Define your generation here. Generation What

إردوغان: مستبد شرقي أم مصلح ديجولي؟

لأسباب معروفة، ولا داعي لسردها هنا، شغل الاستفتاء على تعديلات الدستور التركي حيزًا كبيرًا من اهتمام المصريين.

بدا ذلك واضحًا في الكتابات الصحفية، والتغطيات التليفزيونية، وفي جلسات الأصدقاء، وكذلك على شبكات التواصل الاجتماعي، كما بدا واضحًا أن هذا الاهتمام اتسم بالاستقطاب، والتفكير بالتمني، كما هو حال كل مناقشاتنا وآرائنا، ما بين أنصار النظام الحالي من ناحية، وأنصار جماعة الإخوان المسلمين، ومعظم من يحمل في نفسه هوى للإسلام السياسي من ناحية أخرى، إلا قليلًا ممن حاولوا الفهم قبل الحكم.

تركيا، إلى جانب فرنسا قبل عام 1958، واسرائيل حاليًا، وإيطاليا بين الحين والآخر، هي أبرز النماذج الكلاسيكية لأزمات الديمقراطية البرلمانية

فإذا كان علينا الانضمام إلى هؤلاء الشرذمة القليلين ممن يحاولون الفهم قبل الحكم، فيتوجب البدء من السبب الأصلي والعميق للأزمات المتكررة في النظم البرلمانية في بعض المجتمعات، والتي أدت في حالات عديدة إلى التحول إلى النظام الرئاسي، أو إلى نظام مختلط من الرئاسي والبرلماني.

وتعد تركيا، إلى جانب كل من فرنسا قبل عام 1958، واسرائيل حاليًا، وإيطاليا بين الحين والآخر، أبرز النماذج الكلاسيكية لأزمات الديمقراطية البرلمانية، مع الأخذ في الاعتبار بخصوصيات كل نموذج منها، حيث لم تعرف إسرائيل مثلًا ظاهرة الانقلابات العسكرية، وحيث اكتفى جنرالات فرنسا بالضغط على السياسيين لإعادة ديجول إلى السلطة عام 1958، دون أن يستولوا على الحكم مباشرة، كما سنرى بعد هنيهة، فيما اكتسبت إيطاليا كثيرًا لقب «الرجل المريض الجديد» في أوروبا، بسبب ظاهرة عدم استقرار الحكومات فيها.

في النماذج الأربعة، ولأسباب تاريخية، ولأسباب أخرى نابعة من كثرة التباينات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، وتشتتها بين حزبين كبيرين أو ثلاثة، والى جانبها عدد أكبر من اللازم من الأحزاب المتوسطة والصغيرة، فقد تكرر في معظم الدورات الانتخابية عدم حصول حزب واحد على أغلبية برلمانية مريحة، ولذا كانت الائتلافات الحكومية هي الحل المتكرر، ولكن نادرًا ما تمتعت هذه الائتلافات بمستوى كاف من الاستقرار والفاعلية. لذا أصبحت الانتخابات المبكرة تقليدًا متواترًا في اسرائيل، وأصبحت الانقلابات العسكرية هي الحل المفضل للأزمات السياسية في تركيا، فيما كان توالي سقوط الحكومات، وتشكيل ائتلافات بديلة دون انتخابات مبكرة، تقليدًا فرنسيًا مسلمًا به، وكذلك كان حال إيطاليا.

اختلفت بالطبع طريقة كل نموذج من تلك النماذج الأربعة في البحث عن حلول جذرية لهذه الإشكالية، ولكن الاتجاه العام كان الأخذ ببعض مقومات النظام الرئاسي.

ففي إسرائيل أُدخل تعديل دستوري في أواخر تسعينيات القرن الماضي، يجعل اختيار رئيس الوزراء بالانتخاب العام المباشر، وطُبق هذا الحل مرتين قبل أن يتقرر إلغاؤه لثبوت عدم جدواه، إذ ظل رئيس الوزراء المنتخب مباشرة مضطرًا أيضًا للدخول في ائتلافات حزبية، مثلما كان الحال حين كان يجري اختيار زعيم الحزب الفائز بأكبر عدد من مقاعد الكنسيت، أو الزعيم القادر على تشكيل أغلبية برلمانية، لرئاسة الحكومة، وعليه فقد عاد الحال إلى ما كان عليه، وبقيت الأزمة الأصلية على ما هي عليه أيضًا.

وفي إيطاليا، وكما يتذكر البعض بالتأكيد، فقد أُجري في العام قبل الماضي استفتاء شعبي على تعديلات دستورية في الاتجاه نفسه، ولكن النتيجة جاءت بالرفض، إلا أن المحاولة نفسها أثبتت أن الأزمة قائمة، وليس مستبعدًا أن يتكرر المسعى بنجاح، إذا عادت ظاهرة عدم استقرار الحكومات إلى الظهور بقوة مجددًا، وهو بالضبط ما حدث في فرنسا، التي تعد أكثر النماذج أهمية، وأكثرها إلهامًا للرئيس التركي رجب طيب إردوغان.

وقد تألفت قصة تحول فرنسا من النظام البرلماني إلى النظام شبه الرئاسي من فصول عديدة، كان بعضها مأساويًا، وتشابه بعضها كثيرًا مع بعض ما جرى في تركيا.

بدأت القصة في سنوات ما قبل الحرب العالمية الثانية، حين كانت الحكومات تقوم وتسقط في فترات لا تتجاوز شهورًا تعد على أصابع اليد الواحدة، ووقتها كان هتلر يجهّز ألمانيا للحرب، والتي كان مفهومًا أن فرنسا ستكون من أهم ميادينها ومن أهم أطرافها. وبسبب عدم استقرار الحكومات، لم تمتلك فرنسا العزيمة للاستعداد لما هو قادم، وآثر بعض ساستها التعامي، أو التفكير بالتمني، بل بدأ بعض هؤلاء الساسة يستسلمون لحقيقة أنه لم تعد لبلادهم طاقة على مواجهة ألمانيا.

و كما نعرف، فقد وقعت الكارثة، وانهزم الجيش الفرنسي، واحتُلت باريس، ونصف البلاد، وانشق ديجول على الحكومة المستسلمة، وأسس حركة «فرنسا الحرة» لقيادة المقاومة، والمشاركة بقوات فرنسية من الخارج في حرب التحرير.

كان ديجول، وعدد كبير من أنصاره، يؤمنون بأن النظام البرلماني المؤلف من عدد كبير من الأحزاب هو السبب في عدم استقرار الحكومات، ومن ثم عجز السلطة عن القيام بمسؤولياتها. ولذلك اقترح، كرئيس للحكومة الانتقالية عام 1946، تعديل دستور الجمهورية الرابعة، في اتجاه النظام الرئاسي، ولكن جميع الأحزاب المشاركة في تلك الحكومة رفضت اقتراحه، وفضلت استمرار النظام القديم على حاله، فاستقال الرجل، واعتزل الحياة السياسية، قائلًا عبارته الشهيرة: «سأعود إلى قريتي، وأجلس إلى جانب الهاتف في انتظار استدعاء جديد من فرنسا. »

ما بقى من مأثورات ديجول نفسه خلال تلك المعركة هو قوله: «إن رجلًا في السبعين من عمره مثلي، ليس لديه متسع من الوقت لإقامة ديكتاتورية»

تأخر الاستدعاء 12 عامًا، تعرضت البلاد خلالها لسلسلة من النكبات العسكرية والسياسية في جنوب شرق أسيا، والسويس والجزائر، وواصلت الأحزاب سيرتها الأولى، فتعاقبت حوالي عشر حكومات على السلطة في هذه السنوات الـ12. وفي عام 1958 فرض الجنرالات على الساسة استدعاء ديجول لرئاسة الحكومة وإنقاذ البلاد، فاشترط على الجمعية الوطنية (البرلمان) تفويضه في طرح مشروعه لدستور جديد للاستفتاء الشعبي، وحصل على التفويض، وجرى الاستفتاء، وحصل على الأغلبية، وتأسست الجمهورية الخامسة المستمرة حتى اليوم في فرنسا.

لكن قبل الوصول إلى تلك اللحظة، خاض ديجول معركة بالغة الشراسة ضد معارضيه الكثر الذين تزعمهم اليسار بشقيه الاشتراكي الديمقراطي والشيوعي. ومما تبقى من مأثورات تلك المعركة قول الزعيم الاشتراكي فرانسوا ميتران، والذي أصبح رئيسًا فيما بعد، عن ديجول: «إن الجنرال كان مصحوبًا بالوطن والشرف في عام 1941، [عام انشقاقه على الحكومة المهادنة للاحتلال النازي]، ولكنه أصبح في عام 1958 مصحوبًا بالرجعية والاستبداد». ومن هذه المأثورات أيضًا إطلاق لقب «ديجول الرابع عشر» على الجنرال، تشبيهًا له بـ«الملك الشمس» لويس الرابع عشر صاحب مقولة «أنا الدولة».

شارل ديجول: سأعود إلى قريتي، وأجلس إلى جانب الهاتف في انتظار استدعاء جديد من فرنسا

هل يذكرنا ذلك بإطلاق البعض لقب «السلطان» على إردوغان، وبالمخاوف من إحيائه لنزعة الاستبداد العثمانية؟!

أما ما بقى من مأثورات ديجول نفسه خلال تلك المعركة فهو قوله: «إن رجلًا في السبعين من عمره مثلي، ليس لديه متسع من الوقت لإقامة ديكتاتورية، ولكن مهمتي هي إنقاذ فرنسا من أحزابها وسياسييها، لأن صوت فرنسا هو صوت الله بالنسبة لي. »

ورغم أن دستور ديجول لم يؤسس نظامًا رئاسيًا كاملًا، على غرار النظام الأمريكي أو النظام الذي تؤسس له تعديلات إردوغان في تركيا، فقد بالغ ديجول في تحصين منصب الرئيس على حساب البرلمان والحكومة، حيث مدّ مدة الرئاسة لسبع سنوات كاملة، وبلا حد أقصى، واختزل في المرحلة الأولى من حكمه فترات انعقاد البرلمان، وأعطى الرئيس حق حل هذا البرلمان بشروط معينة، إلخ.

المفارقة التي تلفت الانتباه هنا هي أن التجربة نجحت نجاحًا مذهلًا، فقد عرفت فرنسا لأول مرة في تاريخها الحديث ظاهرة استكمال الحكومات مدتها الدستورية، وبلغ النجاح ذروته عندما انتُخب الزعيم الاشتراكي ميتران رئيسًا في عام 1981، ولم ير حاجة لإلغاء دستور ديجول والعودة إلى النظام البرلماني، وهو الرجل الذي وصف دستور ديجول بـ«الانقلاب الدائم»، بل إن ميتران كان الرئيس الوحيد في الجمهورية الخامسة الذي حكم لمدة 14 سنة، أي فترتين رئاسيتين كاملتين، في حين كان الرئيس الديجولي جاك شيراك، الذي خلف ميتران، هو من أدخل تعديلًا دستوريًا جديدًا يختزل الفترة الرئاسية إلى خمس سنوات.

معيار نجاح أو فشل التجربة التركية الجديدة، ليس نصوص التعديلات الدستورية ذاتها، إذ أراها متوازنة، فهي لم تعط الرئيس صلاحية إلا وفي مقابلها ضابط أو قيد

لكن قصة نجاح هذا الاصلاح الديجولي لا تكتمل، إلا إذا تذكرنا أن أحدًا في فرنسا لا يرغب في تغيير نظامها الدستوري الحالي، بينما تظل المشكلة قائمة في كل من إيطاليا وإسرائيل، والفضل في ذلك يرجع إلى شخصية ديجول الاستثنائية، وإلى قدرته على الاستماع لنداء التاريخ، وإبلاغ هذا النداء لأغلبية الناخبين بحيثيات مقنعة، في حين تبدأ تركيا أولى خطواتها، إما على الطريق الديجولي أو على طريق الردة الرجعية.

بالنسبة لي، فمعيار نجاح أو فشل التجربة التركية الجديدة، ليس نصوص التعديلات الدستورية ذاتها، إذ أراها متوازنة، فهي لم تعط الرئيس صلاحية إلا وفي مقابلها ضابط أو قيد، كما أنها وضعت حدًا أقصى للفترات الرئاسية للشخص الواحد، ولكن معيار النجاح أو الفشل يتحدد بالإجابة على السؤال التالي: هل يحكم إردوغان بدستوره الجديد مثل ديجول، أم يحكم مثل الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين؟ أي هل يحكم إردوغان كرئيس ديمقراطي قوي، أم كمستبد شرقي بغلالة دستورية، وشكل انتخابي؟

الأسباب التي تدفع في كل من الاتجاهين متوافرة، فمن الأسباب التي تبرر الخوف من تحول الرئيس التركي إلى مستبد شرقي، أن التقاليد والقوى الديمقراطية في تركيا ليست راسخة كما هو الحال في فرنسا، فليس سلاطين آل عثمان هم وحدهم من كانوا المستبدين، إذ كان مصطفى كامل أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية الحديثة نفسه حاكمًا مستبدًا، وكذلك كان كل الجنرالات الذين تولوا السلطة بالانقلابات العسكرية، ثم أن أغلبية سكان الريف التركي، خاصة في الأناضول، ليسوا «حداثيين» مثل نظرائهم في فرنسا وإيطاليا، بل إن أغلبهم من ذوي النزعة المحافظة سياسيًا، وهم من حققوا الأغلبية الضئيلة التي حصل عليها مشروع التعديلات الدستورية، وربما لا تشغلهم الاستحقاقات الديمقراطية، بقدر ما تشغلهم النزعة القومية والدينية المحافظة، فضلًا عن تحسين مستويات المعيشة.

وبالطبع فإن تعثر مشروع انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، الذي لا تزيد احتمالات إحيائه الآن عن الصفر، وكذلك عودة التمرد الكردي، والوزن الكبير نسبيًا للأقلية العلوية، فضلًا عن وطأة الظل الروسي على تركيا، والنزعة التوسعية الشيعية لإيران، والصراعات المحتدمة في كل أنحاء الشرق الأوسط، كل هذه عوامل تساعد على استساغة نزعة الاستبداد لدى الرئيس، ولدى القواعد الشعبية المؤيدة له.

ثم أن هناك أيضًا شواهد كثيرة على أصالة هذه النزعة لدى إردوغان شخصيًا، فهو يميل لفرض رأيه حتى على شركائه المؤسسين، وقد سلك في أزمة الانقلاب العسكري الفاشل في الصيف الماضي سلوكًا سلطويًا قحًا، وكذلك فعل قبلها في أزمة تظاهرات واعتصامات «ميدان تقسيم»، سواء على مستوى الخطاب اللفظي، أو على مستوى التنفيذ العملي، كما أنه، مثله مثل أي زعيم سلطوي، حرص على التخلص من الأقوياء في نظامه، واحدًا وراء الآخر، مثلما فعل مع عبد الله جول، وأحمد داوود أوغلو.

أما عن الأسباب المتوافرة في البيئة السياسية التركية لترجيح الاختيار الديمقراطي على نزعة الاستبداد الشرقي، فأولها أن الفارق الضئيل الذي مرت به التعديلات الدستورية يؤكد أن المعارضة أقوى من أن يستهان بها، وأن الضمان الوحيد لعدم انضمام قوى جديدة إلى هذه المعارضة، بحيث تصبح أقوى من المؤيدين، هو دعم الممارسة الديمقراطية، لا العصف بها. كذلك فإن تصويت المدن الكبرى ضد التعديلات ينذر بإمكان التحول إلى العصيان المدني الشامل لإسقاط النظام ككل، في حالة تغلب النزعة الاستبدادية عليه، ويزداد هذا الاحتمال خطورة إذا انضمت الأقليات إلى هذا التيار، وهو ما سيحدث في حالة تحول الاستبداد إلى قمع منهجي للأقليات.

وبالطبع فإن المجتمع المدني في تركيا بلغ بدوره مستوى من النضج والفاعلية يكفي لأن يدخل طرفًا مؤثرًا في المعادلة.

تبقى الدولة العميقة، التي من المؤكد أن أي استبداد أو عصف بالحريات والتقاليد العلمانية سيدفعها إلى لملمة أطرافها مرة أخرى، بمساندة من الحزب الأتاتوركي، بما يجعل الرئيس متحسبًا دائمًا من الانقلابات العسكرية

أما الأحزاب السياسية فهي ليست مصطنعة أو هامشية، كما هو الحال في روسيا مثلًا، بل هي تعبيرات تنظيمية حقيقية عن تكوينات اجتماعية وثقافية وقومية، وبعضها يزيد عمره الآن عن قرن من الزمان، مثل حزب الشعب الجمهوري الأتاتوركي، ومن ثم فليس من السهل على إردوغان أو غيره تفريغ الحياة السياسية لحساب مستبد جديد بلا ضابط أو رابط.

وتبقى بعد ذلك الدولة العميقة، التي من المؤكد أن أي استبداد أو عصف بالحريات والتقاليد العلمانية سيدفعها إلى لملمة أطرافها مرة أخرى، بمساندة من الحزب الأتاتوركي، بما يجعل الرئيس متحسبًا دائمًا من الانقلابات العسكرية، فيضطر إلى كبح جموح نزعته الاستبدادية.

أي الطريقين إذن سيسلك إردوغان؟ هل يكون مجرد مستبد شرقي جديد عُلقت عليه الآمال، ثم خاب وخابت معه؟ أم يكون زعيمًا سياسيًا استثنائيًا استجاب لنداء التاريخ، وأقنع به أغلبية الناخبين، فأنقذ تركيا من عيوب النظام البرلماني، دون أن يقتل الديمقراطية والحداثة، وقدم نموذجًا لإمكانية توافق المسلم المحافظ مع هذه الحداثة وتلك الديمقراطية؟

إنا معكم منتظرون.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد