Define your generation here. Generation What
موت صغير: هكذا بكى ابن عربي
 
 

تمهيدًا ﻹعلان النتيجة النهائية لـ «الجائزة العالمية للرواية العربية – البوكر»، يوم الثلاثاء المقبل، ينشر «مدى مصر» عروضًا للروايات الست التي وصلت للقائمة القصيرة للجائزة، وهي «زرايب العبيد» لنجوى بن شتوان من ليبيا، «مقتل بائع الكتب» لسعد محمد رحيم من العراق، «موت صغير» لمحمد حسن علوان من السعودية، «في غرفة العنكبوت» لمحمد عبد النبي من مصر، «السبيليات» لإسماعيل فهد إسماعيل من الكويت، و«أولاد الغيتو.. اسمي آدم»  لإلياس خوري من لبنان.

______________________

عندما أُعلن عن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية في يناير 2017، كانت رواية «موت صغير» للكاتب السعودي محمد حسن علوان، هي أكثر ما تحمست لقراءته، لمعالجتها حياة «الشيخ الأكبر»، الفيلسوف الصوفي محي الدين ابن عربي (1165-1240).

ازداد حماسي حين بدأت القراءة، حيث ذكرتني برائعة أمين معلوف «ليون الأفريقي»، التي تبدأ أحداثها هي الأخرى في الأندلس، واصفة التقلبات والصراعات السياسية التي تتعرض لها المملكة، وتتناول أيضًا حياة شخصية تاريخية، الرحالة حسن ابن محمد الوزان الفاسي (1486-1535).

بجانب «زرايب العبيد» لليبية نجوي بن بشتوان، فـ«موت صغير» هي الرواية التاريخية الثانية في قائمة البوكر هذا العام، وقد شهدت الرواية التاريخية العربية مؤخرًا تدفقًا يروي الظمأ الجارف للقارئ العربي المتطلع لمعالجات أدبية لتاريخ حافل ومتنوع لا ندرك منه حتى الآن إلا الفتات، الذي يجري تزييفه غالبًا.

روايات كثيرة تبدأ بداية شيقة، إلا أنها في نقطة ما تفقد رونقها، وينفلت الخيط السردي من يدي الكاتب، ومن هذه الروايات للأسف «موت صغير».

أقدم علوان بلا شك على مشروع طموح للغاية، في سعيه لتخليد شخصية أدبية مستوحاة من الأرشيف التاريخي، كما نجح معلوف مع ليون، ونجحت هيلاري مانتيل مع بطلها توماس كرومويل (1485- 1540) في روايتيها «ولف هول» (2009) و«استخراج الجثث» (2012) اللتين فازت بهما مرتين بجائزة البوكر الأدبية. ولكن على نقيض «كرومويل» أو «ليون»، المحتشدتين بالأحداث الدرامية والتقلبات السياسية المغيّرة للتاريخ، فحياة ابن عربي تأتي في هذه الرواية فقيرة للغاية، بسبب انشغال بطل علوان الشديد بنفسه وبأفكاره ومشاعره والعثور على «أوتاده» الأربعة، أي على معلميه الأربعة، بحسب التعبير الصوفي. لم يسلك علوان بالتالي مسار الرواية التاريخية، كما فعلت مانتيل التي بحثت في عشرات المراجع لتقدم للقارئ صورة شبه وثائقية، يكتسب منها القارئ معلومات تاريخية بجانب القيمة الترفيهية والأدبية، ما نتج عنه أن عززت الكاتبة هذا النوع من الأدب التاريخي، بعد أن لم يكن يحسبه نقاد كثيرون على الروايات الجادة.

محمد حسن علوان.. من موقع الجائزة العالمية للرواية العربية

في «موت صغير»، كانت أفضل المشاهد بالنسبة لي هي تلك التي يخلط فيها علوان التاريخ بالأدب، ويتطرق للخلافات السياسية لذلك العصر، والتي أثرت في بطله، مثل مشهد المواجهة الدرامية بين الفيلسوف ابن رشد والخليفة أبو يوسف المنصور، أو بين العلماء المحتجين على طلب الخليفة باستدعاء العلامة شعيب بن الحسن، أبي مدين، (1126- 1198) الطاعن في السن، والمتهّم بإتباع المذهب المالكي المغضوب عليه في ذلك الوقت، أو المشهد المؤثر الذي يُتهم فيه ابن عربي، وهو يلقي درسه في جامع بمصر، بالزندقة والإساءة للمقدسات. وكانت تلك المشاهد مصحوبة بحوارات مكتوبة بحس أدبي شيق، خاصة لما يتميز به الكاتب من مهارة لغوية.

كنت أتمنى أن يقصر الكاتب روايته على الأحداث أو الشخصيات المهمة التي ساعدت في تكوين ابن عربي، بدلًا من ملئ مئات الصفحات بالتسلسل الزمني لحياة ابن عربي، دون التعمق في أفكاره وعلاقاته الإنسانية. فالرواية مكونة من 12 «سفر»، وكل سفر منها يحوي فصولًا صغيرة (بمجموع 84 فصلًا) بمعدل أربع صفحات لكل فصل، ما يعني أن الكاتب لم يعط نفسه الفرصة لتكوين قصة أو فصل أو مرحلة متكاملة لبطله. وقبل كل سفر يقدم الكاتب قصصًا جانبية تأتي كل منها في أربع أو خمس صفحات، تحكي لنا كيف حوفظ على مخطوطات ابن عربي، بنسخها وتهريبها ونقلها لأرجاء الأمة الإسلامية. راقت لي قراءة تلك القصص أكثر من القصة الرئيسية نفسها، لأنها متكاملة ومكتوبة من منظور الراوي العليم الذي يقدم شخصيات ملموسة وأحداثًا شيقة على خلفية التقلبات السياسية.

في رأيي أن إسناد صوت الراوي لابن عربي يشكل نقطة ضعف أخرى للرواية. فقد أزاح هذا معظم الشخصيات في الرواية إلى دور الكومبارس أو أدوار إكليشيهية أخرى، على غرار الخادم الوفي لابن عربي أو زوجته المسالمة. بدأ علوان الرواية بوصف شيق للصراع السياسي بين والد ابن عربي وعمه، قبل أن يزويهما إلى النسيان ليركز على متاهات بطله.

حتى سفرات ابن العربي من الأندلس إلى مدن عديدة مثل فاس والقاهرة ومكة ودمشق وبغداد، إلخ، بروائحها وطبيعتها وناسها، لم تترك أثرًا في خيالي، كما نجح مثلًا ربيع جابر في وصف البلقان في «دروز بلغراد»، أو معلوف في «ليون الأفريقي»، في وصفه للقاهرة المحاصرة من العثمانيين والتي ينتشر الموت في أركانها. لدى علوان محاولات طيبة لوصف الأسواق والشوارع والبائعين، إلا أنه سرعان ما يحيد عنها وينتقل لبؤس ابن عربي وحيرته بسبب عدم قدرته على تطهير قلبه، رغم قضائه اليوم بأكمله في التعبد.

بعد قراءتي مئات الصفحات سألت نفسي: ما الانطباع الذي اكتسبته عن ابن عربي؟ وكانت الإجابة أن دمعه قريب ويبكي كثيرًا لمواقف لم أجدها مؤثرة، متأثرًا بأصدقائه أو أوتاده، دون أن يتعمق الكاتب في وصف تلك الصداقات؛ كيف انعقدت أو كيف اختُبرت. ففي وصف علوان لابن عربي، تبقى المعادلة دائمًا هي أن «واحد زائد واحد يساوي اثنين»؛ لا يجرؤ الكاتب على أخذنا عبر إدراكات كونية أو أدبية غيّرت بطله أو توصل لها أثناء مشواره الكتابي. كذلك، فالجانب الروحاني لابن عربي يُقدَّم دون تحليل، أو معالجة أدبية، على الأقل، لا تستلزم من القارئ التصديق به دون مساءلة. يعلم القارئ مثلًا أن ابن عربي كان يرى الغيب في منامه، ولكن تلك الرؤى تبقى مبهمة، وكأنها من المسلمات التي يتوجب عليه قبولها.

أظن أن الكاتب السعودي هنا لم يشأ التطرق لإدراكات صوفية، قد تعد من المحرمات، لابن عربي الذي كان لديه، ولا يزال، الكثير من المعارضين. ورغم أنه بذل مجهودًا في التكوين الشخصي والفكري لابن عربي، حيث صوّره كطفل وكمراهق يغويه الخمر وكزوج يكتشف العشق، ثم كشيخ تقي، إلا أنني، وبدلًا من معايشة ابن عربي أثناء القراءة، وجدت نفسي منشغلًا بالمجهود الذي بذله الكاتب ليتخيل ابن عربي.

من أصعب المهام بالنسبة للأديب أن يكتب عن عباقرة مثل ابن عربي. اختار الأيرلندي كولم تويبن مثلًا الكتابة عن العبقري هنري جيمس (1843-1916)، إلا أنه حدد أحداثًا معينة في حياة الكاتب، قدم من خلالها دراسة مركزة لأعماله وتقلبات حياته، إضافة إلى شخصيات جانبية مؤثرة. ولو كان قد قدم الحياة الكاملة لجيمس، كما فعل علوان مع بطله، منذ الولادة إلى الممات، واصفًا كل الرحلات التي قام بها، لتفتتت الرواية كليًا، كما حدث مع «موت صغير»، التي أتت فيها السيرة للأسف على حساب القصة والرواية، وليس العكس.

اعلان
 
 
شريف عبد الصمد