Define your generation here. Generation What

متى تحلُّ حركة 6 أبريل نفسها؟

في صيف  2008 شهدت نقابة الصحفيين انعقاد مؤتمر لعدد من الشباب أطلقوا على أنفسهم اسم «شباب 6 أبريل»، وكنت أحد أعضائهم في تلك الأيام. حظي المؤتمر بحضور سياسي وإعلامي معقول بمقاييس هذه الأيام، فيما بدا أنه محاولة لإصغاء السمع لهذه الأفكار المتناثرة عن التغيير لهؤلاء الشباب، الذين استطاعوا دب الذعر  في قلب أقدم دولة مركزية، عبر دعوتهم من خلال الإنترنت لإضراب عام في مصر يوم 6 أبريل، بالتوازي مع دعوة عمال المحلة للإضراب.

من المؤتمر التأسيسي لحركة 6 أبريل في 28 يونيو 2008

«شباب بيحب مصر»

«من حق جيلنا أن يجرب، فإما أن ينجح، وإما أن يقدم تجربة تستفيد منها الأجيال القادمة»

بهذه الشعارات البسيطة والخالية من التعقيد، بدأت 6 أبريل نشاطها، متحررة من الأسئلة الكبرى وعلى رأسها الأيديولوجيا، ما أعطاها بعض المرونة في البداية باعتبارها حركة جامعة قادرة على استقطاب قطاعات شبابية واسعة على تنوع خلفياتهم. لكن مع مرور الوقت وتباين المواقف بدأ التنظيم الوليد يتأثر بهذه الاختلافات، ليظهر أول انشقاق في الحركة في صيف 2009، سرعان ما تخطته الحركة بعد شهور مع ظهور البرادعي وتدشين «الجمعية الوطنية للتغيير» في بداية 2010، وبرزت الحركة فيها كأحد أنشط مكوناتها. إلى أن جاءت الثورة ليجد أعضاء الحركة مكانهم الجديد، وفي صدارة المشهد، باعتبارهم أحد شرارات الثورة .

ثم جاء يوليو 2011، ببيان المجلس العسكري رقم 69 والذي اتهم الحركة بإحداث وقيعة بين الجيش والشعب، ما أعقبته اتهامات لها بالعمالة، نتجت عنها حملة تضامنية كبيرة مع الحركة، أدت لزيادة أسهمها السياسية، كما أدت من الناحية التنظيمية لتضخم عدد الراغبين في الانضمام إليها. لفت هذا الانتباه لأهمية التنظيم وإعادة هيكلة الحركة لضمان السيطرة على توجهها في ظل تزايد الأعداد وتمدد فروع التنظيم في المحافظات. ورغم محاولة إعطاء القواعد فرصة للمشاركة في اتخاذ القرار، وتصعيد العديد من الأعضاء في مناصب قيادية، إلا أن الطابع التنظيمي للحركة اتسم بالمركزية والسيطرة المتزايدة من قبل المؤسسين.
وبعد الثالث من يوليو ، تأثرت الحركة كثيرًا بالقمع الأمني المتزايد ضدها، وباعتقال الكثير من كوادرها مثل أحمد ماهر  ومحمد عادل في نوفمبر 2013، والقبض على منسق الحركة عمرو علي  في سبتمبر 2015 من بيته، وصدور أحكام المؤبد ضد عدد من قياداتها مثل رامي السيد مسؤول العمل الجماهيري، مع تسعة آخرين. كل هذا، بالإضافة إلى تجريم أنشطة الحركة منذ أبريل 2014، أدى لخفوت نشاطها ومشاركتها في المجال العام.
الآن، وبعد ركود الحركة الممتد لأكثر من عام ونصف، تحديدًا منذ القبض على منسقها عمرو علي، تثير حالتها الحالية العديد من التساؤلات مثل: هل يشكل الوضع السياسي سببًا رئيسيًا في هذا الركود؟ أم أن هناك مشاكل أصيلة في بنية التنظيم تعوق تقدمها؟ وهل ستساعد أي انفراجة سياسية في انتعاش الحركة وخروجها من هذه الحالة؟ أم لم يبق أمامها خيار، عدا أن تحل نفسها وتحاول تخليد تجربتها، لتستفيد منها الأجيال القادمة، كما كان شعارها دومًا؟

 التنظيم الذي أثقل كاهل الحركة

كانت البداية عفوية وبعيدة عن الاغراق في الشئون التنظيمية؛ فقط مجموعة من الشباب المتحمسين الراغبين في التغيير، رغم عدم امتلاكهم تصورًا واضحًا عن نوعه وطريقته. ورغم الخلافات الداخلية التي كانت تثور بين الفينة والأخرى، فقد اتسم طابع الحركة بالخفة وإتاحة الفرص للأفكار الجديدة.

كانت هناك بعد الثورة اقتراحات بحل الحركة والاكتفاء بما قدمته، غير أن مخاوف المرحلة الانتقالية أدت إلى تراجع هذا الطرح. ومع تضخم حجم التنظيم بعد الثورة، ظهرت الحاجة الملحة لهيكل تنظيمي واضح يحدد المسؤوليات بين المستويات التنظيمية ويرسم طريقة لصناعة القرار، فعُقدت عدة ورش داخل الحركة لصياغة رؤية وهيكل ولائحة تنظيمية لها، جرت على أثرها انتخابات داخلية على كافة المستويات الادارية والجغرافية في مارس 2012 .

كانت هذه محاولة غير مكتملة للتجديد، ففي الوقت الذي ضخت الحركة فيه عددًا من الكفاءات النوعية، وحاولت القيادات الجديدة إثبات قدراتها الإدارية، تواصلت إشكالية بقاء «المؤسسين» على رأسها، لتؤدي محاولة إيجاد دور لهم داخل التنظيم إلى زيادة أدوارهم داخل الهيكل التنظيمي تحت مبرر «الحفاظ على هوية الحركة ومنع انحرافها»، ومن هذا المدخل الوصائي استمر تأثير المؤسسين على الخط السياسي للحركة، دون الاعتداد في أحيان عدة بالطريقة المؤسسية لصنع القرار عبر المكتب السياسي أو الإداري.

من حوار أمل شرف، وفيه تصف الاخوان بـ«الجماعة الارهابية»

في حوار لأمل شرف، إحدى مؤسسي الحركة، مع كاثرين أشتون، وصفت جماعة الإخوان بـ«الجماعة الإرهابية»، وأردفت أن الجيش يقوم بأفضل شيء لوقف العنف في البلاد، جدير بالذكر أنه لم يُتخذ أي إجراء تنظيمي تجاهها، بل واستمرت في مهمتها حتى يومنا هذا، دون اعتداد بأي مؤسسية أو شكل تنظيمي، وهذا في الوقت الذي يُنكَّل فيه بأي عضو في مستويات تنظيمية أدنى، يقوم بأخطاء أقل جسامة!

على الناحية الأخرى، أدى استسهال العودة للقواعد وتصويتهم على القرارات، قبل صياغة رؤية من المكتب السياسي، وترك مساحة للنقاش حولها، إلى السماح بصدور مواقف عدة تحت ضغط الابتزاز والصوت العالي والاتهامات بعدم الثورية، ومثال على هذا هو قرار الحركة الرسمي برفض التفويض في 24 يوليو 2013. فبعد رفض القواعد إصدار الحركة لتصريح عفوي برفضه، انفتح باب التصويت كاشفًا عن نسبة تجاوزت الـ 40% من عدد المصوتين ممن كانوا مع التفويض!

هل سمعتم في يوم عن حركة سياسية يتضمن برنامجها التثقيفي دورات تنمية بشرية ولغة إنجليزية؟

مشكلة أخرى عويصة هي أعضاء الخارج، وهم من بقايا فكرة قديمة عن تنظيم للحركة خارج البلاد، وانضم لهم آخرون ممن كانوا قيادات في الحركة، ولكنهم اضطروا للسفر للخارج لتعرضهم للتهديد الأمني. هؤلاء الأفراد حتى الآن يحتلون أماكنهم المؤثرة داخل التنظيم ويرفضون التخلي عنها، وبعيدًا عن إشكالية انقطاعهم عن التنظيم، حيث لا يربطهم به سوى الإنترنت، إلا أنهم خلقوا في بعض الأحيان ازدواجية في الخط السياسي للحركة، يكشف عنها التضارب في تصريحاتهم لوسائل الاعلام، وتأييد بعضهم  للمبادرات التي تحدث في الخارج والذي تتبعه الحركة بنفيها لها.

ويثور هنا سؤال: أين القيادة من هذا؟ وكيف استُغلت فترة انقطاع النشاط في محاولات النقد ومراجعة للأخطاء أو حتى فهم الواقع؟

تكشف الفترة السابقة عن حالة من الجمود ساهمت في ترهل إداري، حيث ظل عدد غير قليل من المسؤولين في أماكنهم، دون أي تداول وتغيير حقيقي للدماء والأفكار، بل وشهدت محاولات الإصلاح التي كانت تثور بين الحين والآخر  معارضة ضدها، كان المبرر فيها أن التغيير يجب أن يكون تدريجيًا كي لا يهدد استقرار الحركة، لكن فشل المحاولة تلو الأخرى أظهر أن ما كان يتهدد فقط هو مناصب هؤلاء المسؤولين، والتي لا يخفى كونُها تشكل في ذاتها قيمة معنوية لهؤلاء، ويدفعهم تهديدُها لأن يتساءلوا حول طبيعة وضعهم في الحياة بدونها.

هل سمعتم في يوم عن حركة سياسية يتضمن برنامجها التثقيفي دورات تنمية بشرية ولغة إنجليزية؟

في أوقات الجزر تكون الخيارات أمام التنظيمات قليلة، حيث يؤدي فقدها الغطاء الشعبي والدعم الخارجي، مع زيادة الكلفة الأمنية، إلى انكماش متزايد في حجمها وتأثيرها.

مرت الحركة منذ تأسيسها بمحاولات عدة لاصلاح مواطن الخلل بها، ولكنها جميعًا هوجمت من قبل القيادة

صحيح أن هذه الحالة لم تصب الحركة فقط، وإنما كيانات أخرى أيضًا، لكن بالنظر لنشاط هذه الكيانات، نجد بعضها لا يزال مستمرًا في العمل على بعض الملفات المتخصصة بهدف تقوية المجتمع ومحاولة تمكينه، أو الاستثمار في أعضائها عبر رفع وعيهم تجاه ذواتهم وتجاه المجتمع، وهو ما لم تقم به الحركة، متعللة بضيق المجال العام، والذي إن فسر توقف النشاط واقتصاره على إصدار البيانات والمواقف، وتحول الحركة إلى محض صفحة على الفيسبوك، إلا أنه لا يبرر توقف محاولة تثقيف أعضائها، بل وإعاقة من يريدون تطويرها.

مرت الحركة منذ تأسيسها بمحاولات عدة لاصلاح مواطن الخلل بها ومحاولة تطويرها، ولكن كل هذه المحاولات، التدريجية منها أو الجذرية، هوجمت من قبل القيادة، التي رفضت الاقتراحات بتقييم أدائها وإفساح الفرصة لأشخاص جدد وتقديم يد المساعدة لهم، لتتكرر نفس الأخطاء من تفضيل وتصعيد أهل الثقة على أهل الكفاءة. ولولا انخفاض الدافع والجدوى، لأمكن للحركة أن تشهد العديد من الانشقاقات، الذي كان بديلها المزيد من الانسحابات والاستقالات. وبدلًا من أن ترى الحركة في هذه الانسحابات ناقوس خطر، لتبدأ على أثرها في علاج مشاكلها، ظل التعامل مع هذه الظواهر يدور وفق منطق أن «الحركة تنفث خبثها». وبالتدريج بدأت ملامح الحركة السياسية تختفي، لصالح الشبكة الاجتماعية والشللية.

كيف يفيد حلُّ الحركة لنفسها مشروع التغيير؟

1- تفنيدًا لمقولة أن هذا أثر طبيعي لوضع منغلق، وأن انفتاحًا في المستقبل سيكون له أثر على تصعيد كوادر أخرى جديدة أكثر كفاءة سيقودون الحركة بالانتخاب الطبيعي للأفضل، تخبرنا التجربة أن شرعية الأقدمية والتضحية هي من ستقود الحركة، باستخدام منطق «أين كنتم وقت أن كنا؟»، أو على الأقل ستكون المجموعات القديمة وصية على أي أفكار إصلاحية، معتبرة هؤلاء الأشخاص وأفكارهم مهدِّدين لها، وهو ما حدث حرفيًا بالفعل بعد الثورة.
2- اختفاء الحركة من المشهد السياسي مفيد لأي حراك شعبي قادم. فبوضعها الحالي، الحركة غير مؤهلة للمشاركة في قيادة أي تحرك قادم أو الاتفاق بشأنه، فأي تنسيق يضعها في معضلة، بين محاولتها عدم الاكتفاء بدور مقاول الأنفار للقوى الأخرى، وبين عدم امتلاكها في نفس الوقت لرؤية مغايرة .
3- من دواعي حل الحركة لنفسها، أن يفقد الطامحون للتغيير الأمل، وهو ينتظرون تحركات التنظيمات القديمة المشهورة، ومنها «6 أبريل» التي لا يزال البعض يراهن عليها، ما سيفسح مساحة لأشخاص جدد  لتدشين أشكال جديدة من الأنشطة والكيانات، بعيدًا عن  التعقيدات والرقابة الأمنية اللصيقة، وبدون وراثة أخطاء الآخرين، فبداية الحركة نفسها كانت رفضًا للواقع السياسي ونخبته، ومحاولة خلق الجديد.

4- دع ألف زهرة تتفتح. حل الحركة مفيد لمستقبل عناصرها الجيدة، حيث سيسفر قرار كهذا عن توقف العناصر الجيدة عن المحاولات العبثية للإصلاح، ومحاولتهم استغلال ما تبقى من حماسهم  في مسارات وأماكن أخرى، أو للمساهمة في تأسيس مبادرات جديدة ذات جدوى، يبذرون فيها أفكارهم المهدرة، مسلحين بخبرتهم في معرفة أماكن الخلل وتأثيراتها.

في ذكرى تأسيسها التاسعة، تحتاج الحركة إلى وقفة  جادة مع نفسها، تحاول فيها، مع رغبتها بالتطلع للمستقبل، أن تسترجع خبرات الماضي وأخطائه، وتفسح المجال أمام عمليات المراجعة والنقد الجاد لمسيرتها، فأول طريق لعلاج المرض هو الاعتراف به، أو أن تأخذ الحركة قرارًا تقدميًا بالاعتراف بعجزها عن تقديم الجديد والاكتفاء بما سبق وحل نفسها بنفسها.

اعلان
 
 
أحمد عطاالله