Define your generation here. Generation What
«مقتل بائع الكتب»: نصوص تعيد خلق حياة البطل العراقي
 
 

تمهيدًا ﻹعلان النتيجة النهائية لـ «الجائزة العالمية للرواية العربية – البوكر»، يوم الثلاثاء المقبل، ينشر «مدى مصر» عروضًا للروايات الست التي وصلت للقائمة القصيرة للجائزة، وهي «زرايب العبيد» لنجوى بن شتوان من ليبيا، «مقتل بائع الكتب» لسعد محمد رحيم من العراق، «موت صغير» لمحمد حسن علوان من السعودية، «في غرفة العنكبوت» لمحمد عبد النبي من مصر، «السليبيات» لإسماعيل فهد إسماعيل من الكويت، و«أولاد الغيتو.. اسمي آدم» لإياس خوري من لبنان.

_________________________

ثري مجهول يكلف الصحفي ماجد بغدادي بتأليف كتاب عن حياة محمود المرزوق، وهو بائع كتب عجوز قُتل في شارع بمدينته بعقوبة في وضح النهار وسط جموع الناس، ويقتضي الاتفاق من الصحفي تتبع مسار حياته وملابسات مقتله. بهذه الحبكة شبه البوليسية نبدأ قراءة «مقتل بائع الكتب» للروائى العراقي سعد محمد رحيم.

يلتقي الصحفي بمعارف الراحل وأصدقائه، ويعثر على دفتر دوّن فيه المرزوق بعضًا من يومياته، التي تؤرخ لحياة المدينة منذ اليوم الأول للغزو الأمريكي واحتلال العراق، بالإضافة لرسائل شخصية بين المرزوق وامرأة فرنسية اسمها جانيت، ربطته بها علاقة حميمية في باريس.

من هذه النصوص وغيرها تتكشّف شخصية المرزوق، وتظهر فصول من علاقاته وصداقاته المتعددة وحياته المثيرة غير المستقرة، حيث اعتقل في العراق لأكثر من مرة وتعرض للشحن مع غيره من المثقفين في قطار وأنقذته الصدفة، ثم هاجر إلى باريس ومنها إلى براغ حيث الحكم الشيوعي وأجهزة المخابرات التي استجوبته هو وحبيبته، قبل أن يُقتل أخيرًا في مدينته بعقوبة. حياة مأساوية لمثقف عراقي تكشف عنها النصوص التي خلفها وراءه، وتعيد رسم خطوطها بشكل ما أمام عيني الصحفي.

يصوغ رحيم حياة المرزوق من بعقوبة، ثم إلى باريس و براغ، قبل انتهائها في سرداب ببعقوبة. تتمدد الهوية الغامضة للمرزوق في النص وتنفتح، وتتسع باتساع تجربته.

يحاكي غموض النصوص غموض التجارب الحياتية للمرزوق، فيغدو العالم كله نصًا، يحيا المرزوق بين ثناياه، عبر دفاتر يومياته وكشف حسابه، صوره الفوتوغرافية، لوحاته المرسومة، رسائله إلى عشيقاته، رسائل أقرانه عنه، حكايا من عاصروه في المعتقل وفي بعقوبة.

سعد محمد رحيم.. من صفحة «الجائزة العالمية للرواية العربية»

في النصوص، يحيا المرزوق حياة يسودها التهكم والسخط، حياة واقعية، مجزأة على مراحل وأماكن مختلفة، ويغلب عليها الشك.

يتخبط الصحفي في متاهات عالم بطله، وفي دفاتر مذكراته وشذراته المكتوبة ولوحاته المرسومة، فيعيد سرد الرواية بأدواته، باحثًا عن هذا الإنسان اللامنتمي في نصوصه التي تحكي عن أماكن ومجتمعات مختلفة، بعقوبة وباريس وبراغ. في السرداب الضيق ببعقوبة، يمضي الصحفي في مهمته، حيث العالم مجرد شرك أو تفاصيل في نص خلفه البطل. لا تمثل أماكن الرواية، سواء بعقوبة أو باريس أو براغ، بُعدًا ماديًا ونفسيًا للمرزوق. رغم افتتانه الواضح بأوروبا وباريس الستينات، إلا أن المعضلات الوجودية تظل هي المحرك الرئيسي لحياته.

بين نصوصه المتعددة في روايته، يجمع رحيم مستويات عديدة من اللغة، بين الشاعرية والتهكمية واللغة اليومية، تحمل كمًا هائلًا من الثيمات والأبعاد الفلسفية التي تخص الواقع والخيال الفني المتجاوز. الرواية في النهاية هي نص يٌقرأ كمولونوج طويل للمرزوق لا يتوجه لشخص بعينه، ويحمل سخط بائع الكتب العجوز تجاه حياته، في حكاية تُفضي إلى أُخرى، تتخللها رسائل إلى عشيقته في باريس.

ولأن الرواية عبارة عن نصوص تتصل بحياة مثقف عراقي، فالسرد يتقاطع فيها مع ذكر فنانين؛ كُتاب ورسامين وممثلين ومغنين من أمثال كامو وبوجارت ونيرودا وكونديرا وسبينوزا وشوبرت وموتسارت، إلخ. لا يتوقف المرزوق عن ذكر صانعي الفنون والروايات وكتب التاريخ والفلسفة والإجتماع، وعن الإدلاء بأراء عن الفن، ما يفتح الأبواب للسرد للاندماج فى فنون وثقافات متعددة.

تتماهى الرواية كذلك مع أحجيات الثقافة والفن والسياسة. حيثُ جماليات الفن يُستعان بها كعنصر أساسي في مواجهة فقر الواقع الذي تحاكيه، والجمال يواجه واقع انفجارات السيارات المفخخة وعمليات القتل الطائفية، في توازن، عقده رحيم بسلاسة، ليعوّض لنا أحلام البائع غير المتحققة.

تسهم أوجه التشابه السياسي بين بعقوبة وبراغ، وحتى باريس، في استحضار رؤية لمأساة الإنسان في العالم بأسره. رغم أسبقية الاستعمار الغربي، يخلق النص علاقة تبادلية بين الشرق والغرب؛ تتحول أحلام المرزوق إلى كوابيس واقعية، سواء في رحلته المرعبة في قطار الموت في العراق، أو في أروقة مباني المخابرات في براغ، وتشكل الأحداث القاتمة في العالم شخصيته المدمرة. حتى في باريس، التي كانت أهدأ مدينة عاش فيها، أقنعه أحد أصدقائه بالبقاء ومواصلة الرسم، لكنه رفض. يبدو سوء الحظ وكأنه يطارده طول الوقت، أو كأنه هو من يطارد سوء حظه.

يغزل الكاتب عدة أفكار عن النص، عن كتابته ومن يمتلكه، وعن موقف القارئ منه، وقدرة النصوص المتعددة على إنتاج الدلالة بشكل لا حصر له. ومن خلال قراءة الصحفي لمذكرات المرزوق، يشتبك مع أفكاره، حيث علاقتهما، هما الاثنين، بالكتابة، غير محددة، فالمرزوق لا يؤمن بأن ما يكتبه ويرسمه يعدُ فنًا. نجده يتسائل: «أسيأتي شخصٌ ما في يوم ما، ويجد في هذه الأوراق ما يمكن أن يصير خميرة لكتاب؟»

من هو محمود المرزوق؟ لا نصل إلى هوية واحدة له، ولا إلى معرفة كنه وملابسات مقتله، أكان قتله مجرد حادث عبثي، كما ادعى العقيد مفتش التحقيق، أم كان حادثًا سبق التخطيط له؟ هذه سيرة تتكون من شذرات غير وافية تناقض بعضها بعضًا وتدفع بقارئها، الصحفي، إلى حافة اليأس، حيث حبكة الرواية سائلة ما بين عدة نصوص وأحداث، ويميل الصحفي للخيال لسد ثغراتها.

على طول الرواية، وهي عبارة عن تحقيق ممتد حول ظروف مقتل المرزوق، يستعير الكاتب تقنيات القصة البوليسية، ولكن على خلافها، يفضل الاحتفاظ بالغموض لآخر لحظة، مع ترك الباب مواربًا للحل أمام القراء. فجأة، وبعد محاولة الصحفي الربط بين الثري الغامض الذي كلفه بهذه المهمة، وبين شخص مجهول تشاجر مع المرزوق في براغ، وبعد الكثير من علامات التعجب والاستفهام، نجده يراسل خطيبته عبر تليفونه قائلًا: «أظنني بدأت أعرف، الآن، إلى أين أمضي، وما يجب علي أن أفعل».

اعلان
 
 
حازم يحيى