Define your generation here. Generation What

سرديات ما بعد الاضطهاد: نحو «لاهوت تحرير» قبطي؟

تركنا أسبوع الآلام في حالة حزن غير مسبوقة، حيث بدأ بداية دموية مع سقوط عشرات الضحايا في تفجيرات أحد الشعانين في طنطا والإسكندرية، وأعقبها إعلان حالة الطوارئ بما يتبعها من إجراءات استثنائية لمواجهة الإرهاب والتنظيمات المسلحة.

توّج هذا الأسبوع سلسلة من الأحداث التي وقعت على مدار الأشهر الماضية، كان المواطنون المسيحيون هم أبطالها بامتياز، بدءًا من حادث تفجير الكنيسة البطرسية في ديسمبر الماضي، مرورًا باستهداف أقباط العريش وقتل العشرات منهم، ما أدى لنزوح بعض العائلات من المدينة بعد تكرر حوادث الاستهداف على الهوية الدينية. وقد يكشف الجدل حول توصيف هذه الأزمة، بكونها «تهجيرًا قسريًا» من عدمه، عن تطور الخطاب القبطي واستنباطه مصطلحات لتأطير مشاكله وبنائها اجتماعيًا في المجال العام، سواء عبر حركات حقوق الإنسان أو المواثيق الدولية ذات الصلة، ما ينقل المسألة القبطية في مصر من كونها مجرد مناوشات بين مسلمين ومسيحيين يتعرضون للاضطهاد، إلى مستوى متقدم يضعها كأحد نتائج النزاعات المسلحة في إطار الحرب على الإرهاب، ليخرجها من سياقها المحلي المحدود.

مقتبسًا من رسالة بطرس الرسول الأولى «فاخضعوا لكل ترتيب بشري من أجل الرب»، يضع الكاتب خطاب الاضطهاد القبطي في مرمى سهامه

في مقاله «مروية الاضطهاد القبطية ولاهوتها» والمنشور في موقع «الجمهورية»، يتناول الكاتب شادي لويس  سردية الاضطهاد المسيطرة، وفقًا لرؤيته، على الخطاب القبطي، وذلك عبر تتبع جذورها التاريخية واللاهوتية، التي ساهمت في تشكيل وعي عام لدى جموع الأقباط أدّى لاستبطانهم علاقتهم بالسلطتين الكنسية والسياسية في مصر، وفقًا لهذا التصور.

استعان الكاتب بأمثلة للدلالة على ذلك، مثل تحديد بداية حقبة الإمبراطور الروماني دقلديانوس عام 284 م. – عصر الشهداء- كبداية للتقويم القبطي، مرورًا بـ«السنكسار»، وهو كتاب يضم سير القديسين والشهداء، مرتَّبة حسب أيام السنة ووفق التقويم القبطي، ويُستخدم في الصلوات يوميًا.

مقتبسًا من رسالة بطرس الرسول الأولى «فاخضعوا لكل ترتيب بشري من أجل الرب»، يضع الكاتب هذا الخطاب في مرمى سهامه، موضحًا أن تبنيه من قبل الأقباط يجعل مفهوم المواطنة وما ترتبه من حقوق وواجبات محل تساؤل من جانب، فضلًا عن سهولة التذرع بهذا الخطاب، كحجة للتماهي مع أية مظالم اجتماعية أو اعتداءات متكررة من متشددي التيار الإسلامي، أو من السلطات العامة على المواطنين المسيحيين من جانب آخر.

ينهي الكاتب مقاله بعرض سريع لبعض أشكال الخطاب الأخرى «أسيرة الهوامش»، بحد وصفه، والتي تحاول الوصول للوعي الجمعي للأقباط، موحيًا بسيطرة سردية الاضطهاد دون غيرها من السرديات.

***

مع الاتفاق على أهمية تفكيك «مروية الاضطهاد» ومواجهتها حسبما أوصى المقال، إلا أن إغفال المضامين الأخرى للخطاب القبطي، والتي لم تكتف، على مدار أربعة عقود، بفرض نفسها على الجماعة القبطية، إنما تمكنت أيضًا من الخروج للمجال العام، هو كذلك درب من إغفال سجال طويل خاضته الجماعة القبطية للنضال من أجل الاعتراف بحقوقها وبهويتها كعمود أساسي للتكوين الاجتماعي والسياسي والقانوني والتشريعي في مصر.

الوجه الآخر لبولس الرسول:

رغم سعي البيانات الصادرة عن الكنيسة الأرثوذكسية، أثناء أزمة أقباط العريش، للالتزام بأقصى درجات الحياد والمهنية والتمسك بالخطاب الرسمي عن الوحدة الوطنية، فقد خرجت وعظة البابا تواضروس، في احتفالات عيد القيامة في أبريل 2017، عما ألفناه منه منذ انتخابه بطريركًا للكرازة المرقسية في نوفمبر٢٠١٢، ربما في عمقها ومواكباتها للأحداث أو في جعل استخلاص الموعظة منها خاضعًا لتقدير كل من يسمعها.

تناول البابا في وعظته قصة شاول الطرطوسي اليهودي المتعصب الذي كان من أشد المناهضين للمسيحية وأتباعها، حتى ضُرب به المثل في بشاعة إبادته المسيحيين، ورغم هذا، فبعد ظهور السيد المسيح له في دمشق بعد القيامة، اعتنق المسيحية وأصبح أحد المبشرين بها، فأسس العديد من الكنائس في أسيا الصغرى وسوريا وأوروبا، وأصبح اسمه منذاك «بولس الرسول».

حتى أشد معارضي البابا من الأقباط ارتاحوا للتغير الواضح في نبرة خطابه، فقد تركت العظة لكل قبطي الحرية في تفسير المغزى منها، فالبعض فسرها بأن هناك أملًا في تحول أشد التيارات تعصبًا نحو التسامح، بينما فسر البعض الآخر الوعظة بأنها ربما تكون دعوة لإعادة النظر في الخطاب العام السائد عن الأقباط أنفسهم، وأن معجزة القيامة نفسها قد تكون رمزًا قويًا لكون الموت (أو الاضطهاد) ليس النهاية بالضرورة، وهو ما ختم به البابا تواضروس ليلتها وعظته بقوله: «الموت ليس نهاية المشوار… القيامة هي نهاية المشوار.»

على الجانب الآخر، غالبًا ما تأتي مواقف الأنبا مكاريوس، أسقف المنيا وأبي قرقاص وهو من أقطاب الإكليروس، أكثر وضوحًا وتعبيرًا عن روح الجماعة القبطية في الآونة الأخيرة. حيث يتمسك خطابه بالحد الأدنى من المطالبة بحقوق المواطنة ودولة القانون، وهو ما انعكس في تصريحاته خلال أزمة الكرم في 2016، والتي رفض عقد جلسات الصلح العرفية لحلّها، مطالبًا أجهزة الدولة بأداء دورها في محاسبة المتسببين في الأحداث التي شهدتها القرية والاعتداءات على مسيحييها، التي وصلت لتجريد سيدة من ملابسها. كما أنه في نفس الحديث الصحفي، الذي وصف فيه أحداث أحد الشعانين الدموية بأنها «تأتي في إطار موجة اضطهاد»، أبدى رأيه في مسألة فرض حالة الطوارئ، موضحًا أنها لا تكفي وأن الكنيسة ربما تطلب المزيد من الضمانات للحيلولة دون تكرر الهجمات الانتحارية التي استهدفت الأقباط.

يتجاوز هذا الخطاب البكاء على ما يتعرض له المسيحيون من اضطهاد، ليعيد طرح اتجاهات أخرى في الخطاب القبطي، ذات طابع حقوقي وتحمل مطالب محددة، حتى وإن كانت قصيرة المدى.

بعبارات أخرى، فتجريد تصريح الأنبا مكاريوس من سياقه،  والاكتفاء بوصفه للاضطهاد، كموجة تصل إلى ذروتها ثم تنخفض، لا يدل على كون الأمر إذعانًا منه لخطاب يستطبن سردية الاضطهاد، وإنما علي العكس، فقد سعى خطابه في عدة مناسبات لتعزيز سردية عن المواطنة القبطية المتمسكة بدولة القانون، ما جعل العديد من متابعي الشأن القبطي يلقبونه بـ«أسد الصعيد».

ربما يقودنا ما تقدم إلى إعادة النظر في أزمة «الدير المنحوت» بالفيوم، والتي بدأت في أول 2015 على خلفية قرار إنشاء طريق الفيوم-الواحات، والذي كان يستوجب هدم أجزاء من الدير لبدء أعمال البناء، ما أدى إلى تصدي الرهبان له، حتي تفاقمت الأزمة ووصل الأمل إلى وقوع مواجهات بين الرهبان وأفراد الشركة المنوط بها إنشاء الطريق، والقبض على أحد الرهبان وصدور حكم ضده بالسجن لعامين.

ظهرت الازدواجية في الفعل الجماعي القبطي أثناء عهد البابا شنودة، فمن جانب، انحصر الأقباط أكثر داخل أسوار الكنيسة في ظل شدة هجمة التيار الإسلامي، ومن جانب آخر أصبحت مشاكل الأقباط بمثابة شأن عام يومي

يلاحَظ هنا أن الكنيسة بقيادة البابا تواضروس تحالفت مع الدولة في موقفها، وأن تصريحات البابا وقتها أكدت على تمسكه بتطبيق القانون في هذه الواقعة، ومن ثم هدم أجزاء من سور الدير، حيث قال: «إنهم يدعون أن هذا دير وهو ليس ديرًا ملكًا لله، وليس تابعًا للكنيسة. وعندما أستدعي المسؤول، وهو راهب له أكثر من 40 سنة في الرهبنة فأقول له: اجعل المكان يعيش في سلام. يرد علي أعجب رد: أنا لا أسمع غير كلام المسيح. وبذلك فهم خرجوا عن نطاق الكنيسة ونطاق الدولة وفي هذه الحالة يبقي الدولة تتصرف معاهم ».

كما وصل الأمر إلى إصدار المجمع المقدس بيانًا يوضح عدم اعتراف الكنيسة بهذا الدير، فضلًا عن شلح ستة من رهبانه، واصفًا إياهم بـ«قلة من الخارجين عن القانون».

في نفس الأزمة، وإزاء تمسك الكنيسة بخطاب المواطنة في الدفاع عن موقفها المساند للسلطات العامة، حاول الرهبان من جانبهم أيضًا الدفع بمجموعة من الأسانيد القانونية لإثبات موقفهم الرافض لأعمال الحفر على صورتها المقترحة سلفًا، بل قدموا أيضًا بدائل أخرى، وهو ما يشير إلى النزعة نحو التمسك بخطاب المواطنة ودولة القانون حتي في إطار الأزمات بين الإكليروس، ويطرح بدوره مسألة التنوع في الخطاب القبطي حتى في إطار المؤسسة الدينية نفسها، من جانب، فضلًا عن تهميش سردية الاضطهاد لصالح خطاب آخر ذي طبيعة حقوقية، من جانب آخر.

الاحتجاج بالهوية القبطية ومن أجلها:

في أواخر عام 1971، اعتلى البابا شنودة الثالث الكرسي الباباوي، بالتزامن مع انتشار التيار الإسلامي، وكذلك «أسلمة المجال العام» ولا سيما على ضوء المادة الثانية من دستور 1971 والتي أسست منذاك للشريعة الإسلامية، بوصفها أحد أسس التشريع، قبل أن تصير مع الزمن المصدر الرئيسي له.

في أحد ردود الأفعال على ما تقدم، ألقى البابا شنودة بذور البناء الاجتماعي لمشاكل الأقباط، وفرضها على المجال العام، كأحد مكونات المواطنة والمجتمع المصري ككل. وبالتالي ظهرت الازدواجية في الفعل الجماعي القبطي أثناء عهده، فمن جانب، انحصر الأقباط أكثر داخل أسوار الكنيسة واحتموا بها في ظل شدة هجمة التيار الإسلامي وسيطرته على جذور المجتمع، ومن جانب آخر أصبحت مشاكل الأقباط بمثابة شأن عام يومي يجري تناوله على ضوء الهجمات الموجهة إليهم من جانب التيارات المتشددة، أو على ضوء رد فعل البطريرك والذي أدخل على ساحة الاحتجاج في مصر أدوات للتعبير عنه ذات طبيعية دينية، ميّزت فصاعدًا الفعل الجماعي للأقباط، مثل الدعوة للصوم والصلاة من أجل مصر، أو اعتكافه في دير الأنبا بيشوي بوادي النطرون حال اشتداد الأزمات بينه وبين النظام القائم، سواء كان في عهد السادات أو مبارك فيما بعد.

من هنا يمكن تفسير اتجاهه نحو اتخاذ إجراءات كنسية من شأنها التأكيد على الهوية القبطية وخصوصيتها في المجتمع المصري، حيث استهل عهده في أواخر عام 1971 بالقرار البابوي الذي يقيد إجراءات الطلاق وفقًا لتعاليم الإنجيل، رافعًا مبدأ «لا طلاق إلا لعلة الزنا».

ومع الأخذ في الحسبان بالمشاكل والأزمات التي ترتبت على هذا القرار وتبعاته حتي يومنا هذا، إلا أنه ربما كان إرهاصًا بالرد على ما ارتآه آنذاك من سياسات اضطهاد يمارسها نظام السادات ضد المسيحيين، وليس تأطيرًا للاضطهاد في حد ذاته أو دعوة للقبول به انطلاقًا من موروث ديني أو ثقافي.

لعل أحد الصور الأكثر تطرفًا لهذا الخطاب هو ما يجري تداوله حول الهوية المصرية الأصلية وربطها بالأقباط، كونهم السكان الأصليين للبلاد والأحفاد الأصليين للفراعنة

في ذات السياق، جاءت أزمة «جمعية الكتاب المقدس» بالخانكة في 1972، والتي عُدت من أولى حوادث الاحتقان الطائفي التي شهدت احتجاج أفراد من الإكليروس على إزالة الجهات الرسمية لبعض المباني التابعة للجمعية بسبب عدم حصولها على تراخيص لإقامتها، فما كان من مئات الآباء الكهنة إلا الخروج، بمباركة من البطريرك، في مظاهرة انتهت بإقامة قداس على أطلال المباني المزالة، ووصلت الأحداث لمواجهات بين السكان من الأقباط والمسلمين. انتهى الأمر وقتها بإصدار «تقرير العطيفي» الذي تناول للمرة الأولى جذور الأزمة الطائفية، فيما شكّل اعترافًا رسميًا من الدولة بوجودها، ليبدأ كذلك تناول مشكلة بناء الكنائس في مصر وعدم صلاحية الإطار القانوني المنظِّم لها، والمعروف بـ«الخط الهمايوني» المعمول به منذ القرن السابع عشر.

وفي ذات السياق أيضًا، تمكن قراءة أزمة «قانون الردة»، وموقف الكنيسة بمنع الأقباط من الحج للقدس والتطبيع مع إسرائيل في أواخر السبعينات، حتى نفاد صبر نظام السادات على البابا شنودة، الذي استطاع حشد الجماعة القبطية حول مطالب تتعلق بالاعتراف بها في المجال العام المصري، فكان الأمر بعيدًا عن أن يعد تأطيرًا لخطاب الاضطهاد أو حتى قبولًا به، بل صار بالأحرى نمطًا احتجاجي الطابع للفعل الجماعي للأقباط، يتمسك بالحق في الحياة والحق في التعبير عن هويته وخصوصيته الثقافية.

ولعل أحد الصور الأكثر تطرفًا لهذا الخطاب المتداول بين بعض أفراد الإكليروس، والنشطاء من العلمانيين، هو ما يجري تداوله حول الهوية المصرية الأصلية وربطها بالأقباط، كونهم، وفقًا لهذه الرواية، السكان الأصليين للبلاد الذين تمسكوا بهويتهم الدينية أمام الفتح العربي لمصر، وبالتالي فهم الأحفاد الأصليون للفراعنة.

الكتيبة الطيبية 2004.. «لاهوت التحرير» من أجل المهمشين:

في ذات السياق الهوياتي لدحض خطاب الاضطهاد الهادف لرفع مظلوميات ومطالب المواطنين الأقباط، جاء بزوغ نجم مجلة «الكتيبة الطيبية» منذ 2004، والتي قام على إصدارها القمص متياس نصر، كاهن كنيسة العذراء بمنطقة عزبة النخل، أحد أفقر المناطق المحيطة بالقاهرة.

يقال إن هذه المجلة كانت تُوزَّع على نطاق ضيق بين الأقباط، حتي أن القائمين على تحرير محتواها من المقالات كانوا يتخذون أسماء مستعارة لتوقيع كتاباتهم المنشورة في الجريدة. ربما نبع هذا من الخوف من التضييق على حرية التعبير، وربما أيضًا كانت استعارة أسماء الشهداء والقديسين، لتذييل مقالات المجلة، رسالة تهدف لإحياء سير الأباء الأوائل في التراث القبطي، في محاولة لنقد الأوضاع الحالية للأقباط بعد مرور آلاف السنين على عصر الشهداء.

يرجع اسم الجريدة إلى الكتيبة الطيبية، وهي إحدى الكتائب التي كونت جيش الإمبراطور الروماني دقلديانوس، الذي تألف جيشه من مختلف شعوب أقاليم الإمبراطورية. تشكلت هذه الكتيبة من 6600 مسيحيًا مصريًا من سكان مدينة طيبة، وصدرت لهم الأوامر بالسفر إلى غاليا (فرنسا حاليًا) لمعاونة جيش الإمبراطورية في إحدى الحروب. وفي أحد الطقوس المعتادة والمتعارف عليها آنذاك، صدرت الأوامر لكافة القوات المشاركة بتبخير الأوثان قبل البدء في الحرب واعتبار دقليديانوس إلهًا، فرفض جنود الكتيبة الطيبية الامتثال للأوامر وتمسكوا بعقيدتهم، حتي وإن كانوا يؤدون واجبهم تجاه الإمبراطورية الرومانية التي لا تدين بالمسيحية، فأمر دقلديانوس بإعدامهم. فكان الاستشهاد من أجل التمسك بالعقيدة إطارًا لخطاب حقوقي يرتكز على خصوصية الهوية.

ولعل «الكتيبة الطيبية» كانت نواة لخلق جيل جديد من الناشطية القبطية، نتجت عنه مجموعات متتالية على مدار الفترة فيما بين 2004 و2010، مثل «أقباط من أجل مصر»، وفيما بعد «جبهة الشباب القبطي»، والتي كانت نواة الحراك المنظم في احتجاجات العمرانية في أواخر عام 2010، والتي شهدت لأول مرة صدامًا بين نشطاء أقباط وقوات الأمن بعيدًا عن أسوار الكنيسة. تخلل هذه الفترة أيضًا ظهور نمط جديد من الحراك القبطي يؤسس لفكرة «لاهوت التحرير»، وهو ما تناوله العديد من الفاعلين الأقباط المنخرطين في الفترة المشار إليها تحديدًا، ولا يزالون يتناولونه.

رغم ظهور «لاهوت التحرير» في أمريكا اللاتينية في أواخر الستينات وأوائل سبعينات القرن الماضي، كحركة نضال، تنبع من الإكليروس، من أجل حقوق الفقراء وضد هيمنة النخبة على مصادر الثروة، إلا أنه استطاع أن يجد له جذورًا في مصر أيضًا، عبر ظهور جيل جديد من الفاعلين المسيحيين المنتمين إلى طبقات متوسطة أو فقيرة ظهروا في المجال العام للاحتجاج، ليس فقط على التمييز الواقع على الجماعة القبطية عمومًا، وإنما أيضًا على فساد الإكليروس. فكان ظهور الشاب مينا دانيال القبطي القاطن في عزبة النخل ذي الأصول الصعيدية، «السرسجي» كما رأه البعض، وانخراطه في احتجاجات العمرانية، ومظاهرات كنيسة القديسين في بدايات عام 2011، ثم نزوله ميدان التحرير خلال فترة الـ18 يومًا الاحتجاجية، تعبيرًا عن خروج طبقة المهمشين إلى المجال الاحتجاجي، حاملين مظالم يتوجهون بها إلى كل من الكنيسة والدولة.

إذا كان المطلب المصاغ من قبل بعض الفاعلين من شباب الأقباط يتعلق بضرورة كسر احتكار الكنيسة لتمثيل الأقباط، فقد كانت لدى هؤلاء القادمين الجدد أيضًا مطالب اجتماعية واقتصادية وسياسية، عبروا عنها بالمشاركة في المظاهرات الاحتجاجية التي نظمتها الجماعات الناشطة آنذاك، مثل «كفاية» أو «حركة شباب من أجل العدالة والحرية» أو «كلنا خالد سعيد»، حتي وصلوا إلى حشد قبطي بامتياز فيما عرف بـ«الإضراب القبطي الأول في 11 سبتمبر 2009».

سرعان ما لفظ التحرير حلمه في المواطنة والمساواة بين المواطنين، وبدا واضحًا أن المجموعات الثورية المنبثقة عن احتجاجات التحرير غير قادرة على طرح قضايا المواطنة ومواجهة الطائفية بوضوح

لم تكن سردية الاضطهاد هي المسيطرة على المشهد، بل كانت بالأحرى أحد أسباب الانشقاق الواقع في بعض المجموعات السياسية القبطية، مثل «أقباط من أجل مصر»، بسبب غياب الاتفاق حول تبنيها بين الفاعلين، ما أدى لانفصال بعض الشباب الذين كونوا فيما بعد «جبهة الشباب القبطي» والتي طالبت بتشريع قانون موحد لبناء دور العبادة، متبنية خطابًا حقوقيًا.

سنكسار الثورة.. من التحرير إلي ماسبيرو:

رغم استيعاب «التحرير» على مدار  الـ18 يومًا لمختلف أطياف المجتمع المصري المتفقين جميعًا على مطلب إسقاط النظام، إلا أن «التحرر» ظل، ولا يزال، حلمًا بعيد المنال. فرغم تواجد الكنيسة الإنجيلية، كمؤسسة دينية، بين الجموع لمساندتهم، سواء بإقامة القداديس أو إلقاء آبائها للعظات، إلا أن الشباب القبطي كان له أيضًا وجود مكثف، خاصة بعد 28 يناير 2011، رغم تحذيرات الكنيسة آنذاك من المشاركة في احتجاجات غير معروف من دعا لها، في إشارة واضحة لـ«التيار الإسلامي».

ولكن سرعان ما لفظ التحرير حلمه في المواطنة والمساواة بين المواطنين، وبدا واضحًا أن المجموعات الثورية المنبثقة عن احتجاجات التحرير غير قادرة على طرح قضايا المواطنة ومواجهة الطائفية بوضوح، فكان الاهتمام بالنواحي المؤسسية لعملية التحول الديمقراطي، وكذلك الافتراض بأنه صحيح أن «التحرير» قد أسس من نفسه لخطاب متجانس، فيما يتعلق بالحقوق والحريات العامة بين مختلف طبقات، لكنه سطّح مفهوم المواطنة وتجنب فرز التنوع في المجتمع المصري.

تمثلت أولى الصدامات بعد سقوط مبارك في حادثة «دير الأنبا بيشوي»، ثم كنيسة «صول» خلال شهري فبراير ومارس 2011، ولم يكن لدى الفاعلين الأقباط رد عليهما، إلا محاولة العودة مرة أخرى للاحتجاج، ولكن من خلال «ماسبيرو» وليس «التحرير» هذه المرة.

على مدار الفترة من مارس إلى أكتوبر، تواصلت الاعتصامات التي ينظمها الشباب القبطي ضد ما صيغ بوصفه «تقصير الأجهزة الأمنية في حماية الأقباط وكنائسهم وممتلكاتهم عند نشوب الأحداث الطائفية»، فيما عد خطابًا احتجاجيًا بامتياز، يحمّل الدولة مسؤولياتها، من منطلق المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات. ثم كانت «مذبحة ماسبيرو»، بكل ما تحمله من معان ودلالات، وجاء استشهاد حوالي 28 مواطنًا مسيحيًا ومن بينهم مينا دانيال نفسه، ليبني للثورة سنكسارًا موازيًا لسنكسار الكنيسة، وإن كان ملكًا للقادمين الجدد من الأقباط للمجال العام، وليس ملكًا للكنيسة بالضرورة.

وإذا كان السنكسار في الكنيسة يورد سير الشهداء، ويُستخدم في الصلوات اليومية، فإن سنكسار الثورة أتى بمثابة قربان تقدمه الجماعة القبطية لمسيرة التحول العثرة في مصر، لتأريخ لهذه الفترة من تاريخ مصر والأقباط، مكتوبًا لا بيد المنتصر ولا بيد الإكليروس، وإنما بدماء وعبارات المهمشين الذين استطاعوا التأسيس لخطاب قبطي حقوقي طغى على سردية الاضطهاد، أو في تقدير آخر، موظفًا هذه السردية لصياغة مطالبه.

ربما كان وجه «مينا دانيال» وسيرته، وإنشاء مجموعة تحمل اسمه، هي بعض أدوات هذا الخطاب الجديد، فالوجه المرسوم على علم المجموعة يحمل سمت المناضل اليساري «تشي جيفارا»، وكذلك انخراط  فاعلي المجموعة في احتجاجات لا تتعلق بالضرورة بمشاكل التمييز على أساس الديانة، إنما تنطلق لرحاب أوسع من هذا، كالمشاركة في أحداث «محمد محمود» في نوفمبر 2011، والاحتجاجات على قرض صندوق النقد الدولي خلال 2012 و2013، أثناء حكم الإخوان المسلمين، وهو ما أضفى بعدًا يساريًا جديدًا على أحد أشكال الخطاب القبطي، والتي استطاعت فرض نفسها على المجال العام.

مسَّ صعود حركة حقوق الإنسان في مصر الجماعة القبطية بلا شك، ومن هنا نجد مثلًا محاولات لتأطير ما عُرف بـ«مشكلة خطف الفتيات المسيحيات»، ومحاولة الفاعلين الأقباط صبه في قالب «الاختفاء القسري»

ربما كانت أحد مشاكل تحليل الخطاب هي الانطلاق من فرضية أحاديته، والتعامل مع الأقباط ككتلة متجانسة لها نفس المطالب ونفس أساليب التعبير عنها. بيد أن المتابع للشأن القبطي يلاحظ انزواء سردية الاضطهاد لصالح انتشار خطاب قائم على فكرة المواطنة والحقوق التشريعية والقانونية.

ومن ناحية أخرى، فإن صعود حركة حقوق الإنسان في مصر، ومحاولات مختلف فاعليها لاستحضار مبادئ ومصطلحات ذات طبيعة دولية، ومحاولة إرساء قوالب لها في الحالة المصرية قد مسَّ الجماعة القبطية بلا شك، ومن هنا نجد مثلًا محاولات لتأطير ما عُرف بـ«مشكلة خطف الفتيات المسيحيات»، ومحاولة الفاعلين الأقباط صبه في قالب «الاختفاء القسري». وبغض النظر عن نجاح هذا التوجه من عدمه في التوصل لحلول للأزمة الطائفية، أو حتي الخروج بخطاب يطرح المسألة القبطية في مصر، فمما لا شك فيه أن اختزال الخطاب القبطي في «سردية الاضطهاد» يفقد الحراك القبطي الكثير من إسهاماته في عملية التحول السياسي في مصر، كما يبخس حق المئات ممن حاولوا الخروج بالخطاب القبطي من سردية الاضطهاد إلى بوادر المواطنة.

اعلان