Define your generation here. Generation What

النظام يجد عنوانه: من شرعية التفويض إلى شرعية الطوارئ

لم يكن من قبيل الصدفة أن يحيل رئيس الجمهورية في خطابه المقتضب الأحد الماضي، عند إعلان حالة الطوارئ، إلى تاريخ 26 يوليو 2013، بوصف هذا التاريخ بداية تأسيس مشروع الحكم الحالي. قال السيسي إن التفويض الذي طلبه في خطابه لمواجهة ما أسماه بـ«الإرهاب المحتمل» هو الأساس لكل سياساته التالية، ولم يشر إلى حدثٍ، يبدو للرجل عرضيًا، وهو انتخابه هو شخصيًا في يونيو 2014 رئيسًا للجمهورية.

هذا التفويض، كما هو معلوم، وُلد غامضًا مبهمًا يتحدث عن إطلاق يد أجهزة الدولة في مواجهة خطر «محتمل» دونما رقابة شعبية أو رسمية، ولا تقيد بقيود دستورية أو قانونية اضطرت إليها الجماعة الحاكمة في مراحل لاحقة مع إقرار دستور 2014 الحالي، ثم مع انتخابات الرئاسة والبرلمان. ملابسات هذا الاضطرار ليست محل مناقشتنا هنا، ولكن ما يبدو واضحًا من كلمة السيسي، أن هذه الإجراءات السياسية التالية كانت بمثابة خصم أو قيد على الأساس، وهو التفويض، أكثر من كونها تعبيرًا قانونيًا عنه. ومن ثم فتجديد التفويض أو ترميمه،  لمواجهة تهديد بحجم تفجيرات الأحد الماضي، يحتاج إلى فعل آخر غير مؤسسي أو قانوني يعادل فعل التفويض في قوته.

الفعل الجديد هنا لا يمكن أن يكون هو التظاهر، بطبيعة الحال، في ظل أزمة اقتصادية وأمنية شاملة وتراجع في معدلات الشعبية لا تترك لعاقل رفاهية التفكير في دعوة الناس للنزول للشوارع، فكان الحل هو العودة لحالة الطوارئ بوصفها التعميد القانوني الذي طال انتظاره لشرعية الحكم الفعلية، وهي تفويض يوليو ٢٠١٣. انتظر هذا التفويض طويلًا ليتخذ شكله القانوني بعد الخصم منه بانتخابات الرئاسة وانتخابات البرلمان، وهو ما تحقق له أخيرًا.

ظلت شرعية السيسي، والحال كذلك، على مدى أربع سنوات في حالة تُقارب المنزلة بين المنزلتين، أو أنها كانت شرعية في طور التكوين، فلا هو اعتمد بشكل كامل على شرعية أمر واقع تستند لتظاهرات الثلاثين من يونيو والتفويض في صيف ٢٠١٣، ولا اعتمد بشكل كامل على شرعية دستورية تستند للانتخابات. فعل التأسيس الحقيقي للنظام، والحال كذلك، كان منفصلًا عن الإجراءات التي يفترض بها أن تشرعنه دستوريًا وقانونيًا طوال تلك المدة.

إعلان حالة الطوارئ إذن، وكما كان دائمًا في التاريخ المصري منذ يوليو ١٩٥٢، هو تعبير قانوني عن حالة الشرعية الفعلية للمجموعة الحاكمة

ويظهر هذا التناقض جليًا بمجرد انعقاد جلسات البرلمان وعودة الإعلام إلى هامش خجول من النقد، وكذلك سعي قطاعات من القضاة للعودة لمساحة من الاستقلالية النسبية التي ميّزت عصر مبارك، وهي محاولات سرعان ما ضاق بها السيسي علنًا، رغم الموالاة غير المسبوقة التي يتمتع بها لدى تلك الجهات. ومصدر الضيق كان أن سعي تلك الجهات لهامش من الاستقلالية يتناقض تمامًا مع منطق التفويض، وهو الإطلاق الكامل ليد المجموعة الحاكمة في غزل وتعديل تحالفاتها وممارسة سلطتها، بعيدًا عن أي كابح أو رقابة أو علانية، واتخاذ ما شاءت من إجراءات في أيٍّ من الملفات وقتما تشاء ووفقًا لتقديرها الخاص.

إعلان حالة الطوارئ إذن، وكما كان دائمًا في التاريخ المصري منذ يوليو ١٩٥٢، هو تعبير قانوني عن حالة الشرعية الفعلية للمجموعة الحاكمة، أكثر من كونه ترتيبًا قانونيًا للتعامل مع مخاطر ملحة عبر إجراءات استثنائية لإعادة تثبيت سيادة الدولة (وتعبير «التثبيت» هو التعبير الذي استخدمه السيسي في كلمته بالمناسبة). في حالتنا، فالعكس تمامًا هو الصحيح؛ تأتي الطوارئ لتؤسس لشرعية جماعة حاكمة محددة في ظرف تاريخي محدد، لا لتدافع عن سيادة الدولة العابرة للتاريخ، وإنما بالأحرى تصادر منطق الدولة لصالح منطق العُصبة.

«الطوارئ» هنا هي اسم لشرعية متميزة تختلف عن شرعية الانجاز وعن الشرعية الدستورية المؤسسية وعن الشرعية المستندة للأيديولوجيا. فبينما يتناقض منطق الحكم بالتفويض مع الشرعية الدستورية حُكمًا، فمحاولة تأسيس شرعية مستندة للإنجاز في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة، اصطدمت بالحقائق الاقتصادية الباردة وبتكاثر وتشعب مطالب اجتماعية لم تكن في حسبان تلك العصبة المتغلبة. أما محاولة الاستناد على الدعاية الأيديولوجية، فقد تكسرت على طبقات متراكمة من تفاهة وضحالة الخطاب الوطني في طبعته الحالية، التي انتهت بها إلى مادة للتندر والسخرية. فكانت العودة إلى الصيغة المفضلة منذ ١٩٥٢، وهي إعلان إغلاق المجال العام بالكامل إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا لا يعلمه إلا القابع على قمة هرم السلطة.

باختصار شديد، فنظام 3 يوليو أضحى أخيرًا نظامًا مكتمل التأسيس، ولهذا ما يتبعه بالضرورة من شروط جديدة للفعل المدني والسياسي

من هنا كان حديث البعض المتشكك عن الجديد الذي ستضيفه حالة الطوارئ لجماعة حاكمة لم يردعها قانون أو دستور عن ممارسة التعذيب والاعتقال العشوائي والإخفاء القسري وإغلاق كافة قنوات الفعل السياسي أو المدني، صحيحًا جزئيًا، ولكن غاب عنه الجزء الأهم من الصورة، وهو سعي تلك الجماعة الحاكمة الدائم لسدّ تلك الثغرة القانونية والدستورية التي قبلت بها على مضض وقادت إلى عرقلة منطق التفويض. ما يغيب عن هذه الآراء هو حاجة تلك الجماعة  إلى عنوان سياسي لحكمها، أو إلى تعميد قانوني كما سبق الذكر لتفويض يوليو 2013، وهو ما لا يتحقق في سياقنا إلا بإعلان حالة الطوارئ. بدون ذلك يظل فعل التظاهر المليوني في التاريخ المذكور غامضًا ومتقادمًا ومفتوحًا على التأويل باستمرار.

الشرعية الجديدة إذن أكثر وضوحًا، ورسالة إعلانها موجهة بالأساس للمجتمع، بغض النظر عمّا يعقبها من إجراءات قمعية وسلطوية قد تكون أكثر أو أقل سوءًا من الوضع الراهن. وفحوى الرسالة هنا أن إطلاق يد الجماعة الحاكمة، دون عقال قانوني أو دستوري، تجاوز مرحلة الأمر الواقع وأضحى حقيقة قانونية ومؤسسية يجب أن ترسخ في ذهن كل من يتعامل معها في الداخل أو الخارج.

بيت القصيد في الموقف الراهن، أن نظام 3 يوليو قد وجد أخيرًا التعبير القانوني عنه بعد أربع سنوات كاملة على بداية تأسيسه، تمامًا كما وجد نظام يوليو 1952 هذا التعبير القانوني بعد ثلاث سنوات ونيف من الشد والجذب، حتى اكتملت الأمور بانفراد جمال عبد الناصر بالسلطة وتأسيس حالة طوارئه والتي حكمت البلد عمليًا حتى يناير 2011. باختصار شديد، فنظام 3 يوليو أضحى أخيرًا نظامًا مكتمل التأسيس، ولهذا ما يتبعه بالضرورة من شروط جديدة للفعل المدني والسياسي. وتوابع ذلك تقتضي تأملًا آخر يجب أن يكون جماعيًا وأن يمارَس بأعصاب أهدأ.

اعلان
 
 
عمرو عبد الرحمن