Define your generation here. Generation What

دليل المسلم التائه: أنا بنت مين يا دادة؟

هذا ترتيب صنعته على سبيل التمرين الذهني، كمحاولة لرصد الأنواع المختلفة من «الإسلام» الموجودة حاليًا، مرتبة حسب تأثيرها في مجريات الشأن العالمي، من الأقوى للأضعف، وأعتقد أنه قد يساعد المسلم التائه على رؤية موقعه في العالم وبالتالي مدى تورطه فيما يحدث، وقد لا يساعد برضه، مايجراش حاجة عادي:

1- الإسلام الراديكالي المسلح:

نرى دوره في ما يسمى بـ«العمليات الإرهابية» في المدن الأوروبية والعربية، أو في النزاعات المسلحة في مناطق الاضطرابات في الشرق الأوسط وأفريقيا. معركة هذا الإسلام في الأساس هي مع الإمبريالية المسيحية الأوروبية البيضاء وعملائها من الحكام العرب، وهو غالبًا يحاول استعادة مفهوم «الدولة الإسلامية»، ومن ثم «حرب نهاية الزمان» التي ستنتهي بانتصار الإسلام وفناء الكفر والكفار، وبعدين نروح كلنا شؤون الطلبة نجيب نتيجة الامتحان. وهو الإسلام الأكثر تأثيرًا في قرارات السياسيين العالميين واختياراتهم لحلفائهم في المنطقة، وأعتقد أن الانضمام له يوفر للشباب إحساسًا لا يُضاهي بالأهمية والانتماء لشيء محترم ومعمول حسابه، ولو بسبب ما يحمله من رعب لمن يختلف معه، زي الانتماء لأمريكا بالظبط.

2- الإسلام الراديكالي غير المسلح:

يُعرف في كثير من السياقات بالـ«سلفية»، وهي المنهج الفردي في التشبه بالرسول وصحابته في المظهر والمخبر. تلعب الجماعات السلفية دورًا هامًا في الكثير من الدول العربية والغربية، كبالوعة لامتصاص الأفكار المتطرفة والأنماط الشخصية ذات العلاقة المضطربة مع المجتمع، ويعتبر التدين المفرط حلًا للجريمة أو الإدمان في كثير من الأحيان، كما أن تحكّم الدولة في هذه الجماعات يسيطر على تسلحها إلى حد كبير، إلا أن أغلبية العناصر الجهادية التي تكوّن المجموعة رقم واحد تمر عادة على المجموعة رقم اتنين.

الانتماء لهذا النوع من الإسلام مقرون بفوقية روحانية وبإحساس بالتميز والقرب الاستثنائي من الله، وبالتالي بحالة دائمة من التدخل في حياة الآخرين ومحاولة إنقاذهم من الجاهلية، زي ما عبكويم بيسميهم «مسؤولين الاتش آر في الدين الإسلامي».

3- الإسلام المحافظ الوسطي:

تمثله عادة المؤسسات الدينية الحكومية الرسمية مثل الأزهر، ويُبَث على المؤمنين من خلال التليفزيون والمناهج الدراسية وخطب الجمعة، وهو نوع من الإسلام غاية في الغرابة، فهو يمزج بين روحانية الدين وأسطوريته الملهمة للنفوس وبيروقراطية الدولة وبراجماتيتها. لهذه المؤسسات سطوة كبيرة في مجتمعات الشرق الأوسط نظرًا للعلاقة الملتبسة بين الدين والحداثة فيها، خاصة وأن هذه المجتمعات لم تمر بصراعات قوية بين العلم والدين مثل التي مرت بها المجتمعات الأوروبية، وبالتالي فلا تزال أغلبية المسلمين تثق في قدرة الدين – حكوميًا كان أو غير حكومي – على تفسير الحياة. وتتسق لا معقولية التفسير الديني للعالم مع لا معقولية الفشل الدولتي العلماني في الشرق الأوسط. فبينما فشلت الكنيسة في الإجابة على أسئلة صعبة بخصوص العالم في أوروبا فانتصر العلم، حصل العكس في الشرق الأوسط، فالعلم الذي ترمز له الدولة فاشل في الإجابة عن تساؤلات تخص العدالة ومنطق الأشياء، بينما توفر مؤسسات مثل الأزهر إلهامًا طيبًا بخصوص مكافآت الحياة الآخرة وضرورة الصبر في الدنيا، ولا مانع من تعدد الزوجات كوسيلة لاحتمال صعوبة الحياة.

 الانتماء لهذا النوع من التدين يُشعر الكثيرين من الأتباع بأفضلية «مسالمة»، وبعلاقة أكثر حداثة مع الدين، وبالتالي بانتماء أكبر للجماعة الإنسانية العالمية، إلا أن جوهره لا يزال في الحقيقة عن تفوق الإسلامي. وعلاقة هذا المسلم بغير المسلم، رغم تظاهرها بالتعايش، هي علاقة قائمة على التوجس والرغبة الدفينة في مجتمع يسوده الإسلام ياريت بليز يعني. راجع ڤيديو الشعراوي عن حب المسيحيين كمثال ذهبي عن هذه الحالة.

4- الإسلام الخفي:

وهو إسلام غالبية المسلمين من أبناء الطبقة المتوسطة، المتصلين – لأسباب اقتصادية وتعليمية عادة – بالعالم الخارجي، أكثر من غيرهم من أبناء الطبقة العاملة. وهو إسلام تشكله مجموعة متنافرة للغاية من القناعات التاريخية والجغرافية والذاتية. هو ذلك الإسلام الذي يتأرجح بين التشيع وحب آلِ البيت والسنية المعادية للفرس الغرباء الذين لايتحدثون العربية رغم أنهم يكتبونها. هو إسلام مطعَّم بمؤثرات علمانية ضعيفة وضرورات عالمية حداثية، وفِي نفس الوقت هو محور الهوية، والمرجع الأساسي للأسئلة الأكثر حرجًا بخصوص التفضيلات الجنسية مثلاً أو حقوق المرأة أو حرية العقيدة. هو الاسلام الذي يرى في عصور نهضة الدولة الاسلامية والأندلس مصدرًا للفخر، وفي نفس الوقت ينكر/ يجهل أي عنف أو جرائم ارتبطت بهذه التجربة الحضارية الإمبريالية التي اعتبرها هتلر مصدر إلهام.

ينقل «سپير» عن هتلر قوله في إحدى جلساته الخاصة: «كانت الديانة المحمدية لتتناسب معنا أكثر بكثير من المسيحية. لماذا تكون ديانتنا هي المسيحية بخنوعها وترهلها»؟ بشكل مشابه، وُثّق عن هتلر قوله: «لو لم ينتصر تشارلز مارتل في معركة بويترز لكنا دخلنا جميعًا في الديانة المحمدية، تلك العبادة التي تمجد البطولة، وتفتح الفردوس الأعلى للمحارب وحده. عندها كان العرق الچرماني سيسود العالم. » المصدر: ويكيبيديا

الانتماء لهذا الاسلام يضمن لكثير من المسلمين علاقة هادئة وبناءة إلى حد كبير بمن حولهم، مع مراعاة التبرؤ المستمر من أخطاء أتباع المجموعة واحد واتنين وتلاتة. الرموز المحببة بالنسبة لأبناء هذا النوع من الإسلام هي شخصيات مثل مصطفى محمود أو معز مسعود، أو أي رمز آخر للمسلم الحديث ذي البدلة والعلاقة الصحية مع الغرب والرأسمالية.

*الإسلام السياسي*

إسلام فوق البيعة خارج التصنيف، يتواجد عادة في الفراغات بين كل هذه الأنواع، ويستقي جاذبيته من التركيز على نواقص كل نموذج من هذه النماذج، واتهامها إما بالتفريط أو المغالاة، فيوفر نفسه كبديل أكثر تشددًا للنموذج المفرط في الانبطاح، أو أكثر تقدمية للنموذج الرجعي، بينما قوامه في الحقيقة هو كل ما سبق، فهو براجماتي إن لزم الأمر، خاضع إن لزم الأمر، شعبوي إن لزم الأمر، عنيف إن لزم الأمر، وهو – غالبًا لافتقاره لأي هوية طاردة – أنجح النماذج عادة وأكثرها اقترابًا من المكاسب السياسية، وأكثرها تأثيرًا على المستوى المحلي والعالمي، وبالتالي أكثرها عرضة للخسارة الناجمة عن التصادم.

صورة: أنديل

الإسلام السياسي في رأيي هو أقرب أنواع الإسلام للإسلام، باعتباره نموذجًا يحقق توازنًا كبيرًا بين المصلحة والمبدأ، وليحقق هذا فهو ينأى بنفسه عن تقديم أي إجابات حاسمة حول المسائل الخلافية (تطبيق الشريعة أو المواطنة)، هو إسلام طيّع يأخذ شكل الإناء ويتحدث بلغة حامله، ففي الريف المصري هو إسلام ريفي، وفِي المدينة التركية هو إسلام حضاري علماني، غرضه الأساسي دمج الفرد في الجماعة والاستفادة، باستخدام العلم والخرافة وأي وسيلة متاحة، مما يمكن لهذا الفرد أن يفيد به جماعته، بغض النظر عن رغبة الفرد أو تفضيلاته.

***

المساحات الفاصلة بين هذه المجموعات هي مساحات ضبابية للغاية، ومساحات الالتقاء أكبر بكثير من مساحات الاختلاف، وهو أمر طبيعي فالجميع يتشاركون استقاء الإلهام من نفس النص القرآني الغامض ذي التفسيرات المتعددة، والذي يمكن جدًا تفسيره بأي طريقة تناسبًا مع مقتضيات الموقف، ببعض الشطارة اللغوية المؤثرة للغاية في مجتمعات التعليم الضعيف، فالنص متناقض في أحيان كثيرة ولكن هذا التناقض يُقرأ كحكمة إلهية لا كنقص، ويعاقب منتقده أو يخوّف على أقل تقدير، فبالتالي فآيات التكفير والقتال توجد جنبًا إلى جنب مع آيات التسامح، والآيات التي تدعو لكراهية المثلية الجنسية وتصف انتقام الرب من المثليين تأتي من نفس الصوت الذي يعد المؤمنين بجنّات يطوف عليهم فيها ولدان (غلمان) مخلدون، مايجراش حاجة عادي.

النقطة الأهم بالنسبة لي في كل هذا الهجص، أن الإشكالية تبدو متمحورة معظم الوقت حول أهمية الانتماء، رغم كون الإيمان قرارًا فرديًا له علاقة بتصديق شخصي لحقيقة ما، لا سبيل ولا مبرر لإثباتها على أرض الواقع، أو إجابة ميتافيزيقية لمعنى الوجود، إلا أن إعلان الفرد لتدينه يعني انتماءه بشكل تلقائي لجماعة عملاقة بها مليار إنسان، هو مربوط معهم بنفس الحبل؛ يتحركون جميعًا بعد الكثير من الفوضى في نفس الاتجاه.

في هذا الانتماء طبعًا أمان كبير، ونحن كائنات قطيعية نعرف بالغريزة أن الذئب سيأكل من تاه منا عن القطيع، إلا أن هذا الانتماء ينتهي كسجن يحول الفرد إلى نسخة ماسخة من ملايين المحيطين، يتحدث مثلما يتحدثون ويقرر مثلما يقررون ويضطر لإشهار آراء وقناعات قد لا يكون متأكدًا من إيمانه الحقيقي بها، فقط ليضمن القبول والاندماج في القطيع الذي يستطيع دهسه بسهولة لو صدر عنه الصوت الخطأ أو تحرك في عكس الاتجاه، أو على أفضل الفروض سيتركه وحيداً في مواجهة الذئب.

وفي المقابل، يضطر الفرد للبقاء محشورًا داخل القطيع، ورأسه لا ترى إلا موضع قدميه، وقابلًا بعدم وجود أي فكرة لديه إطلاقًا بخصوص الاتجاه الذي يسير فيه الجميع، ومدى اتساق هذا مع احتياجاته. يضطر الفرد أن يقبل، أنه قد يستفيق في لحظة ما ليجد القطيع مغروزًا في مستنقع لن ينجو منه الكثيرون، وقد لا يستفيق المرء أبدًا ويموت جوعًا وسط أقرانه متخيلًا أن هذه هي طبيعة الحياة، بعد حياة مديدة كئيبة، لم ير فيها ولو لمرة واحدة، على الطبيعة، شكل أم الذئب دا إيه؟

ملحوظة:

غني عن الذكر بالطبع، أن كاتب هذه السطور يرى هذا التصنيف من واقع تجربته الشخصية ومعرفته المحدودة وتعليمه المجاني، وغالبًا هناك ملايين بل آلاف بل مئات التصنيفات الأخرى التي تتسق بشكل أكثر راحة مع معتقدات وأهواء كل مؤمن وكل غير مؤمن.

اعلان