Define your generation here. Generation What
تفجيرات أحد السعف.. الضربة التي قالت: «فيه تقصير أمني»
 
 
في محيط كنيسة مار جرجس بطنطا، بعد ساعات من تفجير أحد السعف - المصدر: إبراهيم عزت
 

في بداية دموية لأسبوع الآلام الذي يحييه مسيحيو مصر بداية من أحد السعف، وانتهاءً بأحد القيامة، شهدت مدينتا طنطا والإسكندرية، أمس الأحد، انفجارين أسقطا قرابة 45 قتيلًا، وما يزيد على 100 مصابًا، في حين أعلن تنظيم ولاية سيناء، الموالي لتنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، مسؤوليته عن الانفجارين، اعتبر مراقبون أنهما كانا إعلانًا صريحًا وغير مبرر لفشل الأمن المصري، على أصعدة مختلفة، على عكس ما أكد عليه رئيس الجمهورية في أعقاب تفجير الكنيسة البطرسية.

كان انفجار قد وقع في الصف الأول داخل داخل كنيسة مارجرجس في طنطا، في العاشرة صباح أمس، أسقط 28قتيلًا و78 مصابًا، ثم حلّت الظهيرة بانفجار آخر على عتبات الكنيسة المرقسية في الإسكندرية، حيث كان البابا تواضروس يصلي، ما أسقط 17 قتيلًا وما زاد على 48 مصابًا.

ملابسات ودلالات

أحاطت بعمليتي الأمس الكثير من الملابسات الهامة؛ ففي طنطا، كان رعاة الكنيسة قد أبلغوا قوات الأمن، في 29 مارس الماضي، بوجود جسم غريب تحت المقعد الأول في أحد القاعات، لتكشف قوات الأمن حال حضورها أن الجسم هو عبوة ناسفة. وبعد يومين من هذه الواقعة شهدت المدينة هجومًا مسلحًا على معسكر تدريب تابع لوزارة الداخلية، أسفر عن حالة وفاة وقرابة 15 مصابًا، ليأتي تفجير الأمس وتتعرض الكنيسة نفسها، التي تمّ زرع العبوة الناسفة بها، لعملية نجحت هذه المرة في تحقيق هدفها.

سبق الهدوء عملية الإسكندرية، حتى وصل انتحاري يرتدي حزامًا ناسفًا إلى مدخل الكنيسة، التي يصلي فيها البابا تواضروس بشخصه، وتوجه للباب الرئيسي قبل أن يطلب منه أحد العاملين بالكنيسة أن يدخل من الباب الذي تؤمنه قوات الشرطة، ليتوقف بدوره أمام بوابة الكشف عن المعادن ويفجر نفسه منهيًا حياته وحياة عدد من المواطنين وأفراد الأمن.

كانت صحف صباح الأحد، التي صدرت قبل حدوث الانفجارين، قد تحدثت عن استعدادات أمنية مكثفة، تحسبًا لوقوع عمليات إرهابية، شملت هذه الاستعدادات تمشيطًا للشوارع الجانبية فى محيط الكنائس، والتنبيه على الأقباط بعدم التجمّع أمامها عقب الاحتفالات، والانصراف الفوري، وعدم ترك سيارات بالقرب من أسوار الكنائس، وسرعة إبلاغ الأمن عند مشاهدة أى جسم غريب دون العبث به، وعدم حمل ألعاب نارية أو شماريخ أو محدثات صوت فى أثناء الدخول للكنائس.

وفي حين حملت تلك الملابسات أسئلة كان يفترض أن يجيب عنها مسؤولون مختصون إلا أن ما خرج من هؤلاء لم يحمل إجابات واضحة، ولم يقترب حتى من تحليل ما جرى، مكتفيًا بردود أفعال كان معظمها انفعاليًا، والتي كان أبرزها طلب النائب البرلماني السكندري محمد فرج عامر، فرض حالة الطوارئ واعتماد المزيد من المحاكمات العسكرية.

يقول الباحث في مركز دراسات التطرف في جامعة جورج واشنطن مختار عوض، لـ «مدى مصر» إنه «تجدر الإشارة أولًا إلى أن هذا ليس النشاط الأول لولاية سيناء في الوادي. إذ أن تنظيم أنصار بيت المقدس، الذي تحول فيما بعد إلى تنظيم ولاية سيناء الموالي لداعش، نَفَّذَ واحدة من أكبر عملياته في العام 2013، بتفجير انتحاري استهدف مديرية أمن الدقهلية. وفي هذا السياق، يتوجب علينا العودة إلى تاريخ عمليات العنف في مناطق الدلتا، حيث كانت البداية مع نجاة تلك المناطق من موجات العنف المسلح في الثمانينات والتسعينات. لكن في العام 2011 بدأت التنظيمات المسلحة في خلق خلايا نائمة لها في الدلتا، وعملت على توفير مخازن سلاح في مناطق عدة أهمها في محافظة الشرقية».

ويستكمل عوض: «بدءًا من العام 2013 بدأت هذه المناطق تشهد عددًا كبيرًا من العمليات المسلحة بشكل متفرق ومتباعد من قبل عناصر يعتقد أنها قريبة من الإخوان المسلمين. وفي هذا السياق، تشكل زخم لمثل هذا النوع من العمليات في هذه المناطق. وهنا، بدأت عناصر داعش في بناء خلايا نائمة بهدوء ولمدد طويلة، ربما يكون هذا المسعى فشل في القاهرة، حيث تعتمد أجهزة الأمن على شبكة كبيرة ومعقدة من المخبرين، لكن تلك الشبكة لا تستطيع مجاراة التجنيد والاستقطاب في الدلتا، خاصة لو تحدثنا عن العناصر التي تلقت تدريبات متقدمة».

خلال العام الماضي تبنت حركة «حسم» عددًا من عمليات العنف المسلح، وكانت قد استهدفت المنطقة المجاورة لكمين شرطة في شارع الهرم في ديسمبر الماضي. أدت هذه العملية إلى مقتل 6 شرطيين بينهم ضابطين. كما قامت بمحاولة اغتيال القاضي أحمد أبو الفتوح بتفجير سيارة مفخخة بالقرب من منزله في ضاحية التجمع الخامس في نوفمبر الماضي. سبقت هذه العملية بمحاولة أخرى لاغتيال النائب العام المساعد زكريا عبد العزيز عثمان، في سبتمبر الماضي. بينما كان تنظيم لواء الثورة قد تبنى اغتيال العميد عادل رجائي، الضابط بالقوات المسلحة، في نوفمبر الماضي، ونشر فيديو دعائي عن تنفيذه العملية.

قلة كفاءة

وفي حين قال رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، في ديسمبر الماضي، وعقب ساعات من تفجير الكنيسة البطرسية في القاهرة: «إوعى حد يقول فيه تقصير أمني»، لم يتطرق السيسي، خلال حديثه عقب اجتماعه مع مجلس الدفاع الوطني بالأمس، إلى الجانب الأمني مكتفيًا بإعلان حالة الطوارئ في البلاد. فيما لم تتعد القرارات الأمنية إقالة وزير الداخلية مجدي عبد الغفار لمدير أمن الغربية حسام الدين خليفة، وتعيين مساعد مدير أمن القاهرة طارق حسونة بدلًا منه، فضلًا عن تغيير عدد من قيادات الأمن في المحافظة. كما أمر الرئيس أيضًا بنزول القوات المسلحة للمشاركة في تأمين الكنائس والمنشآت الحيوية، ما ظهر كدلالة على إقراره بقلة كفاءة الداخلية في عمليات التأمين.

كما يضيف مختار عوض قائلًا: «تنذر العمليتان بفشلٍ أمنيٍ كبير، وغير مبرر. لو كان هذا هو المستوى التأميني الأعلى، المقدم في وقت أعياد الأقباط، وبعد أربعة أشهر من حادثة البطرسية، وبعد إبطال عبوة في كنيسة مارجرجس نفسها منذ أيام، وخلال صلاة البابا في الكنيسة المستهدفة الأخرى، فإن المشاكل هنا تتعدى مسألة الإهمال، وقد تصل إلى أن المنفذين ربما قد تلقوا مساعدات ليصلوا إلى هذه الأهداف». ويقول الباحث في الدراسات الأمنية علي الرجّال لـ «مدى مصر» إن: «ولاية سيناء نفذت عملية الكنيسة البطرسية بنفس الأسلوب، وأعلنوا عن مسؤوليتهم وقالوا إنهم سيستهدفون اﻷقباط في وقت أعيادهم، معلنين أنهم تحولوا إلى هذا النوع من العمليات. ففي ضوء هذه المعلومات ماذا عنت هذه الخلفية للأجهزة الأمنية؟ ببساطة: لا شيء».

وأضاف الرجّال: «الصورة عبثية وواضحة في آن واحد. العناصر المسلحة ذهبت إلى كنيسة واستطاعت زرع قنبلة، وراعي الكنيسة هو من اكتشفها، ففشلت المحاولة بفضل رجل دين وليس بسبب جهود الأمن، ثم عادت العناصر إلى الكنيسة نفسها، بعد 12 يومًا فقط، وفجروها من الداخل بحزام ناسف.. هذا فشل أمني على كل المستويات، بدءًا من المجندين والضباط في فريق التأمين، وحتى أجهزة الأمن المعلوماتي التي تدير الصراع مع المسلحين». ويستكمل الرجّال قائلًا: «بعد أن نجحت العملية، يكون القرار هو إقالة مدير أمن محافظة، السؤال يطرح نفسه: ماذا يفعل وزير الداخلية هنا؟ ماذا تفعل أجهزة الأمن المعلوماتي وجهاز الأمن الوطني».

فيما يرصد الرجّال وضع تنظيم ولاية سيناء حاليًا بقوله: «إقليميًا، دخل التنظيم مرحلة الاحتضار، وتنحصر المواقع التي لا يزال يعمل فيها براحة نسبية في الرقة في سوريا وشمال سيناء في مصر». ويستطرد في محاولة تحليل لجوء تنظيم ولاية سيناء إلى عمليات مثل استهداف الكنائس قائلًا: «هذا النوع من العمليات هو واحد من مميزات التنظيم الجريح، لكن إلى أي مدى قد تطول هذه المرحلة، وهل قد تتغير هذه الحالة لتدخل طور الضربات النوعية الواسعة التي لا تنتهي؟ وهو ما سيتطلب مواجهة حقيقية، لا أن يقتصر الأمن على نصب الكمائن في الطرق السريعة ليفتش حسابات المواطنين الشخصية وهواتفهم المحمولة، بينما تمر المفخخات والأحزمة الناسفة من تحت أنفه».

يتفق الباحث في شؤون الإسلام السياسي محمد مختار قنديل بشكل كبير مع تحليل الرجّال ويقول: «في إطار إعلان تنظيم داعش التوجه إلى العمليات ضد الأقباط، وفي سياق الخسائر التي لحقت به في مناطق قيادته المركزية في سوريا والعراق، فمثلت العمليتان تطورًا يسعى التنظيم لخلقه لإنقاذ نفسه. اختيار مكان العمليات، والتزامن بينهما، من شأنه أن يثير فكرة الفتنة الطائفية في مصر بين الأقباط والمسلمين، وهذا يؤسس لبيئة جيدة لعمل التنظيم، ويسهل تواصله مع متطرفين محليين لتنفيذ المزيد من هذه العمليات».

وفي حين تختلف تفاصيل التحليلات بشأن العمليتين الأخيرتين، يبقى الأمر محل الاتفاق بين المحللين أننا بتنا أمام طور واضح وثابت من العمليات يستهدف الأقباط، ما يضع تحديات إضافية للمنظومة الأمنية غير الناجحة بالأساس، لما تشهده الشريحة المحتملة للعمليات من اتساع وانتشار في عدد كبير من المحافظات.

اعلان