Define your generation here. Generation What
عندما يُعطل الدستور تُسقط «الأمور المستعجلة» أحكام مجلس الدولة بالقانون
 
 

جدلٌ واسع يدور في الأوساط القانونية حول حدود اختصاصات محكمة الأمور المستعجلة بعد أحكام أصدرتها مؤخرًا تنقض أحكامًا للقضاء الإداري، كان آخرها الحكم الصادر الأحد الماضي، بوقف تنفيذ وإسقاط حيثيات حكم المحكمة الإدارية العليا القاضي ببطلان توقيع رئيس الوزراء على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، المتضمنة تنازل الحكومة المصرية عن جزيرتي تيران وصنافير لصالح المملكة.

المادة 190 من الدستور: «مجلس الدولة جهة قضائية مستقلة، يختص دون غيره بالفصل في المنازعات الإدارية، والدعاوى، والطعون التأديبية، ومنازعات التنفيذ المتعلقة بأحكامه»

اعتبر قانونيون أن أحكام «الأمور المستعجلة»، التي دعمت سريان الاتفاقية، مخالفة للدستور الذي نص في مادته رقم 190 على اختصاص محاكم مجلس الدولة وحدها بالفصل في إشكالات وقف تنفيذ أحكامها.

في المقابل، يرى فريق آخر أن قانون المرافعات الساري الآن ما زال يسمح لمحكمة الأمور المستعجلة بوقف تنفيذ أحكام القضاء الإداري، وطالما لم يتدخل البرلمان لتعديل مواد هذا القانون لتتفق مع الدستور، فمن حق محكمة الأمور المستعجلة أن تستمر في نظر الدعاوى المقامة أمامها ضد أحكام القضاء الإداري.

ضد الدستور.. مع القانون

عن أحكام الأمور المستعجلة التي تتدخل في أحكام القضاء الإداري، يقول المستشار أحمد عبد الرحمن، النائب الأول لرئيس محكمة النقض سابقًا: «ليس لها قيمة قانونية ولا ترتب أي آثار، والدستور هو الحكم الفصل».

ويوضح عبد الرحمن لـ«مدى مصر»: «الدستور حدد اختصاصات السلطة القضائية على سبيل الحصر، فالقضاء الإداري يختص بالفصل في المنازعات التي تنشأ بين الأفراد وبين السلطة التنفيذية، والقضاء العادي يختص بالفصل في المنازعات التي تنشأ بين الأفراد وبعضهم البعض. وبموجب المادة 190 من الدستور، ليس لمحكمة الأمور المستعجلة أو غيرها أن توقف أحكام القضاء الإداري».

الاختصاص الأساسي لمحكمة الأمور المستعجلة وفقا للقوانين الحالية، بحسب عبد الرحمن، يقف عند إصدار أمر على عريضة في النزاعات التي يُخشي عليها من ضياع الوقت، مثل قرار بهدم منزل آيل للسقوط يُخشي من انهياره على سكانه، أو وقف قرار بهدم منزل حالته جيدة، أو الحجز على منشأة وبيعها في المزاد أو العكس. «لكن القضايا غير المستعجلة، مثل حسم مسألة تتعلق بأراضي الدولة، فلا ولاية للقضاء المستعجل عليها بأي حال من الأحوال»، يؤكد عبد الرحمن.

«يُضاف إلى قانون مجلس الدولة مادة جديدة برقم 50 مكرر نصها: تختص محاكم مجلس الدولة دون غيرها بنظر إشكالات التنفيذ ومنازعات التنفيذ المتعلقة بالأحكام الصادرة منها…»

تنص المادة 190 من الدستور على أن «مجلس الدولة جهة قضائية مستقلة، يختص دون غيره بالفصل في المنازعات الإدارية، والدعاوى، والطعون التأديبية، ومنازعات التنفيذ المتعلقة بأحكامه».

على الجانب الآخر، يري أستاذ القانون الدستوري، صلاح فوزي، عضو «لجنة العشرة» التي وضعت مسودة التعديلات الدستورية المستفتى عليها في 2014، أن محكمة الأمور المستعجلة طبقت صحيح القانون، وأحكامها بوقف تنفيذ أحكام محاكم مجلس الدولة سواء الخاصة باتفاقية تيران وصنافير أو غيرها، مؤكدًا أن أحكام الأمور المستعجلة «صحيحة قانونًا ودستورًا وواجبة النفاذ».

يُقر فوزي أن المادة 190 من الدستور أعطت القضاء الإداري وحده اختصاص الفصل في  إشكالات ومنازعات التنفيذ على أحكامه، لكنه يوضح أن هذه المادة ليست نافذة بذاتها، «وإنما تنفيذها مرهون بإدخال تعديلات تشريعية على القوانين السارية سواء لمجلس الدولة أو القضاء العادي وقانون المرافعات عمومًا».

ويضيف فوزي أن المادة 275 من قانون المرافعات تعطي لمحكمة الأمور المستعجلة الحق في الفصل في المنازعات المتعلقة بأحكام القضاء الإداري، «وطالما لم يدخل البرلمان تعديلات على هذا القانون، فمازال لمحكمة الأمور المستعجلة أن توقف أحكام مجلس الدولة».

تنص المادة 275 من قانون المرافعات على أنه «يختص قاضي التنفيذ دون غيره بالفصل في جميع منازعات التنفيذ الموضوعية والوقتية أيًا كانت قيمتها. ويفصل قاضي التنفيذ في منازعات التنفيذ الوقتية بوصفه قاضيا للأمور المستعجلة».

تعطيل الدستور

«استمرار محكمة الأمور المستعجلة في إصدار أحكام مخالفة للدستور بوقف تنفيذ أحكام مجلس الدولة الخاصة بتيران وصنافير وغيرها يتحمله رئيس مجلس النواب ووكيليه»، يقول النائب أحمد الشرقاوي، عضو لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بالبرلمان.

يوضح الشرقاوي لـ«مدى مصر» أن البرلمان وافق في جلسة 9 أغسطس الماضي بأغلبية فاقت ثلثي أعضائه، على إدخال تعديلات على قانون مجلس الدولة تتضمن ترجمة المادة 190 من الدستور، بحيث تقصر الحق في نظر الإشكالات على الأحكام التي يصدرها القضاء الإداري على محاكم المجلس فقط.

يضيف النائب: «لكن بدون مبررات لم يصدر هذا القانون حتى الآن، رغم أن الدستور ولائحة البرلمان أعطوا لرئيس الجمهورية مهلة 30 يومًا فقط لإصدار القانون أو الاعتراض عليه»، مشيرًا إلى أن  هيئة مكتب البرلمان (الرئيس والوكيلان)، هي المسؤولة عن تنفيذ قرارات النواب، وإرسال القوانين التي يوافقون عليها إلى الرئاسة للتصديق عليها ونشرها في الجريدة الرسمية.

مفوضو المحكمة الدستورية العليا: «…. وقد نص الدستور في إفصاح جهير وبنص غير مسبوق هو نص المادة 190 من الدستور الحالي على اختصاص مجلس الدولة وحده دون غيره بالفصل في منازعات التنفيذ المتعلقة بجميع أحكامه، حاسمة بذلك الجدل الذي استمر لعقود حول الجهة القضائية المختصة بالفصل في منازعات التنفيذ في الأحكام الصادرة عن جهة القضاء الإداري»

ويتابع النائب توضيحه: «ولأن اللائحة الداخلية للبرلمان لم تتضمن ما يلزم هيئة المكتب بإرسال القوانين التي يوافق عليها النواب إلى الرئاسة خلال مدة معينة، تتدخّل الأهواء لاستغلال تلك الثغرة في تعطيل القوانين غير المرغوب فيها أكبر فترة ممكنة، وهذا ما حدث حتى الآن مع قانوني مجلس الدولة والجمعيات الأهلية».

كان مجلس النواب قد وافق في جلسة 9 أغسطس الماضي، على مشروع قانون بتعديل قانون مجلس الدولة يتضمن 6 مواد، 3 منها لنقل اختصاص الفصل في المنازعات الضريبية من القضاء العادي إلى القضاء الإداري، تنفيذًا لحكم صادر من المحكمة الدستورية العليا باختصاص محاكم مجلس الدولة بنظر الطعون الضريبية المقدمة من الحكومة ومن المواطنين، إضافة إلى مادة تترجم ما جاء في المادة 190 من الدستور.

ونصت المادة الثالثة من مشروع القانون على أنه «يُضاف إلى قانون مجلس الدولة مادة جديدة برقم 50 مكرر نصها: تختص محاكم مجلس الدولة دون غيرها بنظر إشكالات التنفيذ ومنازعات التنفيذ المتعلقة بالأحكام الصادرة منها، ويرفع الإشكال إلى ذات المحكمة التى أصدرت الحكم، ويترتب على رفع الإشكال الأول وقف تنفيذ الحكم المستشكل في تنفيذه، وتفصل المحكمة في الإشكال خلال ثلاثين يوماً من تاريخ إقامته دون أخذ رأي هيئة مفوضي الدولة، ولا يترتب على رفع الإشكال أمام أية محكمة أخرى وقف تنفيذ الحكم».

الحَكَم: «الدستورية العليا»

المحامي خالد علي يرى أن البرلمان «يتعمد» إغفال إصدار قوانين لترجمة كثير من مواد الدستور، مثل المادة 190 المتعلقة بالقضاء الإداري، «ما يترك المجال لاستمرار محكمة الأمور المستعجلة في إصدار أحكام على شاكلة اعتبار حركة حماس جماعة إرهابية واعتبار الألتراس جماعة إرهابية».

ويضيف علي الذي تولى رفع عدة قضايا ضد اتفاقية «تيران وصنافير»: «اشتهرت محكمة الأمور المستعجلة خلال عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك بوقف تنفيذ عدد كبير من أحكام القضاء الإداري، مثل وقف تصدير الغاز الطبيعي إلى إسرائيل وطرد الحرس الجامعي التابع لوزارة الداخلية من الحرم الجامعي. تشتهر تلك المحكمة الآن بوقف أحكام القضاء الإداري الخاصة ببطلان قرارات التحفظ على أموال المواطنين المستندة إلى جهاز الأمن الوطني، ومؤخرًا بأحكامها بوقف تنفيذ أحكام مصرية جزيرتي تيران وصنافير».

وقال علي إن هيئة مفوضي المحكمة الدستورية العليا قالت رأيها في وقت سابق حول هذا الخلاف، مشيرًا إلى تقرير الهيئة في المعلن عنه في يناير الماضي بشأن الأحكام المتعارضة لكل من القضاء الإداري والأمور المستعجلة حول قرارات لجنة أموال الإخوان، والذي خلص إلى عدم اختصاص محكمة الأمور المستعجلة بوقف تنفيذ حكم قضائي صادر عن محكمة القضاء الإداري، استنادًا للمادة 190 من الدستور.

وتضمن تقرير هيئة المفوضين، الذي اطلعت «مدى مصر» على نسخة منه، النص على عدم الاعتداد بحكم صادر عن محكمة الأمور المستعجلة بوقف تنفيذ حكم لمحكمة القضاء الإداري، استنادًا إلى أن «الدستور أحاط اختصاص مجلس الدولة بسياج حصين، بحسبانه قاضي القانون العام وصاحب الولاية العامة بالفصل في المنازعات الإدارية. وقد نص الدستور في إفصاح جهير وبنص غير مسبوق هو نص المادة 190 من الدستور الحالي على اختصاص مجلس الدولة وحده دون غيره بالفصل في منازعات التنفيذ المتعلقة بجميع أحكامه، حاسمة بذلك الجدل الذي استمر لعقود حول الجهة القضائية المختصة بالفصل في منازعات التنفيذ في الأحكام الصادرة عن جهة القضاء الإداري».

حتى الآن، لم تصدر المحكمة الدستورية العليا حكمها في القضية.

يرى المستشار أحمد عبد الرحمن أنه لحين إصدار قانون يمنع محكمة الأمور المستعجلة من وقف أحكام القضاء الإداري، أو إصدار المحكمة الدستورية العليا لحكمها بتأييد تقرير هيئة المفوضين ومنع محكمة الأمور المستعجلة من نظر الإشكالات في تنفيذ أحكام محاكم مجلس الدولة، سيظل الدستور معطلًا.

اعلان