Define your generation here. Generation What
العلاقات المصرية الفرنسية: في انتظار ساكن الإليزيه الجديد
 
 
الرئيس السيسي في قصر الإليزيه، خلال زيارته اﻷخيرة لفرنسا - المصدر: موقع سفارة فرنسا في مصر
 

فيما يستعد قصر الإليزيه لاستقبال رئيس فرنسي جديد، تُجرى أولى مراحل انتخابه اليوم الأحد، تبدو الأنظار في مصر معلقة على إرادة الناخبين الفرنسيين، خصوصًا مع تقارب التقديرات لأربعة مرشحين على الأقل؛ يمثلون طيفًا سياسيًا واسعًا، يبدأ من أقصى اليمين مع المرشحة ماري لوبان، مرورًا باليميني المحافظ، فرنسوا فيون، ومرشح الوسط، إيمانويل ماكرون، وينتهي بأقصى اليسار مع المرشح، جان لوك ميلونشون.

على مدار السنوات الثلاثة الماضية، اعتبرت فرنسا أن الدولة المصرية حليفًا طبيعيًا لها، وشريكًا هامًا في عدد من القضايا، ليس أولها الحرب الدولية على «المنظمات الإرهابية»، وليس آخرها الصفقات السياسية-العسكرية، ما شكّل علاقة ثنائية لا يعكر صفوها الانتقادات الخفيفة المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان، والتي لطالما قال عنها السياسيين الفرنسيين، إنها تُقدم إلى مصر في صورة «نصائح وليس مطالبات».

وكما تتسع دائرة احتمالات الانتخابات نفسها، تختلف التقديرات أيضًا في ما قد يطرأ على العلاقات بين البلدين من تغيرات، انطلاقًا مما وصلت إليه بالفعل.

استكمال صفقات الطائرات

خلال العام الماضي بدأ الحديث عن عقد صفقة بين مصر وشركة «داسو» المختصة بتصنيع الطائرات الفاخرة، بقيمة 300 مليون يورو مقابل أربعة طائرات تستخدمها الرئاسة المصرية، وهو ما نفته مصادر من الرئاسة المصرية لاحقًا، وإن كان نفيها زاد اللبس أكثر، إذ لم يوضح إن كانت الصفقة لم تتم من اﻷصل، أم أن أجهزة أخرى في الدولة، بخلاف الرئاسة هي من أبرمتها.

فيما قال مصدر دبلوماسي مصري متابع للعلاقات بين البلدين لـ «مدى مصر» إن المفاوضات بشأن هذه الصفقة لا تزال مستمرة، وإن الزيارة الأخيرة التي أجراها وزير الدفاع الفرنسي، جان إيف لودريان، إلى القاهرة دفعت المفاوضات المتعلقة بهذه الصفقة إلى الأمام.

كان لودريان، وهو أحد أعضاء الحملة الانتخابية للمرشح الرئاسي، إيمانويل ماكرون، قد زار  مصر في فبراير الماضي، والتقى الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي منحه وسام الجمهورية من الطبقة الأولى «تقديرًا لجهوده ومساهماته في تحقيق طفرة في التعاون العسكري بين البلدين».

وأوضح المصدر أنه «رغم الصعوبات الاقتصادية التي تعاني منها مصر، إلا أنها لا تزال مستمرة في سداد ما هو مستحق عليها من أقساط للميسترال والرافال، وتكاليف الصيانة المتعلقة بهما، حتى مع تراجع السعودية عن دفع حصتها من المستحقات التي التزمت بها في سياق الضغوط التي مارستها على السلطة التنفيذية في مصر».

كانت مصر قد وقعت، في أكتوبر 2015، عقدًا مع فرنسا لشراء حاملتي طائرات من طراز «ميسترال»، وتسلمت الأولى في 2015 والثانية في 2016. كما عقد البلدان في 2015 أيضًا صفقة بموجبها تزود فرنسا مصر بـ 24 طائرة مقاتلة من طراز «رافال».

الطائرة المنكوبة

يعد ملف الطائرة المصرية -التي سقطت في مياه المتوسط في مايو الماضي بعد إقلاعها من مطار شارل ديجول الفرنسي، واحدًا من أهم الملفات المرشحة للتغيير طبقًا لما ستؤول إليه الانتخابات الفرنسية، خاصة مع الاختلافات الحالية بين البلدين في إدارة الملف.

وكشف تحقيق لـ «مدى مصر» حول الحادثة عن وجود خلافات محورية بين لجنتي التحقيق المصرية والفرنسية، أدت إلى توقف العمل المشترك بينهما، وأيضًا إلى تأخر وصول رفات الضحايا الفرنسيين إلى بلدهم لشهور عديدة.

وكانت اللجنة المصرية المعنية بالتحقيق أصدرت تقريرًا قالت فيه إن المحققين عثروا على بقايا مواد تفجيرية بين حطام الطائرة، في إشارة إلى أن الطائرة أُسقطت بفعل فاعل. وهو الأمر الذي يلقي بالكثير من المسؤولية على الجانب الفرنسي، حيث حطت الطائرة في هبوطها الأخير. الأمر الذي رفضته لجنة التحقيق الفرنسية، التي قالت لصحف فرنسية إن المحققين المصريين لم يسمحوا لهم بفحص الحطام، وبالتالي فإنهم لم يوافقوا على أيٍ مما تصل إليه اللجنة المصرية منفردة.

في جميع الأحوال، يبدو أن مسألة التحقيق في ملابسات حادث الطائرة ستظل معلقة في انتظار القادم الجديد إلى الإليزيه.

حقوق الإنسان

«الخبرة المكتسبة في التعامل مع المسؤولين المصريين تقول إن الضغط الدولي يأتي بنتائج عكسية. ومن هذا المنطلق نحن نقدم ملاحظاتنا على حقوق الإنسان من منظور الصداقة والنصيحة، وليس من منظور المطالبة، وهذا حرصًا على مصلحة ما نطالب به بالأساس». هكذا تدير فرنسا الخلافات في ملف حقوق الإنسان مع مصر، بحسب مصدر دبلوماسي فرنسي مقيم في القاهرة.

من جانبه، يرى المصدر الدبلوماسي المصري أن أسباب التباين بين الدولتين ليست قاصرة علي ملف الطائرة، ولكنها أيضًا تشمل الإحباط الباريسي إزاء إصرار القاهرة علي تجاهل كامل لكل المقترحات المتعلقة بخطوات يمكن أن تتخذها القاهرة لتحسين صورة مصر الدولية جراء الاتهامات التي تواجهها من سياسيين وحقوقيين مصريين، وأيضًا من منظمات دولية لها سمعة كبيرة في ما يخص حال حقوق الإنسان في مصر.

كان الرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، قد قال في مؤتمر صحفي له في القاهرة أثناء زيارته في أبريل من العام الماضي، إنه تحدث «بصراحة كاملة» مع نظيره المصري حول الحاجة لتجاوز المخاوف الدولية إزاء مدى التزام مصر بأساسيات حقوق الإنسان، حتى أثناء سعيها لدحر جماعات إسلامية مسلحة تعمل في مصر.

ولكن بعد قرابة عام من زيارة هولاند، فإن أيًا من المطالب التي رفعها «برفق» إلى نظيره المصري لم تجد أي استجابة أو تعليق، في ما أسس لإدراك فرنسي، بحسب المصدر الفرنسي، أن العلاقة بين النظامين ليست علاقة تحالف، ولكنها علاقة تنسيق وتعاون متبادل يشمل ملفات تهم البلدين، هي علي وجه التحديد: الوضع في سوريا وليبيا، وملف الهجرة غير النظامية، ومكافحة الجماعات الإسلامية المسلحة في منطقة الساحل والصحراء الكبرى.

الملفات الإقليمية العالقة

وإن حمل الود الذي أبداه هولاند تجاه مصر سياسيًا، في طياته الكثير من المصالح الاقتصادية المباشرة، إلا أن الملفات الإقليمية كان لها تقدير خاص في العلاقات بين البلدين، خاصة ملفي سوريا وليبيا، وقبلهما مسألة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

تأتي القضية الفلسطينية في مقدمة الاختلافات بين سياسة البلدين. ولعل أبرز نقاط هذا الخلاف برزت عندما سحبت البعثة المصرية بالأمم المتحدة مشروع قرار، كانت قد عملت عليه مع البعثة الفرنسية، يدين الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، فيما اعتبر بمثابة تنسيق ما بين الرئيس المصري ومرشح الرئاسة الأمريكي وقتها، دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو.

وفي الوقت الذي عملت فيه الخارجية الفرنسية على تكوين مبادرة للسلام في الشرق الأوسط، لم يشارك كلا الطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي، في لقاءاتها التمهيدية، عملت مصر بشكل موازي لبدء التفاوض بين الطرفين، قبل تحقق الشرط الفلسطيني التقليدي لذلك، بوقف الموجات الاستيطانية.

وكما يرى الدبلوماسي الفرنسي، فإن التعاون الإقليمي مع مصر لم يشمل «بالضرورة» ملف العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية، ويقول المصدر إن «القاهرة، كما تل أبيب، لم تكن مرحبة بالمبادرة الفرنسية لعقد المؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط، بل إنها سعت بجهد استباقي لاستضافة مباحثات فلسطينية – إسرائيلية على مستوى رفيع، وهو الأمر الذي عرقله الرفض الفلسطيني بشكل حاسم -على لسان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس- لعقد أي لقاء مع رئيس الحكومة الإسرائيلية في ظل استمرار بناء المستوطنات الإسرائيلية».

ومن بين المتنافسين في سباق الرئاسة الفرنسي الحالي، تعد ماري لوبان، وفرنسوا فيون، رئيس وزراء البلاد لخمسة سنوات أثناء رئاسة نيكولا ساركوزي، وإيمانويل ماكرون الأقرب إلى الإدارة الإسرائيلية والأكثر حماسًا لسياساتها في العزل والاستيطان تحديدًا، بينما يظل جان لوك ميلونشون الأوضح بين المرشحين في المطالبة بدولة فلسطينية.

وفضلًا عن قضية السلام الفلسطيني الإسرائيلي، تبقى المسألة السورية واحدة من نقاط الخلاف الهامة بين مصر وفرنسا. إذ تصر باريس منذ اللحظة الأولى على رحيل الرئيس السوري بشار الأسد عن الحكم، فيما ترى القاهرة أن الحل السياسي، الذي لا يستثني الأسد بالضرورة، هو المخرج للأزمة السورية المستعرة منذ ست سنوات. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الرهان المصري على وصول دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة، لعب دورًا أساسيًا في تمسك الطرف المصري بخياره.

وبالنظر لمواقف المتنافسين الفرنسيين، لا يظهر الإصرار على رحيل الأسد في أجندة المرشح الليبرالي الوسطي إيمانويل ماكرون، الذي يضع أولوية لإزالة الدولة الإسلامية، ما يتطلب حوارًا ممتدًا بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، فيما يرى المرشح اليساري جان لوك ميلونشون، أن السياسة الفرنسية تجاه سوريا يجب أن تكون أكثر قربًا من روسيا. أما المرشح فرنسوا فيون فيعد الأقرب للأسد، الذي كان قد أعرب عن إعجابه به في حديث للصحف الفرنسية في يناير الماضي. أما المرشحة اليمينية ماري لوبان، التي طلبت تمويلًا روسيًا وإماراتيًا لحملتها الانتخابية بعد فشلها في الحصول على تمويل أوروبي، بحسب تقرير منظمة «SUMOFUS» المعنية بقضايا الفساد في أوروبا والولايات المتحدة، فقد دعت لاحترام «سيادة الدولة السورية».

ماذا بعد الانتخابات؟

على الرغم من تأكيدات الكثير من المسؤولين المصريين المتصلين بباريس أن القاهرة لا تتابع بقلق كبير عملية الانتخابات الفرنسية، إلا أن اتساع الاحتمالات الممكنة ينذر بتغيرات جذرية قد تطال عددًا من الملفات المشتركة.

يقول مصدر حكومي مصري إن القاهرة تتابع بترقب يخلو من القلق مسار الجولة الأولى من الانتخابات. كما أنها تدرك جيدًا أن كل المرشحين سيكونون حريصين على تتبع أثر سياسة هولاند في التعامل مع القاهرة؛ حرصًا على استمرار الصفقات المبرمة بالفعل معها، خاصة تلك الأخيرة التي بدأ التفاوض عليها في الأسابيع الأخيرة لحكم هولاند لشراء طائرات مدنية من شركة إيرباص لضمها إلى أسطول مصر للطيران.

ويضيف المصدر أنه في حال اتجه الناخبين الفرنسيين لاختيار مرشح آخر غير ماري لوبان أو فرانسوا فيون، وهما المفضلان لدى القاهرة، وذهبوا إلى الوسطي إيمانويل ماكرون أو اليساري جان لوك ميلونشون، فإنه «ربما في هذه الحالة علينا أن نستعد لمرحلة أقل دفئًا».

وهنا، يلفت المصدر النظر إلى أن التأثير الأوروبي على مصر لا يتوقف حاليًا على الانتخابات الفرنسية فقط، بل يمتد أيضًا لإعادة الانتخاب المحتملة للمستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، في الانتخابات المقبلة. خاصة وأن ميركل أبدت انفتاحًا كبيرًا على مصر في سياق تعهد القاهرة بلعب دور أكبر في وقف موجات الهجرة من أفريقيا إلى أوروبا.

ويستطرد موضحًا أن إعادة انتخاب ميركل، مع انتخاب رئيس فرنسي غير يميني، ستجعل القلق المصري يتعدى الحديث عن تحقيق أكثر تعاونًا حول الطائرة المصرية المنكوبة، ليصل إلى تلقي مصر مطالبات أوروبية بضمانات لشفافية الانتخابات الرئاسية المنتظر إجرائها في مصر العام المقبل.

اعلان
 
 
أسمهان سليمان