Define your generation here. Generation What
التقييم الشعبي للمستشفيات.. أنت الحكم
 
 

ترددت في السنوات القليلة الماضية قصص صادمة عن الإهمال في المستشفيات، سواء العامة أو الخاصة؛ فهذا مريض فشل في الحصول على علاجه ورفضت المستشفيات استقباله فلم يجد أمامه سوى الانتحار، رغم أن بعض المستشفيات العامة تفتح أبوابها للحيوانات، التي بالتأكيد لن تشكو من نقص المستلزمات الطبية، خاصة بعد الارتفاع الهائل في أسعارها مؤخرًا في ظل غياب التمويل اللازم.

واقع مزري للخدمات الصحية، يتفاقم أمام أعيننا يومًا بعد يوم نتيجة غياب أدوات فعالة للمحاسبة والمساءلة، والأهم غياب أصحاب المصلحة المباشرة عن عملية المراقبة.

«وجود المريض في قاع الهرم، حيث رأيه لا يهم، ذلك هو جوهر مشاكل المنظومة الصحية في مصر». من هذا الاعتقاد انطلق تفكير ثلاثة من شباب الأطباء لإعادة الاعتبار لدور أصحاب الحق في الصحة في الرقابة وإبداء الرأي للضغط من أجل تحسين المنظومة، فكانت مبادرة التقييم المجتمعي للمستشفيات المصرية.

يقول دانيال لويس، أحد مؤسسي المبادرة: «الطبيب في المستشفى لا ينظر للمريض بصفته الـ «عميل»، ولكنه يركز اهتمامه على الطبيب المشرف عليه، الذي بدوره ينظر للطبيب الأعلى منه، وهكذا وصولًا للوزير. الأمر متعلق بالعقلية، التي تضع المريض في قاع الهرم، ولذلك فكرنا في طريقة تجعل المريض هو مصدر الثقل في الهرم».

يقوم فريق المبادرة المركزي بتدريب «مُقَيَّمين» من أبناء الحي أو المدينة بكل محافظة لتقييم المستشفيات المتواجدة بها، من خلال استمارة يملأها المُقَيَّم بعد جولة في المستشفى، ثم تنشر النتائج على بوابة المبادرة. وبعد اكتمال تقييم كافة مستشفيات المحافظة، يعقد فريق المبادرة مؤتمرًا صحفيًا لإعلان النتائج كاملة. حتى الآن تمكنت المبادرة، التي تعمل كمشروع مستقل يتعاون مع عدة جهات حكومية، من تدريب 230 مواطنًا.

لكن الحصول على تفاصيل من داخل المؤسسات الصحية مهمة ليست سهلة في بلد مثل مصر تعتبر معظم مؤسساتها أن الشفافية خطر يهددها، ما جعل المبادرة تبتعد في عامها الأول عن المحافظات المركزية وتركز على 11 محافظة في الصعيد والدلتا، التي يقل فيها التحفظ نسبيًا، جعل هذا التحدي قابل للتجاوز.

كيف تُقَيَّم مستشفى؟

محمد أبو الحسن، طالب بكلية التجارة بدمياط وأحد متطوعي المبادرة، يجلس خارج مستشفى «رأس البر» المركزي الحكومي يفكر في أفضل صيغة ليبدأ تقييمه.

يقرر أبو الحسن أن يرتجل، فيدخل المستشفى ويحاول العبور أمام مكتب الاستقبال الذي تجلس عنده أربعة ممرضات منهمكات في الحديث، وهو يدعي عدم الاهتمام، إلا أن إحداهن استوقفته، فانتقل إلى الخطة الثانية. أخبر أبو الحسن الممرضة أنه طالب ويحتاج لأن يسألها بعض الأسئلة من أجل بحث أكاديمي، وهي القصة التي اتفق مُقَيَّمو دمياط على اختلاقها لتفادي المنع الذي قد يواجهونه.

تتردد الممرضة وتطلب منه أن يعود في الصباح ليتحدث مع أحد أعضاء الإدارة، إلا أن أبو الحسن يستمر في توجيه بعض الأسئلة لها سريعًا على أمل أن ترد على بعضها: «ما هو نظام الحجز؟ كم سعر الكشف؟ هل لديكم إدارة جودة؟ هل تتلقون تدريبات؟ أين تتواجد أقرب نقطة إسعاف للمستشفى؟».

أجابت الممرضة على بعض الأسئلة وتجاهلت أخرى. سألها أبو الحسن إذا كان بإمكانه أن يلقي نظرة على المستشفى من الداخل، فسمحت له رغم توترها. تجول أبو الحسن سريعًا في طرقات المستشفى الضيقة، دخل أحد الغرف فلاحظ غياب المسند المفترض وجوده لإعانة المرضى على الوقوف والمشي، وغيابه أيضًا من الحمام. ألقى نظرة على النفايات الطبية للتأكد من فصلها عن غيرها والتخلص منها بشكل صحي. جال ببصره على الحوائط لمعرفة إذا ما كانت هناك لافتات بحقوق المرضى وإرشادات لتنمية الوعي الصحي.

غادر أبو الحسن المستشفى وأخرج استمارة التقييم وملأها تمهيدًا لإرسالها للفريق المركزي، الذي سيقوم بمراجعتها ومقارنتها بتقييم عضو ثاني في الفريق لنفس المستشفى قبل نشرها على الموقع.

أسئلة استمارة التقييم التي صممها فريق المبادرة وفقًا لمعايير الجودة العالمية، وضعت في صيغة مبسطة تتيح لغير المتخصص العمل بها. تغطي الأسئلة نطاق من الخدمات تشمل الاستضافة بالمستشفى، النظافة، سهولة الحجز، وحتى توفر أماكن لركن السيارات في المنطقة، وصولاً للتجهيزات الطبية بالمستشفى، ومعاملة المرضى ومستوى الفريق الطبي. يمنح أبو الحسن وزملائه كل خدمة درجة من خمس درجات مخصصة لكل سؤال.

نجاحات

عكس التوقعات، يؤكد دانيال أن رد فعل أغلب المسؤولين على المشروع كان إيجابيًا، حيث رأوا فيه فرصة لإصلاح منظومة الصحة. وتوصل المشروع لأشكال تعاون متنوعة مع عدة مؤسسات حكومية منها الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة وجهاز حماية المستهلك ووحدة شفافية الموازنة بوزارة المالية.

في أسوان، وجد فريق المبادرة استجابة جيدة من المسؤولين بعد عرض نتائج تقييم المحافظة في مؤتمر حضره مجدي مرشد، عضو لجنة الصحة بالبرلمان، وياسين عبد الصبور، النائب عن نصر النوبة، واللذين نقلا توصيات المبادرة لوزارة الصحة. كان أوضح نجاح للمؤتمر هو استجابة الوزارة لإحدى التوصيات وإصدارها قرارًا بصرف ستة أجهزة غسيل كلوي لمستشفى أبو سمبل الدولي، بحسب دانيال.

وفي اجتماع مع أعضاء الفريق عقب المؤتمر الذي تم فيه عرض نتائج تقييمات محافظة سوهاج في أغسطس الماضي، تعهد وكيل وزارة الصحة في المحافظة بالعمل على تطوير منظومة الطوارئ، وتجديد المستشفيات الأقل في التقييم، وتطوير الفريق الطبي، وتزويد مستشفيات بعينها بحضانات وأقسام طوارئ.

رغم عدم وجود ضمانات لتنفيذ المسؤولين لتلك الوعود، إلا أن إعلان هذه الالتزامات والتحقق من تنفيذها في دورة التقييم التالية يمثل وسيلة ضغط في هذا الاتجاه، خاصة إذا نجح المشروع في الانتشار.

«هو ملف محايد سياسيًا، مش بنحاول نكسب حاجة أو نضرب حد. الناس كلها متفقة إن فيه مشكلة وبتحاول تصلحها، وبنستخدم لغة داعمة تحاول تلاقي حلول»، يقول دانيال.

وعلى سبيل العمل نحو الهدف المنشود، يستعد فريق المبادرة لإطلاق تطبيق «مستشفى ميتر»، الذي سيترجم نتائج التقييمات إلى خدمات، حيث يمكن لمستخدم التطبيق التعرف على أقرب مستشفى له، واختيار المستشفى الأفضل في محيطه، كما يستطيع تقييم المستشفيات التي يزورها ليظهر تقييمه بالتطبيق.

يأمل المشروع أن يؤدي نظام المراقبة الشعبية إلى ضبط الأداء في قطاع الصحة كما يشرح دانيال: «توسيع الدائرة يشعر الدكتور أن أي شخص يدخل عنده من الممكن أن يكون مُقَيَّم، ننمي المساءلة المجتمعية فلا ينتظر الطبيب أن يأتيه مسؤول، يكون مدرك أن في أي وقت من الممكن أن يأتي مُقَيَّم ويصل كلامه لمجلس النواب وينشر في الجرائد».

تم تعديل هذا المحتوى في 6 أبريل 2017

اعلان
 
 
هبة عفيفي