Define your generation here. Generation What
«زرايب العبيد» لنجوى بن شتوان: علاقة الأسياد والجواري في ليبيا
 
 

تمهيدًا ﻹعلان النتيجة النهائية لـ «الجائزة العالمية للرواية العربية – البوكر»، يوم الثلاثاء المقبل، ينشر «مدى مصر» عروضًا للروايات الست التي وصلت للقائمة القصيرة للجائزة، وهي «زرايب العبيد» لنجوى بن شتوان من ليبيا، «مقتل بائع الكتب» لسعد محمد رحيم من العراق، «موت صغير» لمحمد حسن علوان من السعودية، «في غرفة العنكبوت» لمحمد عبد النبي من مصر، «السليبيات» لإسماعيل فهد إسماعيل من الكويت، و«أولاد الغيتو.. اسمي آدم»  لإلياس خوري من لبنان.

____________________

بدأت مؤخرًا علاقة العرب بالعبيد تثير خيال الكتاب المعاصرين، كان منهم السوداني حمور زيادة في روايته «شوق الدرويش» (2014)، التي تحكي قصة عبد أسود يخرج من السجن عازمًا على الانتقام من جلاديه، والمصري محمد المنسي قنديل في روايته «كتيبة سوداء» (2015) التي تدور حول أفارقة يُستعبدون ويُرسلون إلى المكسيك. دخلت الرواية الأولى للقائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) في عام 2015، ودخلت الثانية في القائمة الطويلة لنفس الجائزة في عام 2016.

وكانت الثالثة، والمدرجة في القائمة القصيرة للبوكر هذا العام، هي «زرايب العبيد» (2016) لليبية نجوى بن شتوان.

صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود لنساء وأطفال سود وفي خلفيتها عشش هشة، التقطها رحالة إيطالي مجهول في بداية القرن العشرين، هي ما استمدت منها بن شتوان (من مواليد 1970) في روايتها الثالثة تخيلها لزرايب العبيد الواقعة على شاطئ بني غازي منذ قرابة 200 سنة، أي في حقبة مهملة تاريخيًا وغير موثقة تقريبًا.

صورة عشش العبيد التي ألهمت الكاتبة - المصدر: من موقع «الجائزة العالمية للرواية العربية»

بداية، ذكرتني «زرايب العبيد» برواية أخرى عن «الأخدام» اليمنيين، وهي «طعم أسود… رائحة سوداء» (2008) لليمني علي المقري، التي عرضت حياة أصحاب البشرة السمراء، المنبوذين من المجتمع اليمني، وهم يعيشون في عشش من الصفيح تشبه زرايب بن شتوان. وجاء وصفهم مسيئًا للغاية في رواية المقري، لتركيز الكاتب على علاقاتهم الجنسية المتعددة المفترضة.

على النقيض من هذا، جاءت معالجة بن شتوان لتعكس تعاطفًا بالغًا مع «سود الزرايب». في الشطر الأول تفتح لنا الكاتبة عالمهم الخفي، فتحكي من منظور «عتيقة»، الطفلة العبدة التي يختلف مظهرها عن سائر السود، لاختلاط دمها بدم «الأسياد»، عن علاقات السود ببعضهم، عن فقرهم ومعيشتهم جنبًا إلى جنب مع الحيوانات. ثم يرجع الزمن بالقارئ في الشطر الثاني لتستعرض الكاتبة حياة أمها «تعويضة»، وقصة غرامها الدرامية مع محمد الأصغر، التاجر من بني غازي، الذي يفضلها على زوجته رغم كيد والديه ومحاولاتهما العديدة للتفريق بينهما.

تستخدم بن شتوان لغة عربية معاصرة سلسة تحوي كلمات ليبية عديدة، ترافقها هوامش شارحة لمفردات الثقافة الليبية. لكن على مدار النصف الأول من الرواية تواجه القارئ عدة صعوبات في تقبل رواية طفلة عن عالم تديره صراعات عرقية.

الحكي من منظور طفل، دون أن يميل النص إلى السذاجة والتبسيط، تحد يواجه أي كاتب، وفي رأيي لم يكن هذا اختيارًا موفقًا من الكاتبة. فقد افتقدتُ في عتيقة، التي لا تخرج من دور الضحية المفصَّل لها، عدة مواصفات طفولية، فهي مثلًا لا «تتشاقى» أبدًا؛ شخصيتها ثابتة وهي دائمًا في احتياج لأصدقائها المثاليين والطيبين بشكل غير واقعي، كي يعطفوا عليها ويواسوها في كربها. كذلك لا نرى العالم إلا من خلال عينيها الساذجتين البريئتين، ما يرهق القارئ مع مرور الوقت، باستثناء بعض الفصول التي تحوي قصصًا جانبية عن العبيد، لا يعلم القارئ من يسرد أحداثها، منها قصة عن سجناء سود يُقتادون في الصحراء وتُغتصب نساؤهم. ولكن القصص مفتتة وغير مكتملة بشكل لا يسمح للقارئ بالانغماس في عوالمها، وربط الفصول والمفككة وشبه المبعثرة. فالعبيد لا يحتكون بالأسياد الغائبين سوى مرة واحدة، عندما تشرع العمة بمحاولة إغلاق فرج عتيقة عند شيخة ذات عين واحدة، تضع بداخله مادة تمنع أي احتكاك جنسي، وهو طقس ينحصر على بنات الأسياد، كما نعلم.

نجوى بن شتوان.. من موقع الجائزة العالمية للرواية العربية

يختلف الجزء الثاني بشكل جذري عن سابقه، حيث تنتقل الأحداث إلى بيت التاجر محمد الذي يهوى ابنه، امحمد الأصغر، عبدة تخدم في البيت، تعويضة أم عتيقة. هنا تبرع الكاتبة أخيرًا في خلق عالم مشوق، مليء بالمؤامرات والأحداث غير المتوقعة التي تلقي الضوء على أشكال تعامل المجتمع الليبي مع الرقيق. فالعلاقات الجنسية بين الأسياد والعبيد مثلًا مقبولة، طالما لم تهتز البنية الأسرية بسببها. وطالما العبيد ليسوا محسوبين على الجنس البشري، فما الداعي للغيرة؟ يمثل بيع عتيقة في سوق العبيد أكثر المشاهد تأثيرًا في الرواية، فلا يفارق ذاكرة القارئ التحرش الذي تلقاه تعويضة من جانب بائعين هائجين، يمسكون بعوراتها ويضغطون عليها بدافع التحرش، أكثر مما هو بدافع الفحص الصحي لها.

«على الفور تقدم إليها بدوي كان جالسًا على الأرض ينهش قطعة خبز بجانب حماره. قبض ثديها وهو يمضغ الخبز بقوة تهز شنبه الكثيف، هصر الثدي مرتين لغرض الشد وليس الشراء. كانت تدرك أن معظمهم يفعل ذلك بقصد الشد فقط، فوجود الجواري في السوق متنفس لكل من يؤم السوق للفرجة. »

يبقى القارئ مشدودًا إلى التحولات المتقلبة في علاقات الأطراف ببعضها، قبل أن تفقد الرواية بريقها قرب النهاية، وتنجرف إلى سرد عاطفي بشكل مبالغ فيه.

احتوى الجزء الثاني أيضًا عدة صور نمطية؛ تعويضة مثلًا سلبية للغاية، وتبقى في دور الضحية هي الأخرى، ثم تتغير شخصيتها فجأة في النهاية بطريقة غير منطقية، والعبد سالم الذي يلعب دورًا محوريًا في الرواية، ينبع من إرغامه على الزواج بتعويضة من قبل أهل امحمد، يظهر كالعبد الوفي المخلص الذي يتحمل كل المشقات من أجل سيده.

***

مرت بن شتوان بظروف قاسية أثناء كتابة تلك الراوية، كما قالت في حوار مع موقع الجائزة العالمية للرواية العربية.

بدأتها كقصة قصيرة 2006، ثم رجعت إليها في 2015 وهي في روما، حيث لم يتوفر لها سكن آمن ولا عمل ولا مال ولا حتى طعام يكفيها، إضافة إلى مصاعب واجهتها في إقامتها الإيطالية، فظل تفكيرها وحديثها منحصرين في شخصيات روايتها، كما تقول. وقد يكون هذا ما يفسر ما يبدو وكأنه عدم تماسك في الرواية، وغياب الرؤية الشاملة بين حلقاتها.

كان على دار النشر (دار الساقي) في رأيي العمل أكثر مع الكاتبة على النص حتى يكتمل، فالكتابة ليست عملًا فرديًا. لدى بن شتوان بلا شك صوت فياض وفريد، إضافة إلى تحكم بالغ في اللغة العربية، وقد برعت في وصف علاقات ومصالح إنسانية متعارضة، كحالات الغيرة والخيانة والتآمر، فيما لم تبرع في وصف معاناة طفلة صغيرة وعبدة ضحية. فعندما تفوق المأساة شخصيةَ البطل، ينجرف الكاتب أحيانًا إلى الصورة النمطية للضحية، وتغيب الصور الإنسانية واليومية التي تلمس القارئ وتجبره على معايشة الأحداث.

وقد يفسر هذا، في النهاية، أنني خلال قراءتي للرواية، لم أشعر بأي قاذروات أو نفايات سيتوجب علي محوها، بعد أن أخرج مما يفترض أنه «زرايب العبيد».

اعلان
 
 
شريف عبد الصمد