبت جزمة ابني ولبستهالُه، وأخدوه ومشيوا، وبعدين دخلوا بيت جدته في دور تحتنا وأخدوا والده كمان».

بعد أن ألقت القوة اﻷمنية القبض على صبري ووالده في اليوم نفسه، أمرت النيابة بإخلاء سبيل صبري، بينما قررت حبس والده 15 يومًا، إلا أن الإفراج عن صبري لم يتم منذ ذلك الوقت، فيما تم إطلاق سراح والده بعد شهرين.

خوفًا من عودة قوات اﻷمن، تركت والدة صبرة وإخوته المنزل، بينما ظلوا يترددون على مكتب النائب العام، للاستعلام عن مكان حجز الابن، «كانوا بيقولولي: ابنك خرج، روحي شوفيه راح فين»، تقول اﻷم.

طوال 21 يومًا، لم يعلم أحد شيئًا عن صبري حتى تلقت والدته اتصالًا منه. تتذكر: «قاللي: اسمعيني يا أمي، أنا كنت في لاظوغلي، وفتحولي قضية أمن دولة. أنا دلوقتي رايح مكتب نيابة أمن دولة، جيبيلي محامي».

منذ ذلك التاريخ، ظل صبري محبوسًا في سجن شديد الحراسة بمجمع سجون طرة، والمعروف بسجن العقرب، فيما كان يتم تجديد حبسه كل 45 يومًا.

«المحامين بيروحوا وييجوا، والقضاة بيروحوا وييجوا، وكل مرة أخويا بيروح المحكمة مفيش حاجة بتحصل، مفيش حاجة بتتغير»

بحسب رواية اﻷسرة، أخبر صبري والدته أنه تم استجوابه بدون محام، كما تم إجباره على الاعتراف بأعمال إرهابية. قبل أن يتم ضمه لقضية تعود لعام 2014، تتضمن 14 متهمًا آخرين، لا يعرفهم صبري، وهي القضية المعروفة بـ «تأسيس تنظيم جند الله»، والتي تم إطلاق سراح المتهمين اﻵخرين فيها لاحقًا، بمرور سنتين من حبسهم احتياطيًا.

يقول محامي صبري، والذي فضل عدم ذكر اسمه: «لا يوجد حدث أو ضحية في القضية، الاتهامات فيها أتت من تحقيقات الشرطة فقط».

بينما يحكي عبد الرحمن، شقيق صبري، والذي كان عمره 22 عامًا وقت القبض علي أخيه، عن حالهم بعد معرفة مكان شقيقه: «طبعًا في البداية ما عملناش حاجة، كنا عايزينه يخرج، ف استنينا واتبعنا الإجراءت القانونية». ولكن مع تجديد حبس الابن كل 45 يومًا، فقدت الأسرة إيمانها بالإجراءات شيئاً فشيء.

يقول الشقيق اﻷصغر: «المحامين بيروحوا وييجوا، والقضاة بيروحوا وييجوا، وكل مرة أخويا بيروح المحكمة مفيش حاجة بتحصل، مفيش حاجة بتتغير».

في أغسطس 2016، رسم عبد الرحمن جرافيتي لوجه شقيقه المعتقل على أحد جدران منطقة وسط البلد، مصورًا أطرافه المضمدة بين مخالب عقرب مخيف، فيما كتب بجانبه «هذا هو العيد الثالث لصبري في السجن بدون أن يقترف خطأ أو يخالف القانون».

بعد عامين في سجن شديد الحراسة، تعترف أمه: «ما أعرفش حاجة عن حياته جوة، بس بنقول الحمد لله».

أحد البوسترات التي تم تصميمها ضمن حملة المطالبة بالإفراج عن صبري

معاناة العائلة

وضع حبس صبري العائلة في ظروف اقتصادية صعبة. ففي حين يتلخص دخلهم في 2500 جنيهًا، هي مرتب والده من عمله الحكومي، تحتاج العائلة 1000 جنيه شهريًا لتغطية مصروفات زيارات ابنهم في محبسه، بالإضافة إلى 2000 جنيه تكاليف الطعام الذي يحضرونه له، والذي لا يعلمون إن كان يصل إليه أم لا. تقول اﻷم إن الأسرة اضطرت لاستخدام مدخرات ابنهم لتحمل تلك المصروفات.

في أحد زيارات العيد، حضرت اﻷم «زيارة» خاصة تليق بهذه المناسبة، شملت دجاجًا مشويًا وكبدة ومكرونة وأرز، فضلًا عن أكثر من نوع من الفاكهة: 4 كيلو موز، 3 كيلو تفاح، 2 كيلو فراولة، 3 كيلو كنتالوب، ولكن أمن السجن لم يسمح سوى بدخول قطعتين من الكبدة، وقطعتين من الدجاج، وتفاحتين، وأصبعا موز، وعادت الأم ببقية الطعام.

في ديسمبر 2015، وصلت للأسرة أخبار عن كسر ساق ابنهم أثناء تعدي قوات أمن السجن على محبوسين مضربين عن الطعام اعتراضًا على ظروف المعيشة. وبحسب اﻷسرة، لم يتلقى صبري العلاج الذي كان يحتاجه بعد تلك الإصابة.

في 2016، تعرض تقرير  أصدرته منظمة هيومان رايتس ووتش للأوضاع في سجن العقرب، أو «جوانتانامو مصر» كما يصفه محامي صبري، وأوضح التقرير تاريخ السجن من الظروف المعيشية الصعبة والممارسات غير القانونية.

كان السجن منذ إنشائه مكانًا لاحتواء ألد أعداء الدولة السياسيين، فيما يقبع به حاليًا خليط من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، والمنتمين لجماعات مسلحة، بالإضافة إلى عدد من الصحفيين والنشطاء غير الإسلاميين.

لا ينتمي صبري لأي من تلك المجموعات، كما يوضح شقيقه، الذي يصفه بأنه «مهتم بالرياضة أكثر من السياسة»، وأنه «شخص كان عايز يتجوز ويعمل بيت كبير».

طرق مختلفة للمطالبة بالحرية

مع استمرار بقاء صبري في «العقرب»، زاد إحساس عبد الرحمن بوجوب القيام بشيء ما، يقول: «اكتأبت جدًا، وما كُنتش عارف أعمل إيه. كنت عايز ألاقي مساحة في مجتمعات مختلفة عشان أتكلم عنه، عشان ده يحميه، على الأقل الناس تعرف عنه».

في حين أنشأ عبد الرحمن صفحة على فيسبوك، للمطالبة بحرية صبري، ودشن حملة للإفراج عنه، مثلما هو حال العديد من عائلات المعتقلين، إلا أنه رأى أن التحرك على اﻷرض أكثر جدوى.

ورقة صممها عبد الرحمن تطلب من “السيد البدوي” “المدد” في إخراج صبري من السجن

يصف عبد الرحمن الجرافيتي الذي رسمه في عيد 2016 بأنه بمثابة «إعلان، زي إعلانات المفقودين اللي بنشوفها».

رغم وعيه بأن مجهوداته لن تثمر عن نتيجة مضمونة، ظل عبد الرحمن يحاول أن يخلق وعيًا بقضية أخيه بطرق مختلفة؛ مثل توزيع مطبوعات بخصوصه في مولد السيد البدوي بطنطا، فضلًا عن التضرع لمقام السيد البدوي طالباً عودته، ولو على سبيل إمداد نفسه ببعض الأمل. يقول: «لما تطلب من المقام، بتلاقي حاجة تمسك فيها، عشان لو مالقتش حاجة هتتجنن».

الورقة التي صممها عبد الرحمن على ضريح السيد البدوي

كانت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية قد أصدرت في مايو من العام الماضي تقريرًا بعنوان: «بديل الطوارئ: الحبس الاحتياطي من إجراء احترازي إلى عقوبة سياسية»، رصدت فيه وجود 1464 محبوسًا احتياطيًا على اﻷقل، في ذلك الوقت، ﻷكثر من عامين، بالمخالفة للقانون. وورد في التقرير أن الحبس الاحتياطي يعد «مجرد إجراء احترازي له شروط محددة منها الخشية من هروب المتهم أو الإضرار بالتحقيق أو العبث باﻷدلة، و عدم وجود محل إقامة ثابت للمتهم. ولكن النيابة العامة والقضاة توسعوا في اعتمادهم على الحبس الاحتياطي دون التقيد بهذه الشروط. وفي 2013 عدل الرئيس المؤقت عدلي منصور الفقرة الأخيرة من المادة 143 لإلغاء الحد الأقصى للحبس الاحتياطي بالنسبة إلى المحكوم عليهم بالإعدام أو المؤبد في مرحلة النقض أو إعادة المحاكمة فقط، ولكن العامين كحد أقصى للحبس الاحتياطي يبقى ساريًا على كل المحبوسين احتياطيًّا الذين صدرت ضدهم أحكام بعقوبة غير الإعدام والسجن المؤبد، والذين لم تصدر ضدهم أحكام بعد».

«صبري ما سرقش وما قتلش وما اغتصبش، وحتى ما اتكلمش في السياسة. ورغم كده فقد صحته، وشبابه، ويمكن عقله ورا قضبان العقرب»

وأضاف التقرير: «تطبق المحاكم المادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية بشكل انتقائي… ولكن في معظم الحالات لا يلتفت القضاة إلى طلبات دفاع المتهمين بإخلاء سبيل موكليهم بعد قضائهم مدة الحبس الاحتياطي ويكتفي القاضي، عادة بإثبات طلب الدفاع في محضر الجلسة».

معاناة ما بعد الخروج

قبيل مرور عامين على بدء حبسه احتياطيًا، تراوحت توقعات عائلة صبري ما بين أمرين؛ أن يتم الإفراج عنه، أو يتم إصدار حكم سريع ضده قبل هذا التاريخ؛ للتحايل على وجوب الإفراج عنه لانقضاء مدة الحبس الاحتياطي. وهو ما قال عنه محاميه: «أحيانًا يتم وضع المشتبه بهم في محاكمة سريعة يصدر عنها حكم قبل يومين من انقضاء مدة الحبس الاحتياطي».

غير أن الاحتمال الثاني لم يتم، وتكفل الطلب الذي تقدم به المحامي بحدوث الاحتمال الأول.

برغم ذلك، وفي حالة تنفيذ قرار إخلاء سبيله، سيعود صبري لحياة أبعد ما تكون عن الطبيعية، إذ سيعاني من تداعيات قد تستمر طوال عمره بعدما أصبح له ملف في أمن الدولة، ما يرجح أن يتم القبض عليه مرات أخرى، مثلما هو الحال مع والده، فضلًا عن تقليل فرصه في الحصول على عمل، مثلما هو الحالات مع ضحايا سابقين للحبس الاحتياطي المطول، أمثال إسلام خليل.

وعلى الرغم من هذه المعاناة المنتظرة، ما زال صبري يحتفظ ببعض اﻷحلام البسيطة، التي تبدو لمن هم في مثل حالته بعيدة المنال، يقول عبد الرحمن: «صبري قاللي إنه عايز يعمل دراسات عليا عشان يعوض السنين اللي فاتته، وقاللي إن أول حاجة عايز يعملها لو خرج هي إنه يقضي كام يوم على البحر في إسكندرية أو الغردقة، علشان يستجم ويفكر في حياته».

ينهي الشقيق اﻷصغر حديثه قائلًا: «صبري ما سرقش وما قتلش وما اغتصبش، وحتى ما اتكلمش في السياسة. ورغم كده فقد صحته، وشبابه، ويمكن عقله ورا قضبان العقرب».

اعلان