Define your generation here. Generation What

تدوينة: الصعيد كما رأيته في المسلسلات وفي قريتي

أقدم صعيد شاهدته من خلال الدراما المصرية بحكم عمري الذي يقترب من الثلاثين عامًا، هو صعيد «ذئاب الجبل»، بشخصياته الأسطورية خالدة الذكر، البدري بدار (أحمد عبد العزيز)، علوان أبو البكري (عبد الله غيث)، ودبور أبو الليل (أحمد ماهر).

تدور أحداث المسلسل في الصعيد. والصعيد الذي يظهر في هذا المسلسل، هو صعيد الهوارة والمطاريد؛ القتل بدمٍ بارد، الفتاة التي تتمرد على عادات أهلها وتصر على الزواج من رجل غريب لا ينتمي لبيئتها.

كل هذا صعيد لا أعرفه، رغم نشأتي في قرية من قرى محافظة سوهاج.

أذكر عندما كنت في مرحلة الثانوية العامة، أدرس في مدرسة ثانوية تضم أبناء أكثر من خمس قرى؛ كيف كنّا نسخر من بعضنا البعض بسبب لهجاتنا المختلفة، رغم كوننا من قرىً متجاورة تقع في نطاق مركزٍ واحدٍ. كنت أقول مثلًا «أخضَر» أو «أحمَر» بفتح الألف، وكان زملائي من قرية مشطا المجاورة، والأكبر من حيث عدد السكان والتي توجد بها المدرسة الثانوية، يقولون «إِخضر» أو «إحمر» بكسر الألف، كانت مثل هذه الأمور مادة للسخرية المتبادلة بيننا. كل هذا بينما اكتفت الدراما بلهجة واحدة عممتها على كل أهل الصعيد.

الصعيد الذي تقدمه الدراما المصرية، هو صعيد «تجاري»، منذ أفلام الأبيض والأسود التي استخدمت الصعيدي مادة للضحك والسخرية، نهاية بدراما رمضان

لك أن تتخيّل أن قرية واحدة صعيدية، مقسّمة إلى أربع مناطق رئيسية، كل منطقة تضم مجموعة من العائلات، وكل منطقة تنظر إلى الأخرى نظرة تعال واستهجان لأسلوب الحياة، فمثلًا في قريتي «كوم العرب»، هناك منطقة تقبل أن يجري حوار بين شاب وفتاة في الشارع على مرأىً ومسمع من الجميع، دون أن تربطهما أي قرابة أو صورة من صور الارتباط الرسمي، بينما في منطقة أخرى من القرية نفسها لا يجرؤ أي شاب على استيقاف ابنة عمه في الشارع لأي سبب.

أضف إلى ذلك أنه لا يجرؤ أحدهم على إيقافك في الشارع إذا كنت تمشي بجوار امرأة من أهلك، لأي سبب، ويقبلون ساعتها بأن تتجاهل الجالسين في الشارع وألا تلقي السلام عليهم، ما دمت تحمل هذه الرخصة؛ السير بجوار امرأة من أهلك.

الصعيد الذي تقدمه الدراما المصرية أو حتى السينما، هو صعيد «تجاري»، منذ أفلام الأبيض والأسود التي استخدمت الصعيدي مادة للضحك والسخرية، نهاية بدراما رمضان، التي تدور في صعيد النافذين، ساكني السرايات المحاطين بالرجال والسلاح.

الجريمة بين الواقع والشاشة

خلال 25 عامًا قضيتها في قريتي التي لا أزال أزورها من وقت لآخر، لم أشاهد رجلًا واحدًا يسير في شوارع القرية حاملًا سلاحه على كتفه، إلّا الخفراء. ونادرة هي المشاجرات التي شاهدت فيها استخدام الأسلحة النارية، وحتى في حال استخدامها، نادرًا ما يسقط ضحايا، ففي الغالب يتعمدّ الطرفان استخدام السلاح للتهديد فحسب، وفي قرية يتجاوز عدد سكانها الـ15 ألف نسمة، فإن القول بوجود 100 قطعة سلاح غير مرخص، يعد قولًا به الكثير من المبالغة.

وأزعم أن الغالبية العظمى من الصعايدة استخدموا السلاح الناري لأولّ مرّة أثناء تأدية الخدمة العسكرية. ومعظم المشاجرات التي شاهدتها أو سمعت عنها طوال حياتي استُخدمت فيها أدوات مثل الشوم وقطع من المواسير الحديد، والحجارة وطوب البناء، وزجاجات المياه الغازية والجنازير، والسكاكين والسيوف القصيرة. وللنساء أحيانًا دور فاعل في هذه المشاجرات، بداية من افتعالها مرورًا بتحريض الرجال، وحتى المشاركة بحمل الشوم على أرضية الميدان، أو لعب دور المدفعية باستخدام أسطح المنازل كمنصات لتوجيه القذائف التي سبق ذكرها، أو التشنيع بنساء الطرف الآخر لتثبيط عزائم الرجال بإحراجهم وقول ما لا يمكن قوله على مرأىً ومسمع من الجماهير.

الأنشطة الاقتصادية الرئيسية في قرى الصعيد هي الزراعة والأعمال التي تتطلب جهدًا بدنيًا ويسمى من يعمل بها «نفر»، يمكنك استئجاره، لأعمال الزراعة أو البناء أو الهدم، هو ساعد للإيجار، لا يعرف تخصص العمل، فهو يعمل على توكتوك في النهار، ويحمل الرمل والطوب من أمام المنازل إلي الأدوار العلوية على كتفه في المساء، وقد يذهب لأرضه في الفجر لجلب البرسيم لبهيمة يربيها في بيته.

يعتبر الفرد في الصعيد الاستعانة بالغير في تأدية المهام التي يمكن لأي شخص عادي القيام بها، رفاهية تقلل من مكانته بين أقرانه، إلا أن تكون مهمة متخصصة، مثل صيانة الأجهزة الكهربائية أو أعمال السباكة الكبيرة، التي تتطلب مد وصلات مياه وعمل تحويلات ولحامات.

السرقة في الصعيد كانت حتى وقت قريب فعلًا للإذلال لا يقدم عليه إلا الشجعان. فالسارق يهين المسروق، ويعلن بعدها مسؤوليته في نوع من التحدي له. لذلك كان اللصوص معروفين للجميع. وكانوا من الشجعان المعدودين. يخشاهم الخفراء ويطوفون القرى حاملين سلاحهم

ولا تخلو فلاحة الأرض من المشاجرات بسبب الجشع الذي يقود البعض لتغيير حدود الأرض والتلاعب في مساحتها الأصلية بالاستيلاء على أجزاء من الأراضي الملاصقة له. وعقب كل حصاد تحدث عملية شديدة الخطورة ولا تخلو من المشاجرات العنيفة التي قد ينتج عنها قتلى أو إصابات خطيرة، تسمى «فَرْق الأرض» أو «الفَرْق» بمعنى إعادة رفع الحدود بين الأراضي. وفي هذه العملية يصحب كل صاحب أرض عزوته وأقاربه ومعهم العصي والشوم وجريدة نخل شديدة الاستقامة وعليها علامات، لكونها في الأصل أداة للقياس. وتسمى هذه الجريدة «القصبة».

ويبدأ كل صاحب أرض في قياس أرضه للتأكد من عدم استيلاء جاره على جزء منها. ويُستعان أحيانًا بكبار رجال القرية للتحكيم بين الجيران في الأرض. فإذا حكمت الظروف على إحدى السيدات أن تلعب الدور التقليدي للرجل بسبب موته أو سفره، فهي تفعل ما يفعله الرجال بالضبط وإلا أكلوها ونهبوا أرضها. شيئًا فشيئًا تقلد هؤلاء النسوة الرجال في كل شيء تقريبًا. أعرف شخصيًا سيدتين في قريتي على قيد الحياة يدخن الشيشة على مرأىً من الجميع، ويحتفظن بها في بيوتهن.

تعاطي المخدرات في الصعيد أمر مشين، ولا يحدث في العلن، إلا في الأفراح، وهو أمر يحط من قدر فاعله ويصمه

السرقة في الصعيد كانت حتى وقت قريب فعلًا للإذلال لا يقدم عليه إلا الشجعان. فالسارق يهين المسروق، ويعلن بعدها مسؤوليته في نوع من التحدي له. لذلك كان اللصوص معروفين للجميع. وكانوا من الشجعان المعدودين. يخشاهم الخفراء ويطوفون القرى حاملين سلاحهم.

في مجتمع فقير ومنغلق على نفسه مثل مجتمع الصعيد، قد ينتهي التحرش بأنثى بالقتل. عادة ما تكون التجارب الجنسية الأولى لبعض ذكور هذا المجتمع مع البهائم أو أقرانهم من نفس الجنس، فهم شباب يقضون معظم نهارهم في الأرض برفقة البهائم أو الذكور.

دخان ومخدرات

لا يدخن الصعيدي عادة في وجود والده أو عمه أو خاله، إلا إذا كان قريبًا منهم في السن واستأذنهم.

وتعاطي المخدرات هو أمر مشين، ولا يحدث في العلن، إلا في الأفراح، وهو أمر يحط من قدر فاعله ويصمه.

الصعيدي لا يزرع المخدرات، ولا يعرف كيف يزرعها، إلا أن يكون هذا هو عمله «كاريره» الذي يسترزق منه، وهو أمر نادر الحدوث، قد تشهده القرى النائية البعيدة عن قبضة وعيون الأمن، مثل الجزر في قلب مجرى نهر النيل، أو القرى القريبة من الجبال.

ملامح الفقر الصعيدي

لا تراعي الطبقات الاجتماعية التي تظهر في غالبية مسلسلات الصعيد تفاوت الرتب الاقتصادية داخل مجتمع الصعيد، فإما يظهر أبطال المسلسل في قصور أو سرايات فخمة، أو بيوت قديمة جدًا من الطوب اللبن، وهو المعتقد السائد عن شكل الصعيد، بينما الواقع مختلف تمامًا، فحتى أغنى أغنياء الصعيد لا يسكنون في سرايات أو فلل، ولا يسيرون بين الناس محاطين بالرجال والسلاح. والعائلة الواحدة تتكون من أشقاء قد يكون أحدهم فقط من الأثرياء بينما أشقاؤه من الفقراء المعدومين.

حتى هذه اللحظة تقايض ربات البيوت البيض بالخضروات أو الفاكهة من الباعة الذين يجولون القرى بعرباتهم الكارو التي تجرها الحمير أو البغال، أو تقايضنها بالملابس وأدوات المطبخ مع بائع متخصص في جمع البيض يدعى «البيّاض»، لأنه يطوف القرى بحثًا عن البيض

والبيوت المبنية من الطوب اللبن ما هي إلا آثار تركها أصحابها مهجورة منذ عشرات السنين واستقروا في القاهرة أو الإسكندرية حيث فرص العمل أكثر والأجر أعلى. بينما تلك المبنية بالطوب الأحمر والأسمنت هي الطاغية على قرى الصعيد. تركت الحياة البسيطة في الصعيد بصمتها على المعاملات الاقتصادية، حيث يقبل الناس البيع والشراء بالآجل، أو الدين المؤجل، فمن المقبول في الصعيد أن تشتري احتياجاتك الغذائية من أحد الباعة طوال شهور لحين حصاد محصول القمح خاصتك وتسديد قيمة دينك بكمية من المحصول. حتى نظام المقايضة لا يزال قائمًا ومقبولًا وإن قلّ أو ندر استخدامه حاليًا مقارنة بسنوات قليلة مضت، ولا يزال البيض والقمح عملات مقبولة في كثير من القرى.

أنا شخصيًا سبق لي منذ سنوات أن قايضت بيضتين بباكو «شاي العروسة». لكن حتى هذه اللحظة تقايض ربات البيوت البيض بالخضروات أو الفاكهة من الباعة الذين يجولون القرى بعرباتهم الكارو التي تجرها الحمير أو البغال، أو تقايضنها بالملابس وأدوات المطبخ مع بائع متخصص في جمع البيض يدعى «البيّاض»، لأنه يطوف القرى بحثًا عن البيض، راكبًا على حماره، الذي يحمل على ظهره قفصين كبيرين، بهما بعض أدوات المطبخ البسيطة، وملابس السيدات والأطفال الرخيصة، ومكان مخصص في كل قفص لجمع البيض.

الجبل الشرقي شديد الملاصقة لضفة النيل. وهو ما جعل الأرض سلعة نادرة، لذلك لا يملك الكثيرون من الصعايدة رفاهية تخصيص مكان منفصل لتسمين المواشي، فيضطرون لتخصيص مكان في بيوتهم للبهائم.

أعرف بيوتًا فقيرة كانت أول معرفتها بمراوح السقف هي استخدامها لتلطيف الجو في المكان المخصص لتسمين المواشي، خوفًا من إصابتها بالمرض أو الاختناق بسبب الحرارة الشديدة في الصيف.

بهائم.. لا أحصنة فرسان

النشاط الاقتصادي الرئيسي في الصعيد هو الزراعة، ما يجعل البهائم عنصرًا فاعلًا في هذه البيئة، يعامل معاملة أحد أفراد البيت، وعلى عكس المسلسلات التي قد تسلّط الضوء على الحصان باعتباره رمز القوة والثراء، مثلما في علاقة رفيع بيه العزايزي بحصانه في مسلسل «الضوء الشارد»، فإن الواقع في الصعيد يمنح مساحة أكبر من الاهتمام بالبهائم، فإما هي وسيلة ادخار واستثمار للمال مثل الأبقار والجاموس والماعز والخراف، أو وسيلة نقل معاونة بإمكانها الوصول لأماكن شديدة الوعورة بأقل تكلفة مالية، فحتى يومنا هذا تُستخدم الجمال في نقل محصول القمح من الحقول البعيدة الوعرة إلى البيوت حيث تُخزّن مؤقتًا لحين بيعها. إلى جانب الحمير التي تنقل الروث إلى الحقول لتسميد الأرض، أو تحمل البرسيم والحشائش إلى البيوت لتتغذى عليها البهائم المنتجة مثل الأبقار أو الجاموس والماعز.

والبهائم المنتجة تحظى بمكانة مرتفعة عن غيرها، فالبقرة الواحدة قد يبلغ ثمنها 25 ألف جنيه مصري، وهو مبلغ كبير بالنسبة لرب بيت يعمل باليومية، لذلك فإذا مرضت بقرة أو جاموسة سهر أصحابها لرعايتها، فهي رأس مال البيت، واستثماره الوحيد، وموتها فاجعة لا تقل قسوة عن وفاة أحد أفراد الأسرة، تستدعي البكاء والصراخ والحزن لفترات طويلة.

والسؤال عن وجود بهائم في البيت هو أحد الأسئلة الرئيسية التي تحرص العروس على معرفة إجابتها من المتقدم للزواج منها، وقد تكون السبب الوحيد لرفض الزواج. لأن البيوت التي تربّي المواشي تعتمد نمطًا أكثر تقشفًا وانضباطًا من غيرها. وهو ما يعني مشاركة الزوجة المحتملة وانخراطها في هذا النمط الذي يتضمن العناية بالمواشي وتنظيف الأرضية التي يغطيها الروث والبول، والحلب والخض وعمل الجبنة القريش، وأحيانًا المشاركة في توليد الأبقار أو الجاموس، وهي عملية مرهقة جدًا، وقد لا تكون، هي ومثيلاتها، مقبولة بالنسبة لفتيات حصلن على تعليم جامعي، يشاهدن المسلسلات التركية ويحلمن بنمط حياة زوجية أكثر رومانسية.

اعلان
 
 
أحمد إسماعيل