بعد بيان «هيئة كبار العلماء».. كيف يرى الأزهر تجديد الخطاب الديني؟
رؤية الأزهر يشوبها الارتباك والغموض
 
 
 

مناهج الأزهر بريئة من الدعوة للعنف والتطرف والإرهاب، والمروجون لذلك هم «أعداء الأزهر بل أعداء الإسلام» كان هذا هو رد مؤسسة الأزهر الحاسم على منتقدي المشيخة ومناهجها الدينية، بحسب بيان رسمي أصدرته هيئة كبار العلماء بالمشيخة أمس أول الثلاثاء.

جاء بيان الهيئة غاضبا، بدأ بإدانة واضحة للهجومين اللذين استهدفا كنيستي مار جرجس بطنطا والمرقسية بالإسكندرية قبل أسبوعين، ومعلنا وقوف الأزهر مع الكنيسة المصرية «في وجهِ كُلِّ مَن يعتَدِي عليها أو يَمسُّها بسُوءٍ». مؤكدًا على إدانة الإسلام للإرهاب واستهداف دور العبادة. إلا أن النصف الثاني من البيان حمل هجوما شديدًا ضد منتقدي المشيخة، الذين وجهوا اتهامات عدة على مدار الأيام الماضية للمناهج التي يتم تدريسها بالمعاهد الأزهرية، والتي وصفت بالمؤيدة للعنف والمشجعة للإرهاب.

ورد البيان بأن مناهج الأزهر وحدها «هي الكفيلة بنشر تعاليم الإسلام الصحيحة»، واصفًا الانتقادات بـ«التدليس الفاضح وتزييف وعي الناس وخيانة الموروث».

وأثار البيان موجة غضب متوقعة، حيث رفض العديدون اتهام الهيئة لمنتقديها بالعداء للأزهر والإسلام. ومنهم الكاتب حمدي رزق الذي استنكر في مقاله بصحيفة المصري اليوم وصف منتقدي الأزهر بالعداوة للإسلام، «على الرغم من رفض المشيخة تكفير داعش».متهمًا الأزهر باللدد في الخصومة.

وشن عضو مجلس الشعب محمد أبو حامد الذي يعمل على إعداد تعديلات على قانون الأزهر لتغيير طريقة اختيار شيخ الأزهر وهيئة كبار العلماءهجوما أكثر ضراوة، حيث قال في سلسلة تغريدات عبر حسابه الرسمي على تويتر: «عندما تعتبر هيئة كبار العلماء أن الدعوة لتطوير مناهج الأزهر هو تدليس وتزييف، وأن من يدعو للتطوير هم أعداء للإسلام، فلابد من وقفة حاسمة. المنطق الذي تمت به صياغة بيان هيئة كبار العلماء يؤكد أنه لا أمل أبدا في أن تقوم هذه الهيئة بأي خطوة في سبيل التطوير المنشود للخطاب الديني. أدعو هيئة كبار العلماء التي استشهدت بالإمام محمد عبده أن تقرأ رأيه في مناهج الأزهر، وما وصفها به عندما قيل له أنت تعلمت في الأزهر».

مناهج أم منهجية؟

بيان الأزهر جاء بعد إشارات من الرئيس عبد الفتاح السيسي تعبر عن إحباطه من تأخر الأزهر في اتخاذ خطوات واضحة للاستجابة لدعوته لتجديد الخطاب الديني. ففي الكلمة التي ألقاها عقب تفجيري أحد الشعانين، واليت أعلن فيها حالة الطوارئ، تحدث الرئيس عن تشكيل «المجلس الأعلى لمكافحة التطرف والإرهاب، الذي سيعمل على إصلاح الأمر على جميع المناحي»، ومنها تجديد الخطاب الديني.كما قال رئيس مجلس النواب علي عبد العال إن المجلس الأعلى المُشَكَّل حديثًا سيتصدى حتى لتطوير المناهج، دون أن يخص بالذكر مناهج الأزهر.

فإذا كانت المناهج التعليمية بريئة من التطرف والإرهاب بحسب الأزهر، فما هي خطة تجديد الخطاب الديني لدى القائمين عليه، وهل يرون حاجة لهذا الأمر من الأصل؟

يقول عبد الغني هندي مقرر لجنة الحوار بالمجلس الأعلى للبحوث الإسلامية، إن المشيخة ليست لديها خطة واضحة في هذا الصدد، حيث «يحتاج الأزهر للمراجعة والنقد الذاتي اللازمين للتجديد». ويعزو هندي غياب هذه الخطة إلى «حالة الدفاع الدائمة» الذي يجد الأزهر نفسه فيها أمام معارضيه. ويضيف لـ «مدى مصر»: «هناك خلط واضح بين منهجية الأزهر ومناهجه، فالمنهجية ثابتة ولا تتغير، وهي طريقة الإيمان بالعلوم الإسلامية. وهذه منهجية اتبعها الأزهر منذ قرون، فالأزهر هو المؤسسة الإسلامية الوحيدة التي تتبع جميع المذاهب الفقهية الأربعة، بخلاف الكثير من الدول الإسلامية. أما المناهج فهي المحتوى التعليمي الذي يتم تدريسه في المعاهد الأزهرية، وهذه متغيرة بتغير الظروف والأحوال. للأسف وقع بيان الهيئة في نفس الخطأ، فالهيئة قالت أنه لا تغيير في المناهج، إلا أن أعضاء الهيئة كانوا في الواقع يتحدثون عن المنهج».

الوثيقة التائهة

كانت جريدة المصري اليوم قد نشرت في يونيو 2016 وثيقة مفصلة سميت بـ «وثيقة تجديد الخطاب الديني»، وحملت نتاج مناقشات استمرت لمدة عام بين مؤسسة الأزهر برئاسة شيخه أحمد الطيب، ومجموعة من المثقفين، منهم أستاذ النقد الأدبي الدكتور صلاح فضل الذي عهدت إليه المشيخة بمهمة تحرير الوثيقة، بالإضافة إلى المفكر السياسي مصطفى الفقي وباحث علم الاجتماع الدكتور السيد ياسين والمستشارة السابقة لمؤسسة الرئاسة سكينة فؤاد، وآخرين.

تطرقت الوثيقة بشكل غير مباشر إلى قضية المناهج التعليمية وضرورة مراجعتها، ولكنها لم تفصل المناهج التعليمية الأزهرية عن باقي المناهج التعليمية في باقي المدارس الحكومية وحتى الدولية والخاصة. ونصت الوثيقة تحديدا على «ضرورة تخفيف حدة الانفصام بين طرائق التعليم المتباعدة فى المعاهد الدينية والمدارس المدنية والتعليم الأجنبي، فكل منها يخرج عقلاً مختلفا جدا، ولابد من تقريب المسافات بينها وإدماجها تدريجيا فى منظومة متكاملة ومتجانسة، لا تلغى تعددها بقدر ما تضمن قدرا من الاتساق بينها والتناغم بين مكوناتها الأساسية».

كما شددت الوثيقة أيضا على ضرورة إعادة تأهيل الأئمة والخطباء والدعاة في المساجد «بحيث يتم تدريبهم دوريا على استيعاب معطيات الفكر الديني الوسطي الرشيد، والبُعد عن التطرف والغلو والتعصب، وتوسيع مداركهم بالحوار مع علماء الاجتماع والاقتصاد والأدب والفن والثقافة، لهضم محصلة التطور الحضاري وتنقية خطابهم من الخرافات والأفكار الخطرة على أمن المجتمع وسلامته، وحثهم على مواصلة البحث العلمي فى التاريخ الحضاري للإسلام، والحفاظ على مقتضيات التعايش وروح المواطنة وقيمها الضرورية، مع العناية بأوضاعهم المادية، وتمكينهم من مقاومة إغراءات الجماعات المتطرفة».

وفي نقطة أكثر وضوحا، أشارت الوثيقة إلى ضرورة إعادة النظر في التراث الفقهي القديم، بما في ذلك اجتهادات الأئمة الأربعة: «يجب اعتبار اجتهادات العصور السابقة فيما بعد عصر الأئمة الأول غير ملزمة للفكر الحديث، فهي قاصرة على ظروفها وضروراتها، ولكل عصر أطره المعرفية التي يفهم [في إطارهاالنصوص ويؤولها ويجتهد فى تطبيقها طبقاً لمقتضيات تحقيق صالح الأمة وخيرها».

إلا أن المشيخة قالت في بيان لها بعد نشر المصري اليوم للوثيقة أنها غير نهائية، وأنه «ما كان ينبغي أن تنشر أفكار لازالت مطروحة للنقاش على أنها وثيقة الأزهر. وسوف تستأنف هذه الجلسات بعد عيد الفطر المبارك، للوصول إلى الصيغة النهائية للوثيقة». ولم يكن الدكتور صلاح فضل أو الدكتور محمد مهنا عضو المكتب الفني لشيخ الأزهر متاحين للرد على تساؤلات «مدى مصر» حول مصير الوثيقة.

ويرى الهندي أنه من المهم الوصول إلى تعريف محدد لمعنى تجديد الخطاب الديني والأهداف المطلوب تحقيقها، مضيفًا: «بشكل عام، أرى أن الأزهر في حاجة إلى العمل على تبديل أفكار الحركات الإسلامية الداعية لإقامة دولة الخلافة والوصول للحكم، لتحل محلها منهجية الأزهر التي تعمل على التركيز على تطوير العلوم الدينية والإسلامية بعيدا عن السياسة».

ويرى عمرو عزت، الباحث في شؤون حرية الدين والمعتقد، أن مصطلح تجديد الخطاب الديني ملتبس تماما، ولا يقتصر هذا الالتباس فقط على مؤسسة الأزهر، ولكن يتبدى أيضا في خطاب القيادة السياسية نفسها التي تروج لهذا المصطلح، فغالبًا ما تتبنى خطابا فضفاضا ومرسلا، شارحا: «لا يوجد خطاب ديني سائد واحد طوال الوقت، هناك خطابات دينية مختلفة ومتغيرة بشكل دائم، هناك الخطاب الإخواني والذي يشهد تغيرات مختلفة عن خطاب الإخوان إبان التأسيس، وهناك خطاب سلفي وهناك خطاب أزهري يعتمد على المدارس الفقهية الكلاسيكية. كلها تتلاقى وتختلف في نقاط متعددة، وهي خطابات تتجدد باستمرار. هذا التجدد لا يكون [بالضرورة] تجددا للأفضل أو الأكثر حداثةوبالتالي، الحديث عن تجديد خطاب محدد يبدو صعبًا للغاية».

ويرى عزت أن دور الدولة في هذا المضمار لا يجب أن يكون في اتجاه تجديد هذا الخطاب، بل يجب أن يكون من خلال تبني سياسات واضحة لمواجهة خطاب الكراهية والتحريض ومكافحة التمييز وحماية حرية المعتقد وحرية الفكر والتعبير التي بدورها ستؤدي لتطور خطاب ديني أكثر حداثة، وهو ما يراه الباحث «دور مؤسسات الدولة الحديثة في الأساس».

إلا أن حديث السيسي المستمر عن جديد الخطاب الديني ربما يشير إلى تبلور فكرة ما لدى الدولة عن ماهية هذا الخطاب، تمثل ذلك في وجود نخبة دينية معينة في الدوائر المقربة حوله مثل المفتي الأسبق علي جمعة وعضو مجلس الشعب المعين الشيخ أسامة الأزهري، والخطوات التي تتخذها وزارة الأوقاف في الفترات الماضية مثل موقف الوزارة من قضية الطلاق الشفهي، وتوحيد محتوى خطبة الجمعة، وقصر عقد صلوات الجمعة على الجوامع الكبرى التابعة للوزارة، والاستغناء عن الكثير من الأئمة الموالين لجماعة الإخوان.

إلا أن عزت لا يرى في هذه الخطوات توجهاً جديداً نحو خطاب ديني مختلف، فجمعة والأزهري ينتمون لنفس المؤسسة الدينية الأزهرية الكلاسيكية، خاصة مع عضوية جمعة نفسه في هيئة كبار العلماء، مضيفاً: «أعتقد أن مسألة الخطاب الديني لدى الفريقين متشابهة للغاية، فكلها لا تخرج عن الإطار العام للتراث الفقهي الكلاسيكي، خاصة وأن أي محاولة للتفكير خارج هذا الإطار تُقابل بقمع ورفض شديدين. الفرق الوحيد هو مدى حماسة جمعة والأزهري في تأييد السلطة السياسية الحاكمة والذي بالطبع يختلف عن موقف الطيب الأكثر محافظة تجاه النظام».

اعلان
 
 
مي شمس الدين